إيران في قمة ترامب–شي: النفوذ الصيني وحدود استخدامه

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن في أول زيارة له إلى الولايات المتحدة منذ ثلاث سنوات، وعلى جدول محادثاته مع الرئيس دونالد ترامب ملفات التجارة وتايوان والذكاء الاصطناعي وإيران، في زيارة دولة تمتد من 23 إلى 25 أيلول/سبتمبر 2026. ويبدو الملف الإيراني، للوهلة الأولى، بندًا تابعًا لصفقة أكبر؛ غير أن موقعه في القمة يكشف مفارقة بنيوية في سياسة الضغط الأميركية على طهران منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026 وتعثر مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران/يونيو. فالصين تستوعب ما يصل إلى تسعين في المئة من صادرات النفط الإيرانية، ما جعلها، إلى جانب العراق، إحدى الرئتين الاقتصاديتين اللتين ساعدتا إيران على امتصاص الضغوط العسكرية والاقتصادية معًا.

الصين لا تحمي إيران فقط بما تقدمه لها، بل أيضًا بكلفة مواجهتها على واشنطن؛ فخنق الاقتصاد الإيراني بالكامل يقتضي الاقتراب مباشرة من المصالح والشركات الصينية.

ومن ثم، فإن أي ضغط أقصى على طهران يمر منطقيًا عبر بكين. لكن واشنطن تحتاج إلى الصين في ملفات أثقل وزنًا: هدنة تجارية ينتهي أجلها في تشرين الثاني/نوفمبر بالتزامن مع الانتخابات النصفية، وأسعار طاقة ترتفع بفعل اضطراب الملاحة في هرمز. لذلك ظلت العقوبات الأميركية تستهدف شركات ومصافي صينية بعينها من دون أن ترتقي إلى مواجهة بكين نفسها. كما أن إشارة وزير الخزانة سكوت بيسنت للتوصل إلى اتفاق على تمديد الهدنة التجارية تعني عمليًا أن هذا السقف مرشح للاستمرار؛ فكلما ازدادت حاجة واشنطن إلى استقرار علاقتها بالصين، ضاق هامش استخدامها القناة الصينية أداةً لخنق الاقتصاد الإيراني.

غير أن التمييز بين مستويين ضروري هنا: امتلاك الصين نفوذًا على إيران شيء، واستعدادها إلى استخدامه في خدمة الأجندة الأميركية شيء آخر. فالعلاقة بين الطرفين شديدة الاختلال؛ إذ لا تمثل إيران سوى نحو واحد في المئة من التجارة الخارجية الصينية، ما يمنح بكين قدرة كبيرة على الضغط بكلفة منخفضة، لكنه لا يمنحها حافزًا كافيًا لتحمل كلفة إنهاء حرب لم تكن طرفًا فيها. وتختصر يون سون، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون في واشنطن، هذه المعضلة بسؤال: من ينبغي أن يتحمل كلفة إنهائها؟

يمنح الاعتماد على الصين إيران قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الضغط الأميركي، لكنه يضيّق في الوقت نفسه هامش حركتها، لأن بعض أوراقها التصعيدية تمس مباشرة المصالح الصينية، وفي مقدمتها تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

وتكشف لغة الدبلوماسية الصينية حدود هذا الدور. فقد دعا وزير الخارجية وانغ يي، في لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين في 16 أيلول/سبتمبر، إلى إعادة فتح مضيق هرمز “في أقرب وقت”، لكنه أكد في الوقت نفسه استعداد بلاده “لصون حقوق إيران المشروعة”، ووصف البنية الأمنية القائمة في الشرق الأوسط بأنها قاصرة وتحتاج إلى إصلاح. وهذا يعني أن بكين تريد إنهاء الاضطراب، لا إنهاء الورقة الإيرانية؛ وتسعى إلى موقع في ترتيبات ما بعد الحرب، لا إلى دور الوكيل الضاغط.

وهذا نمط قائم منذ قمة بكين في أيار/مايو 2026، حين نقل ترامب عن شي استعداده “للمساعدة إن أمكن”، وأفاد البيان الأميركي باتفاق الطرفين على إبقاء هرمز مفتوحًا وعلى ألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، من دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات على ضغط صيني ملموس. وفي المقابل، يحمل هذا الوضع لطهران وجهًا مزدوجًا: فالاعتماد على الصين يوفر لها شريان حياة، لكنه يضع سقفًا لأثقل أوراقها، لأن ورقة هرمز تتعارض مباشرة مع المصلحة الصينية في انسياب الطاقة.

في ما يخص إيران، لا تتمثل أهمية قمة ترامب–شي في ممارسة مزيد من الضغط على طهران بقدر ما تكشف عن مسألة أوسع: حدود الدور الصيني في إنهاء الحرب، ومن سيتحمل كلفته، وما المقابل الذي قد تطلبه بكين لاستخدام نفوذها.

