قراءة بنيوية في اقتصاد الجمود السياسي، مع مقارنة منهجية بالحالة العراقية
ملخّص تنفيذي
تنطلق هذه الورقة من مفارقة أساسية: خلال ثمانية عشر شهرًا، تحققت معظم الشروط التي كان يُفترض أن تفتح طريق الخروج من الأزمة اللبنانية، من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة إصلاحية، إلى التراجع الحاد في القدرة العسكرية لحزب الله، وتقلص المظلة الإيرانية، وتوقيع اتفاق إطاري مباشر مع إسرائيل. ومع ذلك، لم يتحرك أي من المسارات الكبرى نحو نهايته: لم تكتمل التسوية، ولم يُحصر السلاح بيد الدولة، ولم تُستعد الدورة السياسية الطبيعية، ولم يبدأ الإصلاح الاقتصادي الجذري. وتقترح الورقة أن هذا العجز لا يعود إلى غياب الحلول وحده، بل إلى أن الأزمة نفسها بلغت من التمأسس حدًّا جعلها تتحول إلى وضع مستقر يعيد إنتاج ذاته.
وتفكك الورقة هذا الاستعصاء عبر أربعة مسارات، لكل منها آلية تعطيل مختلفة. فالتسوية مع إسرائيل تواجه معضلة في ترتيب الخطوات والضمانات؛ إذ يربط كل طرف تنفيذ التزاماته بمبادرة الطرف الآخر. ويصطدم حصر السلاح بغياب البديل الأمني والاقتصادي والرمزي الذي يفترض أن تقدمه الدولة للبيئة المرتبطة بحزب الله. أما المسار السياسي، فقد انتقل من تعطيل الاستحقاقات بالامتناع والفراغ إلى تشريع التعطيل نفسه، كما ظهر في تمديد مجلس النواب ولايته عام 2026. وفي الاقتصاد، تحوّل الامتناع عن تحديد الخسائر وإعادة هيكلة المصارف وتوحيد سعر الصرف إلى قرار فعلي يوزع كلفة الأزمة على المجتمع، فيما أسهم التعافي الجزئي في خفض الضغط من أجل إصلاح جذري.
ولا تفسر الورقة استمرار هذا الوضع بالثقافة الطائفية وحدها، بل بالبنية التي تتيح التكيف معه. فقد أصبحت الشبكات الطائفية والحزبية بديلًا جزئيًا عن الدولة في توفير الحماية والخدمات، فيما امتص اقتصاد الكاش وتحويلات المغتربين جانبًا واسعًا من آثار الانهيار. وبذلك، لم تعد الطائفة إطار هوية فحسب، بل شبكة ضمان، ولم يعد اقتصاد الكاش مجرد نتيجة لتعطل المصارف، بل بنية موازية تمنع الانفجار وتعرقل الإصلاح في الوقت نفسه. كما تُظهر إعادة الإعمار أن الصراع على قناة التعويض هو صراع على النفوذ والولاء؛ فالجهة التي تمول وتوزع لا تقدم خدمة فقط، بل تعيد إنتاج موقعها داخل المجتمع.
وتكشف المقارنة مع العراق العامل الأكثر تفسيرًا لهذا الاختلاف، وهو مسار الريع وموقع الدولة منه. ففي العراق، يدخل الريع النفطي إلى خزينة الدولة ويُعاد توزيعه من خلالها، ما يجعل الدولة ضعيفة لكنها غير قابلة للاستغناء؛ ولذلك يجري الصراع على الموارد والنفوذ داخل مؤسساتها وعليها. أما في لبنان، فتصل التحويلات والمساعدات وموارد اقتصاد الكاش والشبكات الحزبية مباشرة إلى الأسر والجماعات، متجاوزة الدولة، ما يجعلها قابلة للاستغناء وظيفيًا. ومن هنا تخلص الورقة إلى أن «اللامسار» لم يعد حالة انتظار مؤقتة، بل أصبح نمط حكم له مؤسساته وموارده وشرعيته الوظيفية. ويظل استمرار هذا النمط هو المسار الأرجح حتى عام 2029، ما لم تتغير بنية التمويل نفسها، وتصبح الدولة الممر الرئيسي لإعادة الإعمار والتعويض والخدمات الاجتماعية.
أولًا: مقدمة تأطيرية: لماذا تُطرح هذه القضية الآن؟
تُطرح مسألة الاستعصاء اللبناني في لحظة استثنائية من الناحية المنهجية؛ إذ تحققت، خلال ثمانية عشر شهرًا، معظم المتغيرات التي قُدّمت طوال عقدين بوصفها “شروطًا للانفراج”، من دون أن يتحقق الانفراج نفسه. وتتيح هذه المفارقة وضع الفرضيات السببية أمام اختبار شبه تجريبي: انتهى الفراغ الرئاسي، وتشكّلت حكومة إصلاحية، وتراجعت قوة الفاعل من غير الدولة، وتلقّت المظلة الإيرانية ضربة في رأسها، لكن الانسداد بقي على حاله.
وفي مطلع أيلول/سبتمبر 2026، لم تتغير الصورة في جوهرها. فالاتفاق الإطاري الموقّع في واشنطن برعاية أميركية ينص على انسحاب إسرائيلي متدرج، مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، مع بقاء القوات الإسرائيلية على “الخط الأصفر” وضمن “الحزام الأمني” إلى حين استكمال نزع السلاح. وقد وصفه حزب الله بأنه “باطل ومُهين”، فيما رأى النائب إبراهيم الموسوي أن الحكومة “ورّطت نفسها والبلد في المفاوضات المباشرة مع العدو”. وفي 3 أيلول/سبتمبر 2026، كانت الصحف تتحدث عن جولة تفاوض ثامنة مرتقبة في روما، بالتزامن مع استمرار الغارات على قرى الجنوب واستهداف حزب الله آلية إسرائيلية بمسيّرة. وهكذا، أصبح الاتفاق والحرب والتفاوض قائمًا كل منها إلى جانب الآخر، فيما لم يكتمل الانسحاب ولا نزع السلاح.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة السؤال. فالسؤال المتداول: “كيف يخرج لبنان من أزمته؟”، يفترض أن الأزمة مرحلة انتقالية بين وضعين مستقرين. أما الفرضية التي تنطلق منها هذه الورقة، فهي أن الأزمة بلغت من التمأسس حدًّا جعلها تتحول إلى الوضع المستقر نفسه: توازن منخفض المستوى يعيد إنتاج ذاته، لأن كلفة الخروج منه بالنسبة إلى جميع الفاعلين باتت أعلى من كلفة البقاء فيه.
ويقتضي ذلك تمييزًا اصطلاحيًا ثلاثيًا تُبنى عليه بقية الورقة. فـ”الجمود” (deadlock) هو تعطّل قرار محدد، ولذلك يكون ظرفيًا وقابلًا للحل عند تغيّر موازين القوى. أما “الانهيار” (collapse)، فيعني فقدان الدولة وظائفها الأساسية، وهو ما لم يحدث في لبنان بالمعنى الكامل؛ فالجيش لا يزال قائمًا، والقضاء مستمر على الرغم من ضعفه، والإدارة تعمل بحدها الأدنى، كما أُجريت الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2025. في المقابل، يشير “الاستعصاء” (impasse) إلى تعطّل مزمن يترافق مع نشوء آليات مؤسسية واجتماعية واقتصادية للتكيّف معه، بما يُضعف حوافز الفاعلين إلى تجاوزه. وبهذا المعنى، لا يتمثل الاستعصاء في غياب الحل فحسب، بل في إحلال منظومة لإدارة غيابه محل الحل نفسه.
