البديل الشيعي للإطار: فرص عودة الصدر وحدودها

مقدمة

أعاد ابتعاد مقتدى الصدر عن العملية السياسية منذ عام 2022 تشكيل موازين القوى داخل البيت الشيعي، ومنح الإطار التنسيقي مساحة أوسع لإدارة السلطة، من دون أن ينهي الانقسامات أو ينتج استقرارًا سياسيًا مستدامًا. وبعد أربعة أعوام من المقاطعة، بدأت تظهر إشارات إلى إعادة تنشيط التيار الوطني الشيعي وتمهيد حضوره العام. لكن تقدير فرص عودة الصدر لا يعتمد على هذه الإشارات وحدها، بل على مدى تغيّر الظروف التي دفعته إلى الانسحاب، وقدرته هذه المرة على تحويل ثقله الشعبي والانتخابي إلى نفوذ سياسي مستدام.

 

أولًا: دلالة الاجتماع وحدودها

اجتمع في بغداد، مساء الجمعة أواخر آب/أغسطس 2026، عدد من نواب الكتلة الصدرية المستقيلة برئاسة رئيسها السابق حسن العذاري. ونقل العذاري إلى الحاضرين “توجيهات” مقتدى الصدر، زعيم التيار الوطني الشيعي، وناقش الاجتماع الأوضاع السياسية العامة، قبل السماح بتداول خبره وصوره إعلاميًا. وفي الوقت نفسه، بقيت أبواب “الحنانة” في النجف مغلقة أمام محاولات الإطار التنسيقي فتح قناة حوار مباشرة مع الصدر. وهكذا، أعاد التيار تنشيط قنواته الداخلية، مع إبقائها مغلقة أمام خصومه.

يغري هذا التزامن بقراءة الاجتماع تمهيدًا لعودة سياسية وشيكة، لكن الحدث وحده لا يحتمل هذه الدلالة. فالكتلة المستقيلة لم تعد كيانًا برلمانيًا منذ 2022، ولا تتمتع بصفة تمثيلية في مجلس النواب المنتخب عام 2025. وما بقي منها بنية تنظيمية واجتماعية تحتفظ بخط قيادة قابل للتفعيل. ويكشف الاجتماع استمرار هذا الخط وانضباطه وقدرته على إظهار التماسك علنًا. لذلك، فالمعطى الجديد هو جاهزية الأداة، لا قرار استخدامها.

يكتسب التمييز بين الجاهزية والقرار أهميته من أن الصدر، بحسب الظاهر، ما زال متمسكًا بشروطه للعودة: حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء المحاصصة، وإصلاح جذري يسبق المشاركة، ولم يعلن تراجعه عنها. وهي الشروط التي استند إليها في إعلان عدم المشاركة في آذار/مارس 2025، ثم الدعوة إلى مقاطعة انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 “بوجود الميليشيات“. أي إنه ربط العودة بتغيير البيئة السياسية، لا بتوقيت انتخابي.

المعطى الجديد ليس قرار عودة الصدر، بل جاهزية أداته التنظيمية؛ فالتيار استعاد حضوره العلني، لكنه لم يعلن بعد الانتقال إلى المشاركة المؤسسية.

لذلك، ليس السؤال: هل يعود الصدر؟ بل: هل تغيّرت منذ 2022 الشروط التي تجعل عودته مجزية؟ وهل يملك هذه المرة أدوات تحويل حضوره إلى سلطة، أم ستصطدم عودته بالبنية نفسها التي دفعته إلى الانسحاب؟ فجاهزية التيار لا تعني قدرته على تجاوز أسباب خروجه.

 

ثانيًا: طبيعة المأزق الذي أنتج انسحاب 2022

لم ينسحب الصدر بسبب ضعف انتخابي؛ إذ تصدّرت كتلته انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2021 بثلاثة وسبعين مقعدًا، وهو أكبر عدد حصدته كتلة واحدة. لكن المشكلة ظهرت بعد الفوز، حين اصطدم مشروع “حكومة الأغلبية الوطنية” بقدرة الإطار التنسيقي على التعطيل، مستفيدًا من الجدل حول “الكتلة الأكبر“، واشتراط نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية. فتحوّل الفائز الأول إلى طرف عاجز عن تشكيل الحكومة. وفي 12 حزيران/يونيو 2022، استقال نواب الكتلة دفعة واحدة، فانتقلت معظم مقاعدهم، وفق آلية الاستبدال القانونية، إلى مرشحين منافسين، وكان الإطار المستفيد الأكبر.

لم ينسحب الصدر بسبب ضعف انتخابي، بل لعجزه عن تحويل الفوز إلى حكومة؛ إذ كافأ النظام القدرة على التعطيل أكثر من تصدّر الانتخابات.

تكشف التجربة أن النظام العراقي، بصيغته التوافقية، يكافئ القدرة على التعطيل أكثر من الفوز. فالصندوق يمنح المقاعد، لكن تشكيل الحكومة يتطلب تحالفات ملزمة، وقواعد دستورية وقضائية مستقرة، وقبولًا إقليميًا ودوليًا، مع القدرة على تحمّل كلفة المواجهة. لذلك، لا يُقاس نجاح العودة بحجم الكتلة المتوقعة، بل بضمانات ما بعد الصندوق.

