الخبر
أفادت وكالة رويترز، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بأن مصافي التكرير الصينية المستقلة كثّفت مشترياتها من الخامين العراقي والقطري، للتسليم في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، لتعويض تراجع الإمدادات الإيرانية عقب الحصار البحري الأميركي. ونقلت الوكالة عن متعاملين أن هذه المصافي اشترت ما لا يقل عن 12 مليون برميل، وربما ما بين 15 و20 مليونًا، معظمها من خامَي البصرة المتوسط والثقيل، من بيوت تجارة مثل ميركوريا وترافيغورا وذراع توتال إنرجيز التجارية، بعلاوات تتراوح بين 12 و20 دولارًا للبرميل فوق سعر خام برنت. في المقابل، انخفضت واردات الصين من النفط الإيراني في أيلول/سبتمبر إلى نحو 590 ألف برميل يوميًا، أي قرابة نصف مستواها قبل عام.
التعليق
لا تمثّل طفرة المشتريات الصينية من النفط العراقي مكسبًا استراتيجيًا خالصًا، بقدر ما تعكس حاجة ملحّة لسدّ نقص طارئ في الإمدادات. فالعراق لم يكسب مشتريًا جديدًا بقدر ما ورث زبونًا فقد مورّده الإيراني بفعل العقوبات والضغوط الجيوسياسية.
والمفارقة أن مصافي التكرير الصينية المستقلة في شاندونغ، المعروفة بمصافي “إبريق الشاي”، التي تسابقت على شراء خامَي البصرة بعلاوات سعرية استثنائية، كانت تتجنّب الخام العراقي الحامض وتفضّل النفط الإيراني المخفّض السعر. وهذا يعني أن ولاء هذه المصافي تحكمه الخصومات وفروق التكلفة، لا هوية المورّد، ما يجعل عودتها إلى قنوات الشراء السابقة مسألة وقت، بمجرد حدوث انفراجة إقليمية أو تحسّن بدائل الإمداد.
وتتعمّق المشكلة في نموذج التسويق نفسه؛ فالبراميل التي تصل إلى هذه المصافي لا تُباع غالبًا بموجب عقود مباشرة مع شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، بل تتولى بيعها بيوت تجارة وشركات عالمية، مثل ميركوريا وترافيغورا وتوتال. وبذلك، يستحوذ الوسيط على الجزء الأكبر من العلاوة السعرية، وتبقى العلاقة التجارية محصورة بينه وبين زبونه، لا بين بغداد والمستهلك النهائي. ولا يمكن تحويل مشترٍ عابر إلى زبون دائم ما لم تكن العلاقة التعاقدية مباشرة ومستقرة.
الطفرة الصينية في شراء النفط العراقي ليست تحولًا استراتيجيًا بعد؛ فالمصافي تبحث عن بديل مؤقت للخام الإيراني، وقد تعود إليه فور تحسن ظروف الإمداد.
ولتحويل هذا التحوّل العابر إلى حضور تجاري مستدام، يحتاج صانع القرار النفطي العراقي إلى الانتقال من عقلية “بائع الشحنات الفورية” إلى دور “الشريك الاستراتيجي”، بالاستناد إلى ثلاثة محاور:
- التكامل في المصب والتعاقد المباشر: تجاوز الرهان على المصافي الصغيرة، وبناء علاقات طويلة الأجل مع مجمّعات التكرير والبتروكيماويات الخاصة الكبرى، القادرة فنيًا على معالجة الخامات الثقيلة، وربط مبيعات النفط بحصص في استثمارات مشتركة، وتوسيع الشراكات مع الشركات الصينية العاملة بالفعل في حقول العراق.
- الموثوقية اللوجستية وتوسيع خيارات التسليم: إنهاء الاعتماد الحصري على شروط التسليم على ظهر السفينة (FOB)، وتوفير خيارات مرنة، مثل التسليم في موانئ الوصول (CIF)، إلى جانب إنشاء مرافق إقليمية للتخزين والتفريغ تقلّل مخاطر تعطّل الإمدادات. ويتطلب ذلك أيضًا تأمين مسارات ومنافذ للتصدير لا تجعل موثوقية الشحن رهينة التوترات الجيوسياسية الإقليمية.
- هندسة التسعير والتسوية المالية: اعتماد تسعير تفاضلي مدروس يوازن بين الحفاظ على الإيرادات ومكافأة الالتزام بعقود طويلة الأجل، مع دراسة ترتيبات سداد مرنة تشمل التعامل بالعملات المحلية وتسهيل السيولة.
فرصة بغداد الحقيقية هي تحويل المشتري العابر إلى زبون دائم عبر التعاقد المباشر، وتنويع منافذ التصدير، وضمان إمدادات مستقرة لا تبقى رهينة مضيق هرمز.