وبذلك، فإن الأثر الأرجح لقمة واشنطن في الملف الإيراني لا يكمن في ما قد يعلن من تفاهمات، بل في إعادة توزيع كلفة إنهاء الحرب: تتنازل واشنطن ضمنيًا عن جزء من أدوات ضغطها الاقتصادي حماية لعلاقتها بالصين؛ وتحتفظ بكين بموقع الضامن المحتمل من دون أن تدفع ثمن الوساطة؛ فيما تكسب طهران وقتًا، لكنها تخسر شيئًا من استقلال قرارها في ورقتها الأثقل.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

إيران في قمة ترامب–شي: النفوذ الصيني وحدود استخدامه

وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن في أول زيارة له إلى الولايات المتحدة منذ ثلاث سنوات، وعلى جدول محادثاته مع الرئيس دونالد ترامب ملفات التجارة وتايوان والذكاء الاصطناعي وإيران، في زيارة دولة تمتد من 23 إلى 25 أيلول/سبتمبر 2026. ويبدو الملف الإيراني، للوهلة الأولى، بندًا تابعًا لصفقة أكبر؛ غير أن موقعه في القمة يكشف مفارقة بنيوية في سياسة الضغط الأميركية على طهران منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026 وتعثر مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران/يونيو. فالصين تستوعب ما يصل إلى تسعين في المئة من صادرات النفط الإيرانية، ما جعلها، إلى جانب العراق، إحدى الرئتين الاقتصاديتين اللتين ساعدتا إيران على امتصاص الضغوط العسكرية والاقتصادية معًا.

الصين لا تحمي إيران فقط بما تقدمه لها، بل أيضًا بكلفة مواجهتها على واشنطن؛ فخنق الاقتصاد الإيراني بالكامل يقتضي الاقتراب مباشرة من المصالح والشركات الصينية.

ومن ثم، فإن أي ضغط أقصى على طهران يمر منطقيًا عبر بكين. لكن واشنطن تحتاج إلى الصين في ملفات أثقل وزنًا: هدنة تجارية ينتهي أجلها في تشرين الثاني/نوفمبر بالتزامن مع الانتخابات النصفية، وأسعار طاقة ترتفع بفعل اضطراب الملاحة في هرمز. لذلك ظلت العقوبات الأميركية تستهدف شركات ومصافي صينية بعينها من دون أن ترتقي إلى مواجهة بكين نفسها. كما أن إشارة وزير الخزانة سكوت بيسنت للتوصل إلى اتفاق على تمديد الهدنة التجارية تعني عمليًا أن هذا السقف مرشح للاستمرار؛ فكلما ازدادت حاجة واشنطن إلى استقرار علاقتها بالصين، ضاق هامش استخدامها القناة الصينية أداةً لخنق الاقتصاد الإيراني.

غير أن التمييز بين مستويين ضروري هنا: امتلاك الصين نفوذًا على إيران شيء، واستعدادها إلى استخدامه في خدمة الأجندة الأميركية شيء آخر. فالعلاقة بين الطرفين شديدة الاختلال؛ إذ لا تمثل إيران سوى نحو واحد في المئة من التجارة الخارجية الصينية، ما يمنح بكين قدرة كبيرة على الضغط بكلفة منخفضة، لكنه لا يمنحها حافزًا كافيًا لتحمل كلفة إنهاء حرب لم تكن طرفًا فيها. وتختصر يون سون، مديرة برنامج الصين في مركز ستيمسون في واشنطن، هذه المعضلة بسؤال: من ينبغي أن يتحمل كلفة إنهائها؟

يمنح الاعتماد على الصين إيران قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الضغط الأميركي، لكنه يضيّق في الوقت نفسه هامش حركتها، لأن بعض أوراقها التصعيدية تمس مباشرة المصالح الصينية، وفي مقدمتها تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

وتكشف لغة الدبلوماسية الصينية حدود هذا الدور. فقد دعا وزير الخارجية وانغ يي، في لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين في 16 أيلول/سبتمبر، إلى إعادة فتح مضيق هرمز “في أقرب وقت”، لكنه أكد في الوقت نفسه استعداد بلاده “لصون حقوق إيران المشروعة”، ووصف البنية الأمنية القائمة في الشرق الأوسط بأنها قاصرة وتحتاج إلى إصلاح. وهذا يعني أن بكين تريد إنهاء الاضطراب، لا إنهاء الورقة الإيرانية؛ وتسعى إلى موقع في ترتيبات ما بعد الحرب، لا إلى دور الوكيل الضاغط.

وهذا نمط قائم منذ قمة بكين في أيار/مايو 2026، حين نقل ترامب عن شي استعداده “للمساعدة إن أمكن”، وأفاد البيان الأميركي باتفاق الطرفين على إبقاء هرمز مفتوحًا وعلى ألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، من دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات على ضغط صيني ملموس. وفي المقابل، يحمل هذا الوضع لطهران وجهًا مزدوجًا: فالاعتماد على الصين يوفر لها شريان حياة، لكنه يضع سقفًا لأثقل أوراقها، لأن ورقة هرمز تتعارض مباشرة مع المصلحة الصينية في انسياب الطاقة.

في ما يخص إيران، لا تتمثل أهمية قمة ترامب–شي في ممارسة مزيد من الضغط على طهران بقدر ما تكشف عن مسألة أوسع: حدود الدور الصيني في إنهاء الحرب، ومن سيتحمل كلفته، وما المقابل الذي قد تطلبه بكين لاستخدام نفوذها.

وبذلك، فإن الأثر الأرجح لقمة واشنطن في الملف الإيراني لا يكمن في ما قد يعلن من تفاهمات، بل في إعادة توزيع كلفة إنهاء الحرب: تتنازل واشنطن ضمنيًا عن جزء من أدوات ضغطها الاقتصادي حماية لعلاقتها بالصين؛ وتحتفظ بكين بموقع الضامن المحتمل من دون أن تدفع ثمن الوساطة؛ فيما تكسب طهران وقتًا، لكنها تخسر شيئًا من استقلال قرارها في ورقتها الأثقل.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025