 

ثالثًا: ما الذي تغيّر منذ الانسحاب؟
1) الإطار التنسيقي: ائتلاف حاكم منقسم يحتفظ بقدرة التعطيل

تصدّر ائتلاف “الإعمار والتنمية” بزعامة محمد شياع السوداني انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بستة وأربعين مقعدًا، من دون أن يتمكن أي طرف من التشكيل منفردًا. وأعقبت الانتخابات دورة تعطيل قاربت نصف سنة داخل البيت الشيعي، انتهت بسحب ترشيح نوري المالكي وتكليف علي فالح الزيدي، في 28 نيسان/أبريل 2026، مرشحًا توافقيًا للإطار. ثم نالت حكومته ثقة جزئية شملت أربع عشرة وزارة من أصل ثلاث وعشرين، وبقيت تسع حقائب شاغرة حتى لحظة كتابة هذه الورقة، بينها الدفاع والداخلية. وأثبت المسار قدرة الإطار على إنتاج توافق، ولكن بعد استنزاف كشف عمق انقساماته.

أصبح الإطار أقل تماسكًا وأكثر تحمّلًا لكلفة الحكم، لكنه ما زال يحتفظ بقدرته على التعطيل والسيطرة على قواعد تشكيل السلطة.

هذا معطى أساسي لتقدير عودة الصدر؛ فتماسك الإطار الذي منعه من تشكيل الحكومة عام 2022 لم يعد قائمًا بالصورة نفسها. إذ ينقسم الإطار على القيادة والنفوذ، ويتحمّل إلى حد بعيد كلفة الحكم وإخفاقاته، بينما يعكس تعثر استكمال الكابينة مساومات داخلية لا خلافات فنية. لكن تراجع تماسكه لا يعني تراجع قدرته على التعطيل؛ فقد عطّلت قواه بعضها بعضًا أشهرًا من دون فقدان السيطرة على قواعد اللعبة. فالإطار أضعف في الحكم، لا في المنع.

2) الصدر: إعادة بناء مصادر النفوذ

وقع التحول الأهم داخل معسكر الصدر نفسه. ففي 27 أيار/مايو 2026، أعلن “انفكاك سرايا السلام عن التيار الوطني الشيعي انفكاكًا تامًا، والتحاقها التام بالدولة”، وانتقالها إلى وزارتي الدفاع أو الداخلية تحت إمرة القائد العام، مع تسليم السلاح. ورحبت الحكومة بالخطوة بوصفها ترسيخًا لحصر السلاح، فيما عدّها مراقبون استباقًا لضغوط دولية متوقعة على الفصائل، وتحسينًا لموقع الصدر إقليميًا ودوليًا قبل الاستحقاقات المقبلة. وبذلك، بدأ تقديم نفسه قوة تندمج في الدولة، لا تنافسها بالسلاح.

رفع التخلي عن سلاح سرايا السلام مقبولية الصدر داخليًا وخارجيًا، لكنه خفّض جزءًا من أدوات الضغط التي كان يستخدمها لفرض شروطه.

وفي تموز/يوليو 2026، اتضح هذا التموضع حين ساند الصدر حملة “صولة الفجر” الحكومية ضد ملفات الفساد الكبرى. كما دعا أنصاره إلى تظاهرات سلمية مساندة، من دون إعلان مشاركة سياسية مباشرة. وهكذا، عاد إلى التأثير من موقع مساند للدولة، من دون تحمّل كلفة الحكم.

جوهر التحول هو انتقال الصدر من مراكمة رأس مال تعبوي وإكراهي، قوامه الشارع والسلاح وقلب المعادلة، إلى رأس مال معياري يقوم على إعلان التخلي عن السلاح، ومساندة مكافحة الفساد، وتقديم الدولة على الاحتجاج. ويعالج ذلك صورته قوة تعمل خارج الدولة، لكنه لا يحل المشكلة التي جعلت فوزه عقيمًا عام 2022. فقد حسّن شروط قبول عودته، من دون أن يثبت امتلاكه أدوات تحويلها إلى سلطة.

3) البيئة الخارجية: نافذة تتشكّل وأخرى تُغلق

يُفترض استكمال المرحلة الأخيرة من إنهاء مهمة التحالف الدولي المنطلقة من الأراضي العراقية بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2026، وفق التفاهمات العراقية-الأميركية، بالتوازي مع الانتقال إلى شراكة أمنية ودفاعية ثنائية مع واشنطن؛ وهو ما لا يعني بالضرورة انسحاب جميع القوات الأميركية من العراق. وربطت بغداد هذا الاستحقاق بحصر السلاح، إذ أشار مستشار الأمن القومي إلى إمكان بدء الحوار مع الفصائل بعد استكمال الانسحاب. وبذلك، يقترب البيت الشيعي من اختبار مؤجل، فيما يتقدم الصدر على خصومه بإعلان التخلي عن سلاح جناحه والاندماج في الدولة. ويمنحه ذلك أفضلية سياسية وأخلاقية إذا صار حصر السلاح استحقاقًا فعليًا.