ما يبيعه العراق هنا ليس الخام وحده، بل اليقين. فميزته على إيران أنه مورّد غير خاضع للعقوبات، لكن عبور ناقلاته من مضيق هرمز ظلّ مرهونًا بإذن إيراني. والمشتري الباحث عن الاستقرار لن يوقّع عقدًا طويل الأجل مع مورّد يمرّ نفطه عبر ممرّ يتحكّم فيه منافسه. لذلك، يصبح تنويع منافذ التصدير شرطًا لترسيخ الحضور في السوق الصينية، لا ملفًا منفصلًا عنها. فالأزمة لا تصنع زبائن دائمين، بل تمنح فرصة لعرض النفط فحسب.
والرهان الحقيقي لا يُقاس بحجم الشحنات المباعة في ذروة الأزمة، بل بقدرة بغداد على الاحتفاظ بالمشتري الصيني في اليوم التالي لعودة البرميل الإيراني إلى الأسواق. وما لم تكن “سومو” قد تعاقدت معه مباشرة قبل ذلك اليوم، على أن تصل إمداداتها عبر طريق لا يتطلّب إذن طهران، فستكون بغداد قد باعت الأزمة، لا النفط.
هل تصنع أزمة النفط فرصة لبغداد في السوق الصينية؟
الخبر
أفادت وكالة رويترز، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بأن مصافي التكرير الصينية المستقلة كثّفت مشترياتها من الخامين العراقي والقطري، للتسليم في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، لتعويض تراجع الإمدادات الإيرانية عقب الحصار البحري الأميركي. ونقلت الوكالة عن متعاملين أن هذه المصافي اشترت ما لا يقل عن 12 مليون برميل، وربما ما بين 15 و20 مليونًا، معظمها من خامَي البصرة المتوسط والثقيل، من بيوت تجارة مثل ميركوريا وترافيغورا وذراع توتال إنرجيز التجارية، بعلاوات تتراوح بين 12 و20 دولارًا للبرميل فوق سعر خام برنت. في المقابل، انخفضت واردات الصين من النفط الإيراني في أيلول/سبتمبر إلى نحو 590 ألف برميل يوميًا، أي قرابة نصف مستواها قبل عام.
التعليق
لا تمثّل طفرة المشتريات الصينية من النفط العراقي مكسبًا استراتيجيًا خالصًا، بقدر ما تعكس حاجة ملحّة لسدّ نقص طارئ في الإمدادات. فالعراق لم يكسب مشتريًا جديدًا بقدر ما ورث زبونًا فقد مورّده الإيراني بفعل العقوبات والضغوط الجيوسياسية.
والمفارقة أن مصافي التكرير الصينية المستقلة في شاندونغ، المعروفة بمصافي “إبريق الشاي”، التي تسابقت على شراء خامَي البصرة بعلاوات سعرية استثنائية، كانت تتجنّب الخام العراقي الحامض وتفضّل النفط الإيراني المخفّض السعر. وهذا يعني أن ولاء هذه المصافي تحكمه الخصومات وفروق التكلفة، لا هوية المورّد، ما يجعل عودتها إلى قنوات الشراء السابقة مسألة وقت، بمجرد حدوث انفراجة إقليمية أو تحسّن بدائل الإمداد.
وتتعمّق المشكلة في نموذج التسويق نفسه؛ فالبراميل التي تصل إلى هذه المصافي لا تُباع غالبًا بموجب عقود مباشرة مع شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، بل تتولى بيعها بيوت تجارة وشركات عالمية، مثل ميركوريا وترافيغورا وتوتال. وبذلك، يستحوذ الوسيط على الجزء الأكبر من العلاوة السعرية، وتبقى العلاقة التجارية محصورة بينه وبين زبونه، لا بين بغداد والمستهلك النهائي. ولا يمكن تحويل مشترٍ عابر إلى زبون دائم ما لم تكن العلاقة التعاقدية مباشرة ومستقرة.
ولتحويل هذا التحوّل العابر إلى حضور تجاري مستدام، يحتاج صانع القرار النفطي العراقي إلى الانتقال من عقلية “بائع الشحنات الفورية” إلى دور “الشريك الاستراتيجي”، بالاستناد إلى ثلاثة محاور:
ما يبيعه العراق هنا ليس الخام وحده، بل اليقين. فميزته على إيران أنه مورّد غير خاضع للعقوبات، لكن عبور ناقلاته من مضيق هرمز ظلّ مرهونًا بإذن إيراني. والمشتري الباحث عن الاستقرار لن يوقّع عقدًا طويل الأجل مع مورّد يمرّ نفطه عبر ممرّ يتحكّم فيه منافسه. لذلك، يصبح تنويع منافذ التصدير شرطًا لترسيخ الحضور في السوق الصينية، لا ملفًا منفصلًا عنها. فالأزمة لا تصنع زبائن دائمين، بل تمنح فرصة لعرض النفط فحسب.
والرهان الحقيقي لا يُقاس بحجم الشحنات المباعة في ذروة الأزمة، بل بقدرة بغداد على الاحتفاظ بالمشتري الصيني في اليوم التالي لعودة البرميل الإيراني إلى الأسواق. وما لم تكن “سومو” قد تعاقدت معه مباشرة قبل ذلك اليوم، على أن تصل إمداداتها عبر طريق لا يتطلّب إذن طهران، فستكون بغداد قد باعت الأزمة، لا النفط.