ثانيًا: الخلفية البنيوية: كيف تشكّلت القدرة على التكيّف؟
1. التسوية الدستورية: من منع الغلبة إلى الفيتو المتبادل
أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية، وأعاد توزيع الصلاحيات بين الرئاسات، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب، فيما جعل إلغاء الطائفية السياسية هدفًا مرحليًا مؤجلًا، من دون ربطه بجدول زمني ملزم. وقد نجحت هذه الصيغة في منع أي طرف من تحقيق غلبة دائمة، لكنها لم تُنتج مركزًا سياديًا قادرًا على الحسم. فالقضايا الكبرى تتطلب، في الممارسة، توافق الكتل الطائفية الأساسية، في حين يستطيع أي تحالف يتمتع بوزن طائفي تعطيل النصاب، أو الطعن في “ميثاقية” القرار، أو الامتناع عن المشاركة في تشكيل الحكومة. ولا تكمن المشكلة في التوافق بذاته، بل في غياب قاعدة واضحة تحدد متى ينتهي التفاوض ويبدأ اتخاذ القرار.
وبذلك، تحوّل التعطيل إلى تقنية مؤسسية. فقد امتد الفراغ الرئاسي بين عامي 2014 و2016 نحو عامين وخمسة أشهر، واستغرق تشكيل حكومة تمام سلام قرابة أحد عشر شهرًا، فيما بقي لبنان عام 2020–2021 من دون حكومة جديدة مدة ثلاثة عشر شهرًا، قبل أن ينجح نجيب ميقاتي في تشكيل حكومته بعد نحو شهر ونصف من تكليفه. لم تتوقف المؤسسات عن العمل، لكنها تحولت إلى غرف انتظار إلى حين نضوج التسويات؛ وهو نمط مؤسسي مهّد لاحقًا لقدرة النظام على تشريع تعطيله بنفسه.
2. الجماعة قبل الدولة: بنية ضمان لا بنية هوية
غالبًا ما يُختزل الاجتماع اللبناني في “الطائفية”، بوصفها هوية أو ولاءً وجدانيًا. غير أن الوظيفة الأهم للجماعة ليست رمزية بقدر ما هي تأمينية؛ إذ نشأ الفرد تاريخيًا داخل شبكات طائفية وحزبية توفر له ما يُفترض أن توفره الدولة، من التوظيف والصحة والتعليم إلى الحماية والوساطة الإدارية، وإن بدرجات متفاوتة بين الطوائف. وقد أظهرت دراسات ميدانية أن الوصول إلى الرعاية في لبنان لا تحدده الحاجة وحدها، بل تتدخل فيه العضوية الحزبية والولاء وشبكات الوساطة. فالطائفة هنا ليست مجرد إطار ينتمي إليه الفرد، بل شبكة يتأمّن من خلالها.
وهذا التمييز حاسم من الناحية التحليلية. ففي الدولة التي يقوم فيها الضمان الاجتماعي على مؤسسات مركزية، يتحول ضعف الدولة مباشرةً إلى ضغط شعبي على النظام السياسي. أما عندما يتوزع الضمان بين شبكات ما دون الدولة، فإن آثار هذا الضعف تُمتص اجتماعيًا قبل أن تتحول إلى ضغط سياسي. وبذلك، لا تكون الشبكة الطائفية عائقًا أمام الإصلاح فحسب، بل تصبح أيضًا الوسادة التي تجعل تأجيله قابلًا للاستمرار.
وقد أدرك موسى الصدر هذه المعادلة مبكرًا، وبنى مشروعه على نقيضها، معتبرًا إدماج الشيعة في “الدولة الواحدة” شرطًا لانتزاع حقوقهم، لا بديلًا عنها. وتنسب إليه كتابات لبنانية متداولة قولًا، في 30 تموز/يوليو 1978: “لا حلّ للبنان إلا في إقامة الشرعية، ولا شرعية إلا بتذويب الدويلات أيًّا كانت صيغتها وشكلها وفعلها” مؤكداً أن “مؤسسات الطوائف ليست بديلاً عن المؤسسات الوطنية والدستورية.” هذا المضمون ينسجم مع موقف له في حزيران/يونيو 1978، يرى أن “الدولة العادلة، وليس السلاح” هي الحل، ويتعامل مع السلاح بوصفه استثناءً مؤقتًا، لا بديلًا عن الدولة.
3. العمق الإيراني–العاملي: خمسة قرون لا أربعة عقود
من الأخطاء المنهجية الشائعة اختزال العلاقة بين إيران ولبنان في حزب الله، أو حصرها في مرحلة ما بعد عام 1979؛ فالامتداد التاريخي لهذه العلاقة أقدم بكثير، كما أن التأثير فيها كان متبادلًا. فمنذ القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، انتقل عدد كبير من علماء جبل عامل إلى إيران استجابة لدعوة الصفوية لمساندتها. وتحصي رولا جردي أبي صعب أكثر من 158 عالمًا عامليًا مهاجرًا من الجيلين الأول والثاني وعائلاتهم، كان من أبرزهم المحقق الكركي (ت. 1534)، وبهاء الدين العاملي (ت. 1621–1622)، والحر العاملي (ت. 1693). وقد دفعتهم إلى الهجرة الضغوط العثمانية، إلى جانب ضيق فرص العمل الديني في بلاد الشام.
ولا تزال دلالة هذا الانتقال موضع سجال أكاديمي. فقد اعترض أندرو نيومان على المبالغة في تقدير أثر العامليين، مستندًا إلى أن فقهاء جبل عامل نظروا إلى التشيع القزلباشي بوصفه “غير متسق مع الأصول”. في المقابل، ردّت أبو صعب بتوثيق الحضور العاملي الواسع، ووصفت التعاون بين العلماء وأمراء البلاط بأنه “سيّال ومتعدد الوجوه”. ولذلك، فالأدق القول إن العامليين لم “يصنعوا” التشيع الصفوي، لكنهم شكّلوا أحد روافده المؤسسية في مرحلة بناء الشرعية الفقهية للدولة. خلافًا لمراكز أقدم، مثل النجف والبحرين، حيث كانت استجابتهم للصفوية أقل. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن مغزاها البنيوي يتمثل في أن جبل عامل كان هامشًا فقهيًا يبحث عن مركز، فيما كانت النجف مركزًا لا يحتاج إلى سلطة تسنده.
واستمر هذا التفاعل في العصر الحديث، وإن اتخذ أشكالًا مختلفة. فقد هاجر صدر الدين الصدر، والد موسى الصدر، من الكاظمية إلى قم في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، وأسهم في ترسيخ الحوزة الفتية التي أسسها الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي عام 1922. وبعد وفاة الحائري عام 1937، أصبح أحد كبار المراجع في مدينة قم. وفي الاتجاه المعاكس، وُلد موسى الصدر في قم عام 1928، قبل انتقاله إلى مدينة صور عام 1959. وخلال سبعينيات القرن العشرين، ارتبط لبنان بعدد من معارضي السلطة الإيرانية، من بينهم مصطفى چمران وإبراهيم يزدي وجلال الدين الفارسي. وتوثق مذكرات شمران دوره في بدء تدريب الشيعة عسكريًا في بعلبك عام 1974، والإسهام في تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية التي أُعلن عنها لاحقًا.