في المقابل، يعمل الضغط الخارجي باتجاهين: أضعف خصوم الصدر، لكنه دفع بعضهم إلى مزيد من التمسك بالسلاح بوصفه ضمانة للبقاء، فضيّق هامش أي تسوية تقصي جزءًا من الإطار. كما أضاف الاعتراض الخارجي، الذي ظهر في اختيار رئيس الوزراء، طبقة جديدة إلى معادلة التشكيل؛ فلم يعد الفوز والتحالف الداخلي كافيين، بل يجب تجنب اعتراض القوى الخارجية الأكثر تأثيرًا. وهكذا، تفتح البيئة الخارجية نافذة لعودة الصدر بوصفه أقرب إلى منطق الدولة، وتغلق طريق انفراده بالسلطة أو إقصائه خصومه.

 

رابعًا: ما الذي لم يتغيّر؟

أولًا، لم تتغيّر قواعد تشكيل السلطة. فما زال تفسير “الكتلة الأكبر” واشتراط نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية يتيحان لأقلية منظمة تعطيل مسار تقوده الكتلة المتصدرة انتخابيًا. وهذه الآلية أسهمت في إفشال مشروع الصدر عامي 2021 و2022، ولم تتغير تشريعيًا أو قضائيًا. لذلك، بقيت قواعد تحويل الفوز إلى حكومة كما هي.

ثانيًا، لم يتغيّر توزيع الموارد جوهريًا. فما زال خصوم الصدر يمسكون بمفاصل داخل الدولة، وشبكات اقتصادية، وقدرات مسلحة، وإن غدت أقل ظهورًا. ومن منظور القوة الصرف، دخل الصدر مسار حصر السلاح بوصفه المبادر إلى التنازل، لا المفاوض على ثمنه. فتحسّن موقعه المعياري، مقابل خفض جزء من أدوات القوة أمام خصوم لم يفعلوا الشيء نفسه.

ثالثًا، لم يُحسم سؤال الحلفاء. فقد أظهرت التجربة أن تحالف القوى السنية والكردية مع الصدر تحكمه المصالح والتفاوض، لا شراكة استراتيجية طويلة، وأن صموده يتراجع تحت الضغط أو بتغير المصالح. ولا مؤشر إلى ترتيب مختلف حتى الآن. ومن دون تحالف أكثر تماسكًا وإلزامًا، يبقى أي فوز صدري عرضة للتعطيل.

رابعًا، تسير النزاهة الانتخابية، وهي الأخطر على شرط الصدر الإصلاحي، عكس مطالبه. فمشروع تعديل قانون المفوضية المتداول في مجلس النواب يعيد اختيار مجلس المفوضين إلى البرلمان بدل الآلية القضائية، ويخفف شرط الصفة القضائية، قبل انتخابات مجالس المحافظات المقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2027. وبذلك، تشارك القوى المتنافسة في اختيار الجهة المشرفة عليها. فإذا كانت العودة مشروطة بضمان النزاهة، فإن الضمانة تتآكل ولا تتحسن.

خامسًا، للمقاطعة الطويلة كلفة صامتة. فقد خرج التيار من البرلمان عام 2022، وقاطع الانتخابات المحلية عام 2023 ثم البرلمانية عام 2025؛ أي ابتعد أكثر من أربعة أعوام عن مواقع القرار وشبكات التوظيف والعقود والخدمات التي يقوم عليها جزء من ولاء القواعد السياسية. وحافظ على تماسكه التنظيمي والعقائدي، كما يوحي الاجتماع الأخير، لكن ذلك لا يساوي القدرة على التعبئة الانتخابية. ولا بيانات موثوقة تقيس بقاء كتلته التصويتية أو تآكلها لمصلحة العزوف أو المنافسين. لذلك، تحمل انتخابات 2027 قيمة مزدوجة: بوابة للعودة، واختبارًا قد يكشف وزنًا فعليًا أقل من المفترض.

سادسًا، لم يقدّم الصدر تصورًا معلنًا لإدارة ما بعد الفوز. وهذا هو الفراغ الذي انتهى عام 2022 إلى انسداد ثم انسحاب ومواجهة. فمشكلة العودة ليست القدرة على الفوز، بل غياب خطة تمنع تكرار ما بعده.

 

خامسًا: بوابات العودة وتوقيتها

لا يوجد استحقاق انتخابي وشيك. فانتخابات مجالس المحافظات مقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2027، ولا تحين البرلمانية قبل خريف 2029 وفق المدد الدستورية المعتادة. وتبدو الانتخابات المبكرة مستبعدة مع حكومة لم تستكمل تشكيلتها، وغياب توافق على إنهاء الدورة الحالية. لذلك، لا يملك الصدر بوابة انتخابية فورية، وسيُدير مرحلة تمهيدية حتى اقتراب استحقاق 2027.