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
هل تصنع أزمة النفط فرصة لبغداد في السوق الصينية؟
الخبر
أفادت وكالة رويترز، في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بأن مصافي التكرير الصينية المستقلة كثّفت مشترياتها من الخامين العراقي والقطري، للتسليم في تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، لتعويض تراجع الإمدادات الإيرانية عقب الحصار البحري الأميركي. ونقلت الوكالة عن متعاملين أن هذه المصافي اشترت ما لا يقل عن 12 مليون برميل، وربما ما بين 15 و20 مليونًا، معظمها من خامَي البصرة المتوسط والثقيل، من بيوت تجارة مثل ميركوريا وترافيغورا وذراع توتال إنرجيز التجارية، بعلاوات تتراوح بين 12 و20 دولارًا للبرميل فوق سعر خام برنت. في المقابل، انخفضت واردات الصين من النفط الإيراني في أيلول/سبتمبر إلى نحو 590 ألف برميل يوميًا، أي قرابة نصف مستواها قبل عام.
التعليق
لا تمثّل طفرة المشتريات الصينية من النفط العراقي مكسبًا استراتيجيًا خالصًا، بقدر ما تعكس حاجة ملحّة لسدّ نقص طارئ في الإمدادات. فالعراق لم يكسب مشتريًا جديدًا بقدر ما ورث زبونًا فقد مورّده الإيراني بفعل العقوبات والضغوط الجيوسياسية.
والمفارقة أن مصافي التكرير الصينية المستقلة في شاندونغ، المعروفة بمصافي “إبريق الشاي”، التي تسابقت على شراء خامَي البصرة بعلاوات سعرية استثنائية، كانت تتجنّب الخام العراقي الحامض وتفضّل النفط الإيراني المخفّض السعر. وهذا يعني أن ولاء هذه المصافي تحكمه الخصومات وفروق التكلفة، لا هوية المورّد، ما يجعل عودتها إلى قنوات الشراء السابقة مسألة وقت، بمجرد حدوث انفراجة إقليمية أو تحسّن بدائل الإمداد.
وتتعمّق المشكلة في نموذج التسويق نفسه؛ فالبراميل التي تصل إلى هذه المصافي لا تُباع غالبًا بموجب عقود مباشرة مع شركة تسويق النفط العراقية “سومو”، بل تتولى بيعها بيوت تجارة وشركات عالمية، مثل ميركوريا وترافيغورا وتوتال. وبذلك، يستحوذ الوسيط على الجزء الأكبر من العلاوة السعرية، وتبقى العلاقة التجارية محصورة بينه وبين زبونه، لا بين بغداد والمستهلك النهائي. ولا يمكن تحويل مشترٍ عابر إلى زبون دائم ما لم تكن العلاقة التعاقدية مباشرة ومستقرة.
ولتحويل هذا التحوّل العابر إلى حضور تجاري مستدام، يحتاج صانع القرار النفطي العراقي إلى الانتقال من عقلية “بائع الشحنات الفورية” إلى دور “الشريك الاستراتيجي”، بالاستناد إلى ثلاثة محاور:
ما يبيعه العراق هنا ليس الخام وحده، بل اليقين. فميزته على إيران أنه مورّد غير خاضع للعقوبات، لكن عبور ناقلاته من مضيق هرمز ظلّ مرهونًا بإذن إيراني. والمشتري الباحث عن الاستقرار لن يوقّع عقدًا طويل الأجل مع مورّد يمرّ نفطه عبر ممرّ يتحكّم فيه منافسه. لذلك، يصبح تنويع منافذ التصدير شرطًا لترسيخ الحضور في السوق الصينية، لا ملفًا منفصلًا عنها. فالأزمة لا تصنع زبائن دائمين، بل تمنح فرصة لعرض النفط فحسب.
والرهان الحقيقي لا يُقاس بحجم الشحنات المباعة في ذروة الأزمة، بل بقدرة بغداد على الاحتفاظ بالمشتري الصيني في اليوم التالي لعودة البرميل الإيراني إلى الأسواق. وما لم تكن “سومو” قد تعاقدت معه مباشرة قبل ذلك اليوم، على أن تصل إمداداتها عبر طريق لا يتطلّب إذن طهران، فستكون بغداد قد باعت الأزمة، لا النفط.
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
اقرأ أيضاً
هل تصنع أزمة النفط فرصة لبغداد في السوق الصينية؟
العراق–إيران: تحويل ملف الطيران إلى سردية مذهبية وسيادية
إيران في قمة ترامب–شي: النفوذ الصيني وحدود استخدامه
البديل الشيعي للإطار: فرص عودة الصدر وحدودها
الاستعصاء اللبناني: حين يصبح اللامسار مسارًا
واشنطن واتفاق مكة.. تقاسم الأعباء وحدود النفوذ الإستراتيجي