لكن هذه الروابط لم تتحول إلى ارتباط تنظيمي كثيف إلا بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين أرسلت طهران وحدات من الحرس الثوري إلى البقاع عبر سوريا، وكان السفير الإيراني في دمشق، علي أكبر محتشمي بور، من أبرز الداعمين لهذا التوجه. ومع ذلك، لم يكن القرار الإيراني يسير في خط مستقيم؛ فقد انقسمت القيادة بشأن حجم القوات التي ينبغي إرسالها، في وقت كانت فيه إيران تخوض حربًا مفتوحة مع العراق. وفي هذا السياق، جاء كلام الخميني منتصف سنة 1982 الذي تحول إلى شعار: “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء”، ليؤكد أولوية الجبهة العراقية. واستقر الخيار في النهاية على حضور محدود يتولى التدريب والتنظيم.
وبهذا المعنى، لا تمثل العلاقة الإيرانية–اللبنانية إسقاطًا خارجيًا على مجتمع متلقٍ، بل هي حصيلة تفاعل متبادل امتد خمسة قرون. ومن ثم، فإن تراجع قدرة إيران على الإنفاق والتوجيه لا يؤدي تلقائيًا إلى تفكك البنية اللبنانية المرتبطة بها، لأن جذور هذه العلاقة أعمق من التمويل وحده.
4. تشيّعان مختلفان: تمييز نمطي لا جوهراني
يمكن، مع قدر من الحذر المنهجي، اقتراح تمييز نمطي بين تشكّل التشيع الحديث في العراق ونظيره في لبنان. ففي العراق، تراكم التشيع ضمن قالب مرجعي-اجتماعي–طقوسي، يقوم على مرجعية النجف والعتبات ونظام الحوزة وشبكة الخُمس؛ وهي مؤسسات سبقت ظهور الأحزاب وحافظت على استقلال نسبي عنها. أما في لبنان، فقد تشكّل التشيع السياسي الحديث، منذ ستينيات القرن العشرين، داخل قالب تنظيمي–حزبي، بدأ بحركة المحرومين، ثم حركة أمل، وصولًا إلى حزب الله؛ أي ضمن بنية تعبئة تتنافس على الموقع والنفوذ داخل الدولة والمجتمع، أكثر من تنافسها على المرجعية الدينية.
وهذا التمييز نمطي لا جوهراني؛ فالمقصود ليس أن التشيع العراقي “ديني”، في مقابل تشيع لبناني “سياسي”، بل أن الوسيط المؤسسي الذي انتقلت من خلاله الطاقة الاجتماعية إلى الفعل السياسي اختلف بين الحالتين. ويساعد ذلك على تفسير صعوبة تفكك حزب الله، حتى مع تقلّص دوره العسكري؛ فهو لا يمثل تنظيمًا مسلحًا فحسب، بل يشكّل أيضًا شبكة خدمية ومالية وتعليمية وبلدية، تستند إلى ذاكرة جماعية متماسكة. وقد أظهرت الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2025 أن قدرته على تمثيل بيئته لم تتأثر بالخسائر العسكرية بالقدر المتوقع. ولذلك، فإن نزع السلاح يعني هنا تفكيك بنية اجتماعية بقدر ما يعني تسليم العتاد.
وقد عبّر امين عام حزب الله، في خطاب مصوّر يعود إلى مرحلة مبكرة، عن مشروع يقوم على جعل لبنان جزءًا من “الجمهورية الإسلامية الكبرى” التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه الولي الفقيه، الخميني. وتزداد دلالة هذا الموقف عند وضعه في سياق الرسالة المفتوحة التي أعلنها إبراهيم أمين السيد، الناطق الرسمي باسم حزب الله آنذاك، في حسينية الشياح، في 16 شباط/فبراير 1985. فلم تُخفِ الرسالة “الالتزام بحكم الإسلام”، ونصّت على أن “كل واحد منّا يتولى مهمته في المعركة وفقًا لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد”. وبذلك، ربطت الصياغة التأسيسية مرجعية القرار بولاية الفقيه، لا بالدولة اللبنانية؛ وهو، من الناحية السوسيولوجية، تحديد لموقع الجماعة خارج إطار الدولة، لا داخله.
لهذا على الرغم من أن الحزب دخل مجلس النواب منذ عام 1992، وشارك في الحكومات، وبنى تحالفات عابرة للطوائف، لكنه احتفظ، في الوقت نفسه، بسلاح وبقرار أمني يتجاوزان مؤسسات الدولة ويتفاخر بعلاقاته حتى المالية بايران. وتمثل هذه الازدواجية، أي الجمع بين موقع داخل النظام وقدرة مستقلة عنه، أحد أهم مصادر قوة الحزب، كما تشكّل أحد أكبر العوائق أمام بناء سيادة موحدة.
ثالثًا: تفكيك الفاعلين والمسارات: أربعة انسدادات بأربع آليات
يتمثل الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا في التعامل مع الانسدادات الأربعة بوصفها انسدادًا واحدًا، فيما يتعطل كل مسار منها بآلية مختلفة؛ فمفاتيح الحل ليست في يد فاعل واحد، كما أنها لا تعمل في القفل نفسه.
1. مسار التسوية مع إسرائيل: انسداد التسلسل لا المبدأ
شهد عام 2026 ما كان يُعدّ من المحرّمات السياسية: مفاوضات مباشرة ومعلنة أفضت إلى توقيع الاتفاق الإطاري. ومع ذلك، لا يدور الخلاف الجوهري حول مبدأ التسوية بقدر ما يتعلق بتسلسل خطواتها. فإسرائيل تربط انسحابها باستكمال نزع السلاح، فيما يربط لبنان الرسمي قدرته على نزع السلاح باستعادة الأرض، بما يمنح الدولة شرعية احتكار القوة. أما حزب الله، فيتعامل مع هذا الربط بوصفه إملاءً مفروضًا عليه.
ويمثل ذلك انسدادًا كلاسيكيًا من نوع “معضلة الالتزام” (commitment problem): فكل طرف مستعد للتنفيذ إذا بادر الطرف الآخر أولًا، بينما يعجز أي منهما عن تقديم ضمانة موثوقة للآخر. وقد نشر الجانب الأميركي نص الاتفاق في 27 حزيران/يونيو، وأُسندت إلى واشنطن مهمة متابعة تنفيذه بموجب ملحق أمني وبذلك، أُوكلت الضمانة إلى طرف خارجي؛ وهو حل تظل فاعليته مرتبطة باستمرار اهتمام ذلك الطرف والتزامه.
2. مسار حصرية السلاح: انسداد البديل
اتخذت الحكومة قرارًا بحصر السلاح بيد الدولة، وأعلن الجيش، في 8 كانون الثاني/يناير 2026، إنجاز المرحلة الأولى جنوب نهر الليطاني. ثم منحته الحكومة، في 17 شباط/فبراير 2026، مهلة أربعة أشهر قابلة للتمديد لإنجاز المرحلة الثانية.
ويزداد هذا المسار تعقيدًا لأن إطاره المرجعي، المتمثل في القرار 1701 الصادر عام 2006، لا ينص على إجراء أحادي، بل على حزمة مترابطة تشمل وقف الأعمال القتالية، وانتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، والانسحاب الإسرائيلي بالتوازي، وإقامة منطقة خالية من أي سلاح غير سلاح الدولة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني وهذا يعني أن تنفيذه يفترض توافر ما هو معطّل أصلًا: التزام متبادل وضمانة موثوقة.
لكن هذا المسار اصطدم بعائق أعمق من الإرادة السياسية. فنزع سلاح جماعة مندمجة في بنية الضمان الاجتماعي لبيئتها يفترض أن تكون الدولة قادرة على تقديم بديل أمني واقتصادي ورمزي. وما دامت عاجزة عن توفير هذه البدائل الثلاثة، فإن نزع السلاح يُفهم داخل تلك البيئة بوصفه نزعًا للضمانة، لا مجرد تجريد من السلاح. ومن ثم، لا يكمن الانسداد في غياب القرار، بل في غياب ما يمكن أن يحل محل البنية المراد تفكيكها.