تتوزع بوابات العودة على ثلاثة مسارات: التموضع ضامنًا شعبيًا لحصر السلاح ومكافحة الفساد، بما يمنحه نفوذًا على الحكومة من دون مسؤوليتها؛ والتفاوض على ترتيبات تسبق المشاركة، تشمل تشكيل المفوضية وقانون الانتخابات وضمانات تشكيل الحكومة، وهي الوحيدة التي تعالج مأزق 2022 من جذره؛ ثم خوض انتخابات 2027 بوصفها اختبارًا أقل كلفة من الانتخابات البرلمانية، يقيس حجم التيار بعد المقاطعة من دون معركة مباشرة على الحكومة الاتحادية. والأرجح أن تكون العودة متدرجة: تأثير من الخارج، ثم اختبار انتخابي، قبل العودة الكاملة إلى الحكم.

العودة ممكنة، لكن تحويلها إلى سلطة يتطلب مفوضية مستقلة، وتحالفات ملزمة، وضمانات لما بعد الانتخابات تمنع تكرار مأزق عام 2022.

 

سادسًا: السيناريوهات خلال السنة القادمة
1) استمرار التأثير من الخارج: مرتفع الاحتمال

يواصل الصدر التأثير من خارج المؤسسات عبر مساندة مشروطة لحكومة الزيدي في ملفي السلاح

والفساد، وإبقاء التنظيم جاهزًا، ورفض الحوار المباشر مع الإطار. ومن مؤشراته تكرار اجتماعات نواب الكتلة المستقيلة، وغياب تحضير انتخابي واضح، واستمرار إغلاق “الحنانة” أمام وفود الإطار. وهو الأقل كلفة والأكثر اتساقًا مع سلوكه منذ 2025؛ إذ يراكم النفوذ من دون أعباء المشاركة.

2) العودة عبر انتخابات 2027: احتمال متوسط ومشروط

يتطلب المسار تسوية مقبولة لتشكيل المفوضية تحفظ حدًا أدنى من النزاهة والاستقلال، واستمرار زخم الإصلاح الحكومي بما يتيح تقديم المشاركة استكمالًا للإصلاح، لا عودة إلى المحاصصة. ومن مؤشراته تدخل صدري علني في نقاش المفوضية، وبدء الاستعداد الانتخابي، وتحول الشروط المطلقة إلى مطالب قابلة للتفاوض. وهي عودة محسوبة، لكنها قد تكشف تراجع الوزن الانتخابي.

3) التسوية الشاملة: منخفضة الاحتمال

يفترض هذا السيناريو اتفاقًا، قبل المشاركة، على ترتيبات تشكيل الحكومة وضمانات ما بعد الانتخابات، بدعم إقليمي ودولي. لكن شروطه غائبة؛ فالإطار، رغم إنهاكه، لا يملك دافعًا لتقديم ضمانات تحد نفوذه أو تسمح بإقصائه، ولا يمتلك الصدر أداة كافية لفرضها. لذلك، تستبعد التسوية الشاملة ما لم يتغير ميزان القوة الشيعي أو موقف الفاعلين الخارجيين.

4) أزمة السلاح: احتمال قوي ومرتفع التأثير

إذا تحول استحقاق ما بعد 30 أيلول/سبتمبر 2026 إلى أزمة شيعية مفتوحة، فقد يبلغ الاستقطاب حدوده القصوى ويتجمد أي مسار تفاوضي لعودة الصدر. عندئذ، يغدو رصيده المعياري الناتج من إعلان التخلي عن سلاح سرايا السلام ورقة ثمينة، ولكن في سياق مواجهة لا تسوية. وقد يعزز تعثر حصر السلاح شرعية موقفه، فيما يضعف فرص عودته المؤسسية.

 

خلاصة تحليلية

تغيّر ميزان الشرعية داخل البيت الشيعي أكثر من ميزان القوة. فقد خرج الإطار من دورة التعطيل أقل تماسكًا وأكثر تحمّلًا لمسؤولية الحكم، وخرج الصدر من المقاطعة أقل تورطًا في إخفاقاته وأقدر على تقديم نفسه بديلًا. لكن الصدر راكم رصيدًا معياريًا في نظام لا يوزع السلطة بالشرعية وحدها، بل بالتعطيل وضمانات ما قبل التشكيل. فتحسّن موقعه السياسي، لا شروط وصوله إلى السلطة بالقدر نفسه.

وتكمن المفارقة في أن الخطوات التي رفعت مقبولية الصدر داخليًا وخارجيًا، وفي مقدمتها إعلان تسليم سلاح سرايا السلام ودمجها في الدولة، خفّضت بعض أدوات ضغطه التفاوضية. فهو أقدر اليوم على أن يكون شريكًا مقبولًا، وأقل قدرة على فرض شروط الشراكة: كسب في ميزان الشرعية بقدر ما خسر، أو اختار التخلي، في ميزان الإكراه.

لذلك، تبقى أي عودة انتخابية معرضة لتكرار مأزق 2021 و2022 ما لم تسبقها تفاهمات ملزمة على تشكيل الحكومة، ومفوضية مستقلة، وتحالف قادر على الصمود مع القوى السنية والكردية. ومن دونها، يرجح استمرار مسار ربيع 2026: التأثير من دون مشاركة مؤسسية، والقدرة على منع ما لا يقبله من دون تحمّل مسؤولية ما ينبغي إنجازه. فالعودة ممكنة، لكن تحولها إلى سلطة مشروط بمعالجة أسباب الانسحاب.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

البديل الشيعي للإطار: فرص عودة الصدر وحدودها

مقدمة

أعاد ابتعاد مقتدى الصدر عن العملية السياسية منذ عام 2022 تشكيل موازين القوى داخل البيت الشيعي، ومنح الإطار التنسيقي مساحة أوسع لإدارة السلطة، من دون أن ينهي الانقسامات أو ينتج استقرارًا سياسيًا مستدامًا. وبعد أربعة أعوام من المقاطعة، بدأت تظهر إشارات إلى إعادة تنشيط التيار الوطني الشيعي وتمهيد حضوره العام. لكن تقدير فرص عودة الصدر لا يعتمد على هذه الإشارات وحدها، بل على مدى تغيّر الظروف التي دفعته إلى الانسحاب، وقدرته هذه المرة على تحويل ثقله الشعبي والانتخابي إلى نفوذ سياسي مستدام.

 

أولًا: دلالة الاجتماع وحدودها

اجتمع في بغداد، مساء الجمعة أواخر آب/أغسطس 2026، عدد من نواب الكتلة الصدرية المستقيلة برئاسة رئيسها السابق حسن العذاري. ونقل العذاري إلى الحاضرين “توجيهات” مقتدى الصدر، زعيم التيار الوطني الشيعي، وناقش الاجتماع الأوضاع السياسية العامة، قبل السماح بتداول خبره وصوره إعلاميًا. وفي الوقت نفسه، بقيت أبواب “الحنانة” في النجف مغلقة أمام محاولات الإطار التنسيقي فتح قناة حوار مباشرة مع الصدر. وهكذا، أعاد التيار تنشيط قنواته الداخلية، مع إبقائها مغلقة أمام خصومه.

يغري هذا التزامن بقراءة الاجتماع تمهيدًا لعودة سياسية وشيكة، لكن الحدث وحده لا يحتمل هذه الدلالة. فالكتلة المستقيلة لم تعد كيانًا برلمانيًا منذ 2022، ولا تتمتع بصفة تمثيلية في مجلس النواب المنتخب عام 2025. وما بقي منها بنية تنظيمية واجتماعية تحتفظ بخط قيادة قابل للتفعيل. ويكشف الاجتماع استمرار هذا الخط وانضباطه وقدرته على إظهار التماسك علنًا. لذلك، فالمعطى الجديد هو جاهزية الأداة، لا قرار استخدامها.

يكتسب التمييز بين الجاهزية والقرار أهميته من أن الصدر، بحسب الظاهر، ما زال متمسكًا بشروطه للعودة: حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء المحاصصة، وإصلاح جذري يسبق المشاركة، ولم يعلن تراجعه عنها. وهي الشروط التي استند إليها في إعلان عدم المشاركة في آذار/مارس 2025، ثم الدعوة إلى مقاطعة انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 “بوجود الميليشيات“. أي إنه ربط العودة بتغيير البيئة السياسية، لا بتوقيت انتخابي.

المعطى الجديد ليس قرار عودة الصدر، بل جاهزية أداته التنظيمية؛ فالتيار استعاد حضوره العلني، لكنه لم يعلن بعد الانتقال إلى المشاركة المؤسسية.

لذلك، ليس السؤال: هل يعود الصدر؟ بل: هل تغيّرت منذ 2022 الشروط التي تجعل عودته مجزية؟ وهل يملك هذه المرة أدوات تحويل حضوره إلى سلطة، أم ستصطدم عودته بالبنية نفسها التي دفعته إلى الانسحاب؟ فجاهزية التيار لا تعني قدرته على تجاوز أسباب خروجه.

 

ثانيًا: طبيعة المأزق الذي أنتج انسحاب 2022

لم ينسحب الصدر بسبب ضعف انتخابي؛ إذ تصدّرت كتلته انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2021 بثلاثة وسبعين مقعدًا، وهو أكبر عدد حصدته كتلة واحدة. لكن المشكلة ظهرت بعد الفوز، حين اصطدم مشروع “حكومة الأغلبية الوطنية” بقدرة الإطار التنسيقي على التعطيل، مستفيدًا من الجدل حول “الكتلة الأكبر“، واشتراط نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية. فتحوّل الفائز الأول إلى طرف عاجز عن تشكيل الحكومة. وفي 12 حزيران/يونيو 2022، استقال نواب الكتلة دفعة واحدة، فانتقلت معظم مقاعدهم، وفق آلية الاستبدال القانونية، إلى مرشحين منافسين، وكان الإطار المستفيد الأكبر.

لم ينسحب الصدر بسبب ضعف انتخابي، بل لعجزه عن تحويل الفوز إلى حكومة؛ إذ كافأ النظام القدرة على التعطيل أكثر من تصدّر الانتخابات.

تكشف التجربة أن النظام العراقي، بصيغته التوافقية، يكافئ القدرة على التعطيل أكثر من الفوز. فالصندوق يمنح المقاعد، لكن تشكيل الحكومة يتطلب تحالفات ملزمة، وقواعد دستورية وقضائية مستقرة، وقبولًا إقليميًا ودوليًا، مع القدرة على تحمّل كلفة المواجهة. لذلك، لا يُقاس نجاح العودة بحجم الكتلة المتوقعة، بل بضمانات ما بعد الصندوق.