3. المسار السياسي الداخلي: من تعطيل الاستحقاق إلى تشريع التعطيل
في 9 آذار/مارس 2026، صوّت مجلس النواب على تمديد ولايته سنتين وتأجيل الانتخابات المقررة في أيار/مايو، بأغلبية 76 صوتًا مقابل 41، مع امتناع أربعة نواب، في ظل تصعيد عسكري أعقب الضربة الأميركية–الإسرائيلية على إيران. وأيّد نبيه بري وحزب الله التمديد، فيما طالبت الأحزاب المسيحية بتأجيل أقصر. ووصف جبران باسيل الخطوة بأنها “أسوأ أشكال الديمقراطية”، بينما عدّها النائب ملحم خلف غير دستورية؛ لأنها تقوّض “مبدأ المساءلة الانتخابية”.
وتكمن الأهمية التحليلية لهذه الواقعة في أنها تعبّر عن تحول في طبيعة الانسداد نفسه. فحتى عام 2026، كان تعطيل الاستحقاقات يجري بالامتناع، من خلال تعطيل النصاب، وتأخير تشكيل الحكومات، وإطالة الفراغ الرئاسي؛ أي إنه كان يظهر بوصفه فشلًا في عمل النظام. أما التمديد، فهو فعل إيجابي أقرّته أغلبية واضحة داخل المؤسسة الدستورية. وبذلك، لم يعد النظام يعطّل نفسه نتيجة العجز، بل أصبح يشرّع لتعطيله. وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الجمود من عَرَض إلى قاعدة.
ويُضاف إلى ذلك بُعد خارجي نادرًا ما يُناقش بصراحة. فقد نقلت صحيفة “النهار” عن مصادر مالية فرنسية وجود صلة بين اتفاق لبنان المرتقب مع صندوق النقد الدولي ومؤتمر إعادة الإعمار من جهة، وتمديد ولاية مجلس النواب من جهة أخرى وإذا صح هذا الربط، فإن دلالته تتمثل في أن جزءًا من المجتمع الدولي قد يفضّل استقرارًا بلا مسار على مسار بلا استقرار. وعندئذ، لا يعود “اللامسار” خيارًا داخليًا فحسب، بل يصبح أيضًا محل توافق ضمني بين الداخل والخارج.
4. المسار الاقتصادي: انسداد التعافي الجزئي
سبق للبنك الدولي أن وصف الأزمة اللبنانية بأنها “كساد متعمّد”، رابطًا استمرارها بسيطرة نخبة سياسية ومالية على الدولة ومواردها الريعية. وفي عام 2023، وصف صندوق النقد الدولي ما يجري بأنه “حالة من اللافعل”، يتحمل أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط الجزء الأكبر من أعبائها ولا يعني “التعمّد” أن جهة واحدة خططت للانهيار، بل إن الامتناع المتكرر عن اتخاذ قرارات معروفة الضرورة، مثل تحديد الخسائر وإعادة هيكلة المصارف وتوحيد سعر الصرف، تحول في ذاته إلى قرار يعيد توزيع الخسائر. وبهذا المعنى، يمثل “اللافعل” الاقتصادي النظير المباشر لـ”اللامسار” السياسي.
وفي 22 كانون الثاني/يناير 2026، أصدر البنك الدولي نسخة شتاء 2025 من “مرصد لبنان الاقتصادي”، تحت عنوان “انتعاش هشّ؟”. وقدّر التقرير نمو الاقتصاد الحقيقي بنسبة 3.5% عام 2025، وتوقع ارتفاعها إلى 4% عام 2026، مع بلوغ التضخم 15.2%، واستقرار سعر الصرف منذ آب/أغسطس 2023. كما أشار إلى إحراز تقدم تشريعي وقضائي، في مقابل استمرار تعليق الإصلاحات البنيوية، وفي مقدمتها قانون الفجوة المالية.
غير أن حرب آذار/مارس 2026 قلبت هذه التقديرات. فقد رجّحت مؤسسة “كلنا إرادة”، في ورقة صدرت في 27 نيسان/أبريل 2026، انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 7% و16%، بدلًا من النمو المتوقع. وأشارت إلى مقتل نحو 2,491 شخصًا، ونزوح قرابة مليون، وتدمير نحو 54,000 وحدة سكنية أو تضررها بشدة، فضلًا عن تراجع مؤشر نشاط القطاع الخاص إلى 47.4، وهو أدنى مستوى له خلال 17 شهرًا. وجاءت هذه الخسائر لتضاف إلى اقتصاد انكمش بنحو 40% منذ عام 2019، وغادره نحو 800 ألف شخص منذ عام 2020. كما ارتفعت نسبة الفقر في المناطق التي شملها مسح البنك الدولي من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022. وبذلك، لا يمثل التكيّف نجاحًا اجتماعيًا، بل آلية لنقل كلفة الأزمة من النظام إلى الأسر.
وتكمن المفارقة في أن التعافي الجزئي أصبح أحد العوامل التي تغذي الاستعصاء، لا سبيلًا للخروج منه. فالنمو المتواضع واستقرار سعر الصرف يخفضان الكلفة السياسية لتأجيل الإصلاح الجذري، ويمنحان الطبقة السياسية هامشًا للقول إن الوضع لا يزال قابلًا “للإدارة”. وهكذا، لا يتعافى الاقتصاد اللبناني ولا ينهار بالكامل، بل يستقر عند مستوى منخفض؛ وهذا هو، على وجه الدقة، تعريف الاستعصاء.
رابعًا: العوامل الخفية أو غير المتداولة
1. اقتصاد الكاش بوصفه بنية حكم لا عَرَضًا ماليًا
قدّر البنك الدولي حجم الاقتصاد النقدي في لبنان بنحو 9.86 مليارات دولار، بما يعادل 45.7% من الناتج المحلي لعام 2022. ويُقرأ هذا الرقم عادةً بوصفه مؤشرًا على تدهور القطاع المصرفي، لكن الأدق النظر إليه باعتباره جزءًا من بنية حكم موازية. فاقتصاد الكاش يمتص صدمة انهيار الجهاز المصرفي، ويساعد بذلك على منع الانفجار الاجتماعي، لكنه يُخرج، في الوقت نفسه، جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي من نطاق الرقابة والضرائب، فيزيد ضعف الدولة ماليًا. كما يمنح الشبكات غير الرسمية ميزة نسبية، بعدما أصبحت القنوات الأكثر كفاءة في توزيع الموارد. وهكذا، يؤدي اقتصاد الكاش وظيفتين متناقضتين: فهو ما يمنع الانهيار، وما يعرقل الإصلاح في آن واحد.
2. تحويلات المغتربين: دولة رفاه موازية بلا سيادة
تُقدّر تحويلات اللبنانيين في الخارج عبر القنوات الرسمية بما يتراوح بين 6.4 و6.9 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل 30 إلى 35% من الناتج المحلي. ويأتي 48% منها من دول مجلس التعاون الخليجي، و16% من أميركا الشمالية، و14% من أوروبا. ولا تمثل هذه التحويلات دعمًا هامشيًا، بل تؤدي وظيفة نظام فعلي للحماية الاجتماعية يعمل على مستوى الأسرة، ويوفر جزءًا مما كان يُفترض أن توفره الدولة لو امتلكت القدرة على ذلك.