 

ثالثًا: ما الذي تغيّر منذ الانسحاب؟
1) الإطار التنسيقي: ائتلاف حاكم منقسم يحتفظ بقدرة التعطيل

تصدّر ائتلاف “الإعمار والتنمية” بزعامة محمد شياع السوداني انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بستة وأربعين مقعدًا، من دون أن يتمكن أي طرف من التشكيل منفردًا. وأعقبت الانتخابات دورة تعطيل قاربت نصف سنة داخل البيت الشيعي، انتهت بسحب ترشيح نوري المالكي وتكليف علي فالح الزيدي، في 28 نيسان/أبريل 2026، مرشحًا توافقيًا للإطار. ثم نالت حكومته ثقة جزئية شملت أربع عشرة وزارة من أصل ثلاث وعشرين، وبقيت تسع حقائب شاغرة حتى لحظة كتابة هذه الورقة، بينها الدفاع والداخلية. وأثبت المسار قدرة الإطار على إنتاج توافق، ولكن بعد استنزاف كشف عمق انقساماته.

أصبح الإطار أقل تماسكًا وأكثر تحمّلًا لكلفة الحكم، لكنه ما زال يحتفظ بقدرته على التعطيل والسيطرة على قواعد تشكيل السلطة.

هذا معطى أساسي لتقدير عودة الصدر؛ فتماسك الإطار الذي منعه من تشكيل الحكومة عام 2022 لم يعد قائمًا بالصورة نفسها. إذ ينقسم الإطار على القيادة والنفوذ، ويتحمّل إلى حد بعيد كلفة الحكم وإخفاقاته، بينما يعكس تعثر استكمال الكابينة مساومات داخلية لا خلافات فنية. لكن تراجع تماسكه لا يعني تراجع قدرته على التعطيل؛ فقد عطّلت قواه بعضها بعضًا أشهرًا من دون فقدان السيطرة على قواعد اللعبة. فالإطار أضعف في الحكم، لا في المنع.

2) الصدر: إعادة بناء مصادر النفوذ

وقع التحول الأهم داخل معسكر الصدر نفسه. ففي 27 أيار/مايو 2026، أعلن “انفكاك سرايا السلام عن التيار الوطني الشيعي انفكاكًا تامًا، والتحاقها التام بالدولة”، وانتقالها إلى وزارتي الدفاع أو الداخلية تحت إمرة القائد العام، مع تسليم السلاح. ورحبت الحكومة بالخطوة بوصفها ترسيخًا لحصر السلاح، فيما عدّها مراقبون استباقًا لضغوط دولية متوقعة على الفصائل، وتحسينًا لموقع الصدر إقليميًا ودوليًا قبل الاستحقاقات المقبلة. وبذلك، بدأ تقديم نفسه قوة تندمج في الدولة، لا تنافسها بالسلاح.

رفع التخلي عن سلاح سرايا السلام مقبولية الصدر داخليًا وخارجيًا، لكنه خفّض جزءًا من أدوات الضغط التي كان يستخدمها لفرض شروطه.

وفي تموز/يوليو 2026، اتضح هذا التموضع حين ساند الصدر حملة “صولة الفجر” الحكومية ضد ملفات الفساد الكبرى. كما دعا أنصاره إلى تظاهرات سلمية مساندة، من دون إعلان مشاركة سياسية مباشرة. وهكذا، عاد إلى التأثير من موقع مساند للدولة، من دون تحمّل كلفة الحكم.

جوهر التحول هو انتقال الصدر من مراكمة رأس مال تعبوي وإكراهي، قوامه الشارع والسلاح وقلب المعادلة، إلى رأس مال معياري يقوم على إعلان التخلي عن السلاح، ومساندة مكافحة الفساد، وتقديم الدولة على الاحتجاج. ويعالج ذلك صورته قوة تعمل خارج الدولة، لكنه لا يحل المشكلة التي جعلت فوزه عقيمًا عام 2022. فقد حسّن شروط قبول عودته، من دون أن يثبت امتلاكه أدوات تحويلها إلى سلطة.

3) البيئة الخارجية: نافذة تتشكّل وأخرى تُغلق

يُفترض استكمال المرحلة الأخيرة من إنهاء مهمة التحالف الدولي المنطلقة من الأراضي العراقية بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2026، وفق التفاهمات العراقية-الأميركية، بالتوازي مع الانتقال إلى شراكة أمنية ودفاعية ثنائية مع واشنطن؛ وهو ما لا يعني بالضرورة انسحاب جميع القوات الأميركية من العراق. وربطت بغداد هذا الاستحقاق بحصر السلاح، إذ أشار مستشار الأمن القومي إلى إمكان بدء الحوار مع الفصائل بعد استكمال الانسحاب. وبذلك، يقترب البيت الشيعي من اختبار مؤجل، فيما يتقدم الصدر على خصومه بإعلان التخلي عن سلاح جناحه والاندماج في الدولة. ويمنحه ذلك أفضلية سياسية وأخلاقية إذا صار حصر السلاح استحقاقًا فعليًا.

في المقابل، يعمل الضغط الخارجي باتجاهين: أضعف خصوم الصدر، لكنه دفع بعضهم إلى مزيد من التمسك بالسلاح بوصفه ضمانة للبقاء، فضيّق هامش أي تسوية تقصي جزءًا من الإطار. كما أضاف الاعتراض الخارجي، الذي ظهر في اختيار رئيس الوزراء، طبقة جديدة إلى معادلة التشكيل؛ فلم يعد الفوز والتحالف الداخلي كافيين، بل يجب تجنب اعتراض القوى الخارجية الأكثر تأثيرًا. وهكذا، تفتح البيئة الخارجية نافذة لعودة الصدر بوصفه أقرب إلى منطق الدولة، وتغلق طريق انفراده بالسلطة أو إقصائه خصومه.

 

رابعًا: ما الذي لم يتغيّر؟

أولًا، لم تتغيّر قواعد تشكيل السلطة. فما زال تفسير “الكتلة الأكبر” واشتراط نصاب الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية يتيحان لأقلية منظمة تعطيل مسار تقوده الكتلة المتصدرة انتخابيًا. وهذه الآلية أسهمت في إفشال مشروع الصدر عامي 2021 و2022، ولم تتغير تشريعيًا أو قضائيًا. لذلك، بقيت قواعد تحويل الفوز إلى حكومة كما هي.

ثانيًا، لم يتغيّر توزيع الموارد جوهريًا. فما زال خصوم الصدر يمسكون بمفاصل داخل الدولة، وشبكات اقتصادية، وقدرات مسلحة، وإن غدت أقل ظهورًا. ومن منظور القوة الصرف، دخل الصدر مسار حصر السلاح بوصفه المبادر إلى التنازل، لا المفاوض على ثمنه. فتحسّن موقعه المعياري، مقابل خفض جزء من أدوات القوة أمام خصوم لم يفعلوا الشيء نفسه.

ثالثًا، لم يُحسم سؤال الحلفاء. فقد أظهرت التجربة أن تحالف القوى السنية والكردية مع الصدر تحكمه المصالح والتفاوض، لا شراكة استراتيجية طويلة، وأن صموده يتراجع تحت الضغط أو بتغير المصالح. ولا مؤشر إلى ترتيب مختلف حتى الآن. ومن دون تحالف أكثر تماسكًا وإلزامًا، يبقى أي فوز صدري عرضة للتعطيل.

رابعًا، تسير النزاهة الانتخابية، وهي الأخطر على شرط الصدر الإصلاحي، عكس مطالبه. فمشروع تعديل قانون المفوضية المتداول في مجلس النواب يعيد اختيار مجلس المفوضين إلى البرلمان بدل الآلية القضائية، ويخفف شرط الصفة القضائية، قبل انتخابات مجالس المحافظات المقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2027. وبذلك، تشارك القوى المتنافسة في اختيار الجهة المشرفة عليها. فإذا كانت العودة مشروطة بضمان النزاهة، فإن الضمانة تتآكل ولا تتحسن.

خامسًا، للمقاطعة الطويلة كلفة صامتة. فقد خرج التيار من البرلمان عام 2022، وقاطع الانتخابات المحلية عام 2023 ثم البرلمانية عام 2025؛ أي ابتعد أكثر من أربعة أعوام عن مواقع القرار وشبكات التوظيف والعقود والخدمات التي يقوم عليها جزء من ولاء القواعد السياسية. وحافظ على تماسكه التنظيمي والعقائدي، كما يوحي الاجتماع الأخير، لكن ذلك لا يساوي القدرة على التعبئة الانتخابية. ولا بيانات موثوقة تقيس بقاء كتلته التصويتية أو تآكلها لمصلحة العزوف أو المنافسين. لذلك، تحمل انتخابات 2027 قيمة مزدوجة: بوابة للعودة، واختبارًا قد يكشف وزنًا فعليًا أقل من المفترض.

سادسًا، لم يقدّم الصدر تصورًا معلنًا لإدارة ما بعد الفوز. وهذا هو الفراغ الذي انتهى عام 2022 إلى انسداد ثم انسحاب ومواجهة. فمشكلة العودة ليست القدرة على الفوز، بل غياب خطة تمنع تكرار ما بعده.

 

خامسًا: بوابات العودة وتوقيتها

لا يوجد استحقاق انتخابي وشيك. فانتخابات مجالس المحافظات مقررة في تشرين الأول/أكتوبر 2027، ولا تحين البرلمانية قبل خريف 2029 وفق المدد الدستورية المعتادة. وتبدو الانتخابات المبكرة مستبعدة مع حكومة لم تستكمل تشكيلتها، وغياب توافق على إنهاء الدورة الحالية. لذلك، لا يملك الصدر بوابة انتخابية فورية، وسيُدير مرحلة تمهيدية حتى اقتراب استحقاق 2027.