ومن هنا تبرز نتيجة مهمة: فالهجرة، التي تُقدّم عادةً بوصفها أحد أعراض الأزمة، أصبحت أيضًا من شروط استمرارها؛ إذ تُصدّر جانبًا من الاحتقان الاجتماعي، وتستورد في المقابل سيولة تساعد المجتمع على البقاء من دون دولة فاعلة.
لكن هذه الوسادة هشّة بنيويًا لسببين. أولهما ارتباطها بالدورات الاقتصادية الخليجية والغربية، وهي عوامل تقع خارج السيطرة اللبنانية. أما الثاني، فهو اعتمادها على استمرار الروابط الأسرية بين المهاجرين والداخل، وهي روابط يُحتمل أن تضعف لدى الجيلين الثاني والثالث. وبذلك، يعيش لبنان على مورد قابل للتناقص لتمويل جمود ممتد؛ وهي معادلة تضع سقفًا زمنيًا لقدرة الاستعصاء على الاستمرار.
3. التمديد بوصفه تقنية حكم متكررة
لم يكن تمديد عام 2026 سابقة، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة. فقد مدّد مجلس النواب ولايته في عام 2013، ثم عاد إلى تمديدها عام 2014، قبل إقرار تمديد تقني آخر عام 2017. ويضع الباحث عصام قيسي تمديد عام 2026 ضمن نمط لبناني يعود إلى خمسينيات القرن العشرين، يقوم على تأجيل الاستحقاقات الدستورية عند الأزمات. وبهذا المعنى، لا يمثل التمديد انحرافًا عابرًا عن القاعدة، بل أداة يستخدمها النظام لإدارة استمراره. وعندما يتكرر أربع مرات خلال ثلاثة عشر عامًا، فإنه يقترب من التحول من استثناء إلى عرف دستوري غير مكتوب.
4. إعادة الإعمار بوصفها سوقًا للنفوذ
إن سؤال “من يدفع؟” في إعادة إعمار الجنوب والضاحية والبقاع هو، في جوهره، سؤال عن الجهة التي ستمتلك النفوذ والقدرة على الحكم. فقد تعرضت مؤسسة القرض الحسن التابعة لحزب الله لعقوبات أميركية شملت شخصيات بارزة فيها وشبكات تمويل مرتبطة بها، ما ضيّق قدرة الحزب على دفع التعويضات وأثار امتعاضًا داخل بيئته. وفي المقابل، جرى الحديث عن آليات دولية لتعويض المتضررين مباشرةً، بما يكسر احتكار الحزب لإعادة إعمار الجنوب. وفي هذا الملف تحديدًا، تُختبر فعليًا فكرة ” حصرية الدولة”؛ لأن الجهة التي تمتلك قناة التعويض تمتلك قدرة واسعة على إنتاج الولاء.
5. أثر ما بعد خامنئي: تقليص القدرة لا تفكيك الرابطة
من المرجح أن الضربات العسكرية التي وجّهت لإيران طوال الأشهر الماضية، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، تؤدي إلى تقليص قدرة طهران على الإنفاق والتوجيه التفصيلي في لبنان. غير أن الاستنتاج الشائع بأن هذا التحول سيقود إلى تفكك حزب الله يتجاوز ما سبق عرضه؛ فالرابطة اجتماعية وفقهية قبل أن تكون تمويلية. لذلك، لا يبدو التفكك المسار الأرجح، بل قد يتجه الحزب نحو مزيد من “التوطّن”، من خلال زيادة الاعتماد على الموارد المحلية، وتعزيز تموضعه البلدي والخدمي. وقد يؤدي هذا التحول إلى تعميق جذوره المحلية بدلًا من اقتلاعها. غير أن ذلك يظل فرضية تحتاج إلى اختبارها من خلال مؤشرات محددة.
خامسًا: المقارنة المنهجية مع العراق
تُجرى المقارنة هنا على مستوى الإطار المؤسسي وبنية الريع، لا على أساس “الطباع الطائفية”، تجنبًا للوقوع في تفسير ثقافوي. وتساعد الأدبيات المقارنة على ضبط هذا المنظور، من خلال التعامل مع “الدولة” في العراق ولبنان بوصفها مجالًا تتشابك داخله علاقات القوة بين الوزارة والحزب والكتلة والفصيل، لا مؤسسة موحدة تقف في مواجهة “اللادولة”. وتنطلق المقارنة من ثلاثة محاور أساسية.
المحور الأول: موقع الدولة من الرهان
تمثل الدولة في العراق الساحة والجائزة في آن واحد. فالقوى السياسية كافة، بما فيها القوى المسلحة، تتنافس من داخل الدولة وعليها، من خلال السعي إلى الوزارات والموازنة والرواتب والمناصب. ويكشف المسار السياسي الأخير عن ذلك بوضوح؛ إذ أُجريت الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في موعدها، وحسب الاعلان الرسمي، بنسبة مشاركة تجاوزت انتخابات عام 2021، وحلّ “ائتلاف الإعمار والتنمية” في المرتبة الأولى بحصوله على 46 مقعدًا من أصل 329. ثم انتُخب نزار آميدي، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، رئيسًا للجمهورية في 11 نيسان/أبريل 2026، وكلّف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة، التي نالت ثقة مجلس النواب في 15 أيار/مايو 2026 بأربع عشرة حقيبة، مع تأجيل حسم تسع حقائب أخرى.
ولا ينبغي أن تقود هذه المقارنة إلى تقديم صورة مثالية عن الحالة العراقية. فقد استغرق تشكيل الحكومة نصف سنة، ولم تنل الثقة إلا بصورة جزئية، فيما ظل نفوذ الفصائل والانقسامات الكردية وتراجع العائدات النفطية من أبرز التحديات المعلنة خلال عام 2026. ومع ذلك، يبقى الفارق البنيوي واضحًا: يعالج العراق جموده داخل مؤسساته ومن خلال دوراته الدستورية، وإن ببطء وكلفة مرتفعة، بينما يعالج لبنان جموده بتعطيل الدورة الدستورية نفسها. ففي الحالة الأولى، تُستهلك المؤسسات في إنتاج التسوية، أما في الثانية، فتُستخدم لتأجيل إنتاجها.
المحور الثاني: المرجعية بوصفها ضابطًا مستقلًا
يمتلك العراق مرجعية دينية عليا في النجف، تتمتع بسلطة اجتماعية ورمزية مستقلة عن الأحزاب، وتحافظ على مسافة متفاوتة من الولاية السياسية المباشرة. ويتيح لها هذا الموقع التدخل، عند الضرورة، لتصويب الحقل السياسي من خارج معادلاته الحزبية. أما في لبنان، فالسلطة الدينية موزعة ومندمجة، إلى حد بعيد، في البنى الحزبية.
ولا يتعلق هذا الاختلاف بدرجة التدين، بل بطبيعة البنية المؤسسية. فالمرجعية المستقلة يمكن أن تعمل بوصفها آلية داخلية للتصحيح، في حين يعني غيابها أن التصحيح يصبح أكثر اعتمادًا على الضغط الخارجي أو لحظات الانهيار.
المحور الثالث: مسار الريع: الدولة التي لا غنى عنها والدولة القابلة للاستغناء
يمثل هذا المحور، وفق تقدير الورقة، العامل الأكثر قدرة على تفسير الاختلاف بين الحالتين. ففي العراق، يدخل الريع النفطي إلى خزينة الدولة أولًا، ثم يُعاد توزيعه من خلالها. ولذلك، يحتاج أي فاعل، مهما بلغت قوته المسلحة، إلى الدولة للوصول إلى المال والشرعية وتوسيع نفوذه التنظيمي. فالدولة العراقية ضعيفة، لكنها تظل طرفًا لا غنى عنه؛ ولهذا يدور الصراع عليها ومن داخلها، لا خارجها.
أما في لبنان، فإن الموارد الرئيسية، بما فيها التحويلات واقتصاد الكاش والمساعدات والاقتصادات الحزبية الموازية، تصل مباشرةً إلى الأسر والجماعات من دون المرور بخزينة الدولة. وكلما امتلكت الجماعات بدائل خاصة، تراجعت لديها جاذبية بناء دولة قوية، فيما يصبح الفقراء أكثر ارتهانًا للوسطاء الذين يوفرون لهم الموارد والخدمات. وبذلك، لا تبدو الدولة اللبنانية ضعيفة فحسب، بل قابلة للاستغناء عنها وظيفيًا.
ومن هذا المحور تُستخلص النتيجة العملية الأهم: لا تبدأ أي استراتيجية جادة لتفكيك الاستعصاء بنزع السلاح أو بإقرار قانون انتخاب جديد، بل بإعادة توجيه مسار الريع عبر الدولة؛ أي جعلها الممر الإلزامي لإعادة الإعمار ودفع التعويضات وتقديم الخدمات الاجتماعية. فما دامت الموارد تتجاوز الدولة، ستظل الدولة موضوعًا للتقاسم، لا إطارًا منظمًا للتنافس.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة (2026–2029)
تُرتّب السيناريوهات الآتية وفق ترجيح نوعي، لا وفق نسب عددية توحي بدقة غير متاحة، مع تحديد المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها في رصد تحقق كل سيناريو.
السيناريو الأول (الأرجح): استمرار “اللامسار” المُدار
يقوم هذا السيناريو على انسحاب إسرائيلي جزئي يتوقف عند حدود “الحزام الأمني”، وتجميد فعلي لنزع السلاح شمال نهر الليطاني، واستمرار مجلس النواب الممدّدة ولايته حتى عام 2028، إلى جانب اتخاذ خطوات إصلاحية جزئية تكفي لاستمرار التمويل الخارجي، من دون معالجة جدية للفجوة المالية.
وتتمثل أبرز مؤشرات هذا السيناريو في تكرار جولات التفاوض من دون التوصل إلى ملحق تنفيذي ملزم، وتمديد المهلة الممنوحة للجيش، وإقرار نسخة مخففة من قانون الفجوة المالية، واستمرار الغارات المحدودة من دون الانزلاق إلى تصعيد شامل.
السيناريو الثاني (ممكن): تسوية متدرجة ومقيّدة
يفترض هذا السيناريو التوصل إلى صيغة متدرجة تربط الانسحاب الإسرائيلي بجدول زمني لتسليم السلاح تحت إشراف دولي، مقابل عقد مؤتمر لإعادة الإعمار وإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
وتشمل مؤشرات تحققه إنجاز الملحق الأمني وفق جدول زمني محدد، وإعلانًا سعوديًا–فرنسيًا عن تمويل مشروط، وتحول خطاب حزب الله من رفض الاتفاق إلى التفاوض على شروط تنفيذه. غير أن هذا السيناريو يعالج الجانب الأمني جزئيًا، من دون أن يمس بنية الريع؛ ولذلك سيظل نجاحه هشًا ومرهونًا باستمرار الرعاية الخارجية.
السيناريو الثالث (ممكن): جولات صدام محدودة ومتكررة
يقوم هذا السيناريو على انهيار متكرر لوقف إطلاق النار، من دون التحول إلى حرب شاملة، بما يعيد إنتاج الاستعصاء، لكن بكلفة بشرية واقتصادية متزايدة.
ومن أبرز مؤشراته اتساع نطاق الاستهدافات شمال نهر الليطاني، وتعليق جولات التفاوض في روما، وتجدد موجات النزوح الجماعي، وتراجع مؤشر نشاط القطاع الخاص إلى ما دون 45 نقطة.
السيناريو الرابع (مستبعد): التفكك الوظيفي للدولة
يفترض هذا السيناريو عجز الخزينة عن تمويل الجيش والإدارة، وتراجع التحويلات الخارجية بصورة حادة، وانتقال مزيد من وظائف الدولة فعليًا إلى أطر محلية وطائفية.
وتتمثل مؤشرات تحققه في انخفاض التحويلات بأكثر من 20% سنويًا، وتعثر دفع رواتب الأجهزة الأمنية، واتساع نطاق الأمن الذاتي، وتعذر إقرار موازنة عام 2027.
سابعًا: خلاصة تحليلية
لا تتمثل المشكلة اللبنانية، كما تبدو في مطلع أيلول/سبتمبر 2026، في غياب الحلول وحده، بل في نشوء منظومة متكاملة لإدارة غيابها. فالتمديد يوفر الغطاء القانوني لاستمرار السلطة، واقتصاد الكاش والتحويلات يخففان آثار الانهيار، والشبكات الطائفية والحزبية تعوض جزءًا من وظائف الدولة، فيما تمنح الرعاية الخارجية الأولوية للاستقرار على الحسم. وقد جعل تداخل هذه العناصر استمرار الوضع القائم أقل كلفة بالنسبة إلى معظم الفاعلين من محاولة تغييره، وحوّل «اللامسار» من حالة انتظار مؤقتة إلى نمط حكم قائم بذاته.
ولا يقوم هذا النمط على توزيع المنافع وحدها، بل على توزيع القدرة على الاعتراض أيضًا. فكل مكوّن يمتلك من أدوات التعطيل ما يحول دون غلبة الآخرين عليه، لكنه لا يمتلك ما يكفي لفرض تسوية شاملة. لذلك تتمسك القوى بقواعد تشكو منها؛ لأن انعدام الثقة يجعل التخلي عن حق الاعتراض مخاطرة قد تهدد موقعها داخل النظام. ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال الاستعصاء في الفساد أو سوء الإدارة، ولا معالجته بحملة قانونية أو تغيير حكومي؛ لأنه يؤدي وظيفة أعمق تتمثل في توفير تأمين متبادل للجماعات ضد الخوف من الإقصاء والغلبة.
ولهذا أيضًا تتعطل المسارات الأربعة بآليات مختلفة. فالتسوية مع إسرائيل تواجه معضلة في ترتيب الالتزامات، وحصر السلاح يصطدم بغياب البديل الذي يفترض أن تقدمه الدولة، والإصلاح الاقتصادي يهدد توزيع الخسائر والمصالح القائم، فيما تحولت المؤسسات السياسية من ساحات لإنتاج القرار إلى أدوات لتأجيله. ولا يستطيع اتفاق أمني، أو قانون انتخاب جديد، أو تغيير حكومي منفرد أن يفكك هذه البنية؛ لأن كل إجراء يعالج جانبًا من الأزمة، بينما تواصل الجوانب الأخرى إعادة إنتاجها.
وتكمن الكلفة الأعمق لهذا التوازن في تآكل موقع الدولة، لا في انهيارها الكامل. فالدولة اللبنانية ما زالت موجودة، لكنها لم تعد الممر الضروري للأمن والخدمات والموارد، ولا الساحة الوحيدة التي تتنافس فيها القوى على النفوذ. وحين تصبح الجماعات قادرة على تمويل جانب من حياتها وتنظيم مصالحها خارج الدولة، تفقد الانتخابات جزءًا من وظيفتها بوصفها آلية للحسم، ويغدو تأجيلها ممكنًا، كما يفقد نزع السلاح معناه ما لم يقترن ببناء احتكار فعلي للحماية وتوفير البدائل الاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، لا يمثل تمديد ولاية مجلس النواب عام 2026 مجرد عرض من أعراض الأزمة، بل يكشف انتقال التعطيل من ممارسة تقع خارج القاعدة إلى قرار تُنتجه المؤسسة الدستورية نفسها.
وتوضح المقارنة مع العراق هذا الفارق. فالعراق يعاني فسادًا واسعًا وجمودًا سياسيًا ونفوذًا مسلحًا، لكن التنافس على الموارد والسلطة يجري داخل الدولة وعليها؛ لأن الريع النفطي يدخل خزينة الدولة ويُعاد توزيعه من خلالها. لذلك تبقى الدولة، على ضعفها، جائزة لا يمكن تجاوزها. أما في لبنان، فقد نشأ، عبر عقود من الحرب والوصاية والهجرة والانهيار المالي، اقتصاد سياسي يسمح بوصول الموارد إلى الأسر والجماعات من خارج الدولة. وبذلك، يصبح الفارق بين الحالتين متعلقًا بموقع الدولة من دورة الموارد: دولة ضعيفة لا غنى عنها في العراق، ودولة ضعيفة يمكن الاستغناء عن جانب متزايد من وظائفها في لبنان.
ومن هذه النتيجة تبرز دلالة المسافة بين مشروع موسى الصدر في «تذويب الدويلات» وواقع عام 2026. فالمسألة لا تتعلق بفشل مشروع سياسي عابر، بل بتحول الجماعة من السعي إلى انتزاع حقوقها عبر الدولة إلى بناء أدوات حماية ونفوذ موازية لها. كما أن تراجع الدعم الإيراني لا يؤدي تلقائيًا إلى عكس هذا المسار؛ لأن البنية المرتبطة بحزب الله أصبحت محلية واجتماعية وخدمية بقدر ما هي عسكرية وتمويلية. وقد يدفع ضعف القدرة الإيرانية الحزب إلى مزيد من التوطّن داخل بيئته، بدل أن يقود مباشرة إلى تفككه.
ومع ذلك، لا يعني استقرار الاستعصاء أنه قابل للاستمرار بلا حدود. فهو يعتمد على تحويلات معرضة للتراجع مع تعاقب أجيال المغتربين، وعلى رعاية خارجية متقلبة، وعلى شبكات اجتماعية وحزبية استنزفتها الحرب والهجرة والأزمة الاقتصادية. ولذلك، لا يكمن السؤال الحاسم في موعد التوصل إلى اتفاق جديد، بل في المدة التي يستطيع فيها هذا التوازن منخفض المستوى تمويل نفسه قبل أن ترتفع كلفة بقائه على كلفة تغييره. ولا تُقرأ الإجابة في بيانات التفاوض ونزع السلاح وحدها، بل في اتجاهات التحويلات والهجرة، وقدرة الخزينة على تمويل مؤسساتها، والجهة التي ستتولى إعادة الإعمار وتوزيع التعويضات. فعندما تصبح الدولة مجددًا الممر الضروري للموارد والحماية، يمكن أن يبدأ تفكيك الاستعصاء؛ أما قبل ذلك، فسيظل «اللامسار» هو المسار الأرجح.
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
الاستعصاء اللبناني: حين يصبح اللامسار مسارًا
قراءة بنيوية في اقتصاد الجمود السياسي، مع مقارنة منهجية بالحالة العراقية
ملخّص تنفيذي
تنطلق هذه الورقة من مفارقة أساسية: خلال ثمانية عشر شهرًا، تحققت معظم الشروط التي كان يُفترض أن تفتح طريق الخروج من الأزمة اللبنانية، من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة إصلاحية، إلى التراجع الحاد في القدرة العسكرية لحزب الله، وتقلص المظلة الإيرانية، وتوقيع اتفاق إطاري مباشر مع إسرائيل. ومع ذلك، لم يتحرك أي من المسارات الكبرى نحو نهايته: لم تكتمل التسوية، ولم يُحصر السلاح بيد الدولة، ولم تُستعد الدورة السياسية الطبيعية، ولم يبدأ الإصلاح الاقتصادي الجذري. وتقترح الورقة أن هذا العجز لا يعود إلى غياب الحلول وحده، بل إلى أن الأزمة نفسها بلغت من التمأسس حدًّا جعلها تتحول إلى وضع مستقر يعيد إنتاج ذاته.
وتفكك الورقة هذا الاستعصاء عبر أربعة مسارات، لكل منها آلية تعطيل مختلفة. فالتسوية مع إسرائيل تواجه معضلة في ترتيب الخطوات والضمانات؛ إذ يربط كل طرف تنفيذ التزاماته بمبادرة الطرف الآخر. ويصطدم حصر السلاح بغياب البديل الأمني والاقتصادي والرمزي الذي يفترض أن تقدمه الدولة للبيئة المرتبطة بحزب الله. أما المسار السياسي، فقد انتقل من تعطيل الاستحقاقات بالامتناع والفراغ إلى تشريع التعطيل نفسه، كما ظهر في تمديد مجلس النواب ولايته عام 2026. وفي الاقتصاد، تحوّل الامتناع عن تحديد الخسائر وإعادة هيكلة المصارف وتوحيد سعر الصرف إلى قرار فعلي يوزع كلفة الأزمة على المجتمع، فيما أسهم التعافي الجزئي في خفض الضغط من أجل إصلاح جذري.
ولا تفسر الورقة استمرار هذا الوضع بالثقافة الطائفية وحدها، بل بالبنية التي تتيح التكيف معه. فقد أصبحت الشبكات الطائفية والحزبية بديلًا جزئيًا عن الدولة في توفير الحماية والخدمات، فيما امتص اقتصاد الكاش وتحويلات المغتربين جانبًا واسعًا من آثار الانهيار. وبذلك، لم تعد الطائفة إطار هوية فحسب، بل شبكة ضمان، ولم يعد اقتصاد الكاش مجرد نتيجة لتعطل المصارف، بل بنية موازية تمنع الانفجار وتعرقل الإصلاح في الوقت نفسه. كما تُظهر إعادة الإعمار أن الصراع على قناة التعويض هو صراع على النفوذ والولاء؛ فالجهة التي تمول وتوزع لا تقدم خدمة فقط، بل تعيد إنتاج موقعها داخل المجتمع.
وتكشف المقارنة مع العراق العامل الأكثر تفسيرًا لهذا الاختلاف، وهو مسار الريع وموقع الدولة منه. ففي العراق، يدخل الريع النفطي إلى خزينة الدولة ويُعاد توزيعه من خلالها، ما يجعل الدولة ضعيفة لكنها غير قابلة للاستغناء؛ ولذلك يجري الصراع على الموارد والنفوذ داخل مؤسساتها وعليها. أما في لبنان، فتصل التحويلات والمساعدات وموارد اقتصاد الكاش والشبكات الحزبية مباشرة إلى الأسر والجماعات، متجاوزة الدولة، ما يجعلها قابلة للاستغناء وظيفيًا. ومن هنا تخلص الورقة إلى أن «اللامسار» لم يعد حالة انتظار مؤقتة، بل أصبح نمط حكم له مؤسساته وموارده وشرعيته الوظيفية. ويظل استمرار هذا النمط هو المسار الأرجح حتى عام 2029، ما لم تتغير بنية التمويل نفسها، وتصبح الدولة الممر الرئيسي لإعادة الإعمار والتعويض والخدمات الاجتماعية.
أولًا: مقدمة تأطيرية: لماذا تُطرح هذه القضية الآن؟
تُطرح مسألة الاستعصاء اللبناني في لحظة استثنائية من الناحية المنهجية؛ إذ تحققت، خلال ثمانية عشر شهرًا، معظم المتغيرات التي قُدّمت طوال عقدين بوصفها “شروطًا للانفراج”، من دون أن يتحقق الانفراج نفسه. وتتيح هذه المفارقة وضع الفرضيات السببية أمام اختبار شبه تجريبي: انتهى الفراغ الرئاسي، وتشكّلت حكومة إصلاحية، وتراجعت قوة الفاعل من غير الدولة، وتلقّت المظلة الإيرانية ضربة في رأسها، لكن الانسداد بقي على حاله.
وفي مطلع أيلول/سبتمبر 2026، لم تتغير الصورة في جوهرها. فالاتفاق الإطاري الموقّع في واشنطن برعاية أميركية ينص على انسحاب إسرائيلي متدرج، مقابل انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، مع بقاء القوات الإسرائيلية على “الخط الأصفر” وضمن “الحزام الأمني” إلى حين استكمال نزع السلاح. وقد وصفه حزب الله بأنه “باطل ومُهين”، فيما رأى النائب إبراهيم الموسوي أن الحكومة “ورّطت نفسها والبلد في المفاوضات المباشرة مع العدو”. وفي 3 أيلول/سبتمبر 2026، كانت الصحف تتحدث عن جولة تفاوض ثامنة مرتقبة في روما، بالتزامن مع استمرار الغارات على قرى الجنوب واستهداف حزب الله آلية إسرائيلية بمسيّرة. وهكذا، أصبح الاتفاق والحرب والتفاوض قائمًا كل منها إلى جانب الآخر، فيما لم يكتمل الانسحاب ولا نزع السلاح.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة السؤال. فالسؤال المتداول: “كيف يخرج لبنان من أزمته؟”، يفترض أن الأزمة مرحلة انتقالية بين وضعين مستقرين. أما الفرضية التي تنطلق منها هذه الورقة، فهي أن الأزمة بلغت من التمأسس حدًّا جعلها تتحول إلى الوضع المستقر نفسه: توازن منخفض المستوى يعيد إنتاج ذاته، لأن كلفة الخروج منه بالنسبة إلى جميع الفاعلين باتت أعلى من كلفة البقاء فيه.
ويقتضي ذلك تمييزًا اصطلاحيًا ثلاثيًا تُبنى عليه بقية الورقة. فـ”الجمود” (deadlock) هو تعطّل قرار محدد، ولذلك يكون ظرفيًا وقابلًا للحل عند تغيّر موازين القوى. أما “الانهيار” (collapse)، فيعني فقدان الدولة وظائفها الأساسية، وهو ما لم يحدث في لبنان بالمعنى الكامل؛ فالجيش لا يزال قائمًا، والقضاء مستمر على الرغم من ضعفه، والإدارة تعمل بحدها الأدنى، كما أُجريت الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2025. في المقابل، يشير “الاستعصاء” (impasse) إلى تعطّل مزمن يترافق مع نشوء آليات مؤسسية واجتماعية واقتصادية للتكيّف معه، بما يُضعف حوافز الفاعلين إلى تجاوزه. وبهذا المعنى، لا يتمثل الاستعصاء في غياب الحل فحسب، بل في إحلال منظومة لإدارة غيابه محل الحل نفسه.
ثانيًا: الخلفية البنيوية: كيف تشكّلت القدرة على التكيّف؟
1. التسوية الدستورية: من منع الغلبة إلى الفيتو المتبادل
أنهى اتفاق الطائف الحرب الأهلية، وأعاد توزيع الصلاحيات بين الرئاسات، وكرّس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب، فيما جعل إلغاء الطائفية السياسية هدفًا مرحليًا مؤجلًا، من دون ربطه بجدول زمني ملزم. وقد نجحت هذه الصيغة في منع أي طرف من تحقيق غلبة دائمة، لكنها لم تُنتج مركزًا سياديًا قادرًا على الحسم. فالقضايا الكبرى تتطلب، في الممارسة، توافق الكتل الطائفية الأساسية، في حين يستطيع أي تحالف يتمتع بوزن طائفي تعطيل النصاب، أو الطعن في “ميثاقية” القرار، أو الامتناع عن المشاركة في تشكيل الحكومة. ولا تكمن المشكلة في التوافق بذاته، بل في غياب قاعدة واضحة تحدد متى ينتهي التفاوض ويبدأ اتخاذ القرار.
وبذلك، تحوّل التعطيل إلى تقنية مؤسسية. فقد امتد الفراغ الرئاسي بين عامي 2014 و2016 نحو عامين وخمسة أشهر، واستغرق تشكيل حكومة تمام سلام قرابة أحد عشر شهرًا، فيما بقي لبنان عام 2020–2021 من دون حكومة جديدة مدة ثلاثة عشر شهرًا، قبل أن ينجح نجيب ميقاتي في تشكيل حكومته بعد نحو شهر ونصف من تكليفه. لم تتوقف المؤسسات عن العمل، لكنها تحولت إلى غرف انتظار إلى حين نضوج التسويات؛ وهو نمط مؤسسي مهّد لاحقًا لقدرة النظام على تشريع تعطيله بنفسه.
2. الجماعة قبل الدولة: بنية ضمان لا بنية هوية
غالبًا ما يُختزل الاجتماع اللبناني في “الطائفية”، بوصفها هوية أو ولاءً وجدانيًا. غير أن الوظيفة الأهم للجماعة ليست رمزية بقدر ما هي تأمينية؛ إذ نشأ الفرد تاريخيًا داخل شبكات طائفية وحزبية توفر له ما يُفترض أن توفره الدولة، من التوظيف والصحة والتعليم إلى الحماية والوساطة الإدارية، وإن بدرجات متفاوتة بين الطوائف. وقد أظهرت دراسات ميدانية أن الوصول إلى الرعاية في لبنان لا تحدده الحاجة وحدها، بل تتدخل فيه العضوية الحزبية والولاء وشبكات الوساطة. فالطائفة هنا ليست مجرد إطار ينتمي إليه الفرد، بل شبكة يتأمّن من خلالها.
وهذا التمييز حاسم من الناحية التحليلية. ففي الدولة التي يقوم فيها الضمان الاجتماعي على مؤسسات مركزية، يتحول ضعف الدولة مباشرةً إلى ضغط شعبي على النظام السياسي. أما عندما يتوزع الضمان بين شبكات ما دون الدولة، فإن آثار هذا الضعف تُمتص اجتماعيًا قبل أن تتحول إلى ضغط سياسي. وبذلك، لا تكون الشبكة الطائفية عائقًا أمام الإصلاح فحسب، بل تصبح أيضًا الوسادة التي تجعل تأجيله قابلًا للاستمرار.
وقد أدرك موسى الصدر هذه المعادلة مبكرًا، وبنى مشروعه على نقيضها، معتبرًا إدماج الشيعة في “الدولة الواحدة” شرطًا لانتزاع حقوقهم، لا بديلًا عنها. وتنسب إليه كتابات لبنانية متداولة قولًا، في 30 تموز/يوليو 1978: “لا حلّ للبنان إلا في إقامة الشرعية، ولا شرعية إلا بتذويب الدويلات أيًّا كانت صيغتها وشكلها وفعلها” مؤكداً أن “مؤسسات الطوائف ليست بديلاً عن المؤسسات الوطنية والدستورية.” هذا المضمون ينسجم مع موقف له في حزيران/يونيو 1978، يرى أن “الدولة العادلة، وليس السلاح” هي الحل، ويتعامل مع السلاح بوصفه استثناءً مؤقتًا، لا بديلًا عن الدولة.
3. العمق الإيراني–العاملي: خمسة قرون لا أربعة عقود
من الأخطاء المنهجية الشائعة اختزال العلاقة بين إيران ولبنان في حزب الله