تتوزع بوابات العودة على ثلاثة مسارات: التموضع ضامنًا شعبيًا لحصر السلاح ومكافحة الفساد، بما يمنحه نفوذًا على الحكومة من دون مسؤوليتها؛ والتفاوض على ترتيبات تسبق المشاركة، تشمل تشكيل المفوضية وقانون الانتخابات وضمانات تشكيل الحكومة، وهي الوحيدة التي تعالج مأزق 2022 من جذره؛ ثم خوض انتخابات 2027 بوصفها اختبارًا أقل كلفة من الانتخابات البرلمانية، يقيس حجم التيار بعد المقاطعة من دون معركة مباشرة على الحكومة الاتحادية. والأرجح أن تكون العودة متدرجة: تأثير من الخارج، ثم اختبار انتخابي، قبل العودة الكاملة إلى الحكم.

العودة ممكنة، لكن تحويلها إلى سلطة يتطلب مفوضية مستقلة، وتحالفات ملزمة، وضمانات لما بعد الانتخابات تمنع تكرار مأزق عام 2022.

 

سادسًا: السيناريوهات خلال السنة القادمة
1) استمرار التأثير من الخارج: مرتفع الاحتمال

يواصل الصدر التأثير من خارج المؤسسات عبر مساندة مشروطة لحكومة الزيدي في ملفي السلاح

والفساد، وإبقاء التنظيم جاهزًا، ورفض الحوار المباشر مع الإطار. ومن مؤشراته تكرار اجتماعات نواب الكتلة المستقيلة، وغياب تحضير انتخابي واضح، واستمرار إغلاق “الحنانة” أمام وفود الإطار. وهو الأقل كلفة والأكثر اتساقًا مع سلوكه منذ 2025؛ إذ يراكم النفوذ من دون أعباء المشاركة.

2) العودة عبر انتخابات 2027: احتمال متوسط ومشروط

يتطلب المسار تسوية مقبولة لتشكيل المفوضية تحفظ حدًا أدنى من النزاهة والاستقلال، واستمرار زخم الإصلاح الحكومي بما يتيح تقديم المشاركة استكمالًا للإصلاح، لا عودة إلى المحاصصة. ومن مؤشراته تدخل صدري علني في نقاش المفوضية، وبدء الاستعداد الانتخابي، وتحول الشروط المطلقة إلى مطالب قابلة للتفاوض. وهي عودة محسوبة، لكنها قد تكشف تراجع الوزن الانتخابي.

3) التسوية الشاملة: منخفضة الاحتمال

يفترض هذا السيناريو اتفاقًا، قبل المشاركة، على ترتيبات تشكيل الحكومة وضمانات ما بعد الانتخابات، بدعم إقليمي ودولي. لكن شروطه غائبة؛ فالإطار، رغم إنهاكه، لا يملك دافعًا لتقديم ضمانات تحد نفوذه أو تسمح بإقصائه، ولا يمتلك الصدر أداة كافية لفرضها. لذلك، تستبعد التسوية الشاملة ما لم يتغير ميزان القوة الشيعي أو موقف الفاعلين الخارجيين.

4) أزمة السلاح: احتمال قوي ومرتفع التأثير

إذا تحول استحقاق ما بعد 30 أيلول/سبتمبر 2026 إلى أزمة شيعية مفتوحة، فقد يبلغ الاستقطاب حدوده القصوى ويتجمد أي مسار تفاوضي لعودة الصدر. عندئذ، يغدو رصيده المعياري الناتج من إعلان التخلي عن سلاح سرايا السلام ورقة ثمينة، ولكن في سياق مواجهة لا تسوية. وقد يعزز تعثر حصر السلاح شرعية موقفه، فيما يضعف فرص عودته المؤسسية.

 

خلاصة تحليلية

تغيّر ميزان الشرعية داخل البيت الشيعي أكثر من ميزان القوة. فقد خرج الإطار من دورة التعطيل أقل تماسكًا وأكثر تحمّلًا لمسؤولية الحكم، وخرج الصدر من المقاطعة أقل تورطًا في إخفاقاته وأقدر على تقديم نفسه بديلًا. لكن الصدر راكم رصيدًا معياريًا في نظام لا يوزع السلطة بالشرعية وحدها، بل بالتعطيل وضمانات ما قبل التشكيل. فتحسّن موقعه السياسي، لا شروط وصوله إلى السلطة بالقدر نفسه.

وتكمن المفارقة في أن الخطوات التي رفعت مقبولية الصدر داخليًا وخارجيًا، وفي مقدمتها إعلان تسليم سلاح سرايا السلام ودمجها في الدولة، خفّضت بعض أدوات ضغطه التفاوضية. فهو أقدر اليوم على أن يكون شريكًا مقبولًا، وأقل قدرة على فرض شروط الشراكة: كسب في ميزان الشرعية بقدر ما خسر، أو اختار التخلي، في ميزان الإكراه.

لذلك، تبقى أي عودة انتخابية معرضة لتكرار مأزق 2021 و2022 ما لم تسبقها تفاهمات ملزمة على تشكيل الحكومة، ومفوضية مستقلة، وتحالف قادر على الصمود مع القوى السنية والكردية. ومن دونها، يرجح استمرار مسار ربيع 2026: التأثير من دون مشاركة مؤسسية، والقدرة على منع ما لا يقبله من دون تحمّل مسؤولية ما ينبغي إنجازه. فالعودة ممكنة، لكن تحولها إلى سلطة مشروط بمعالجة أسباب الانسحاب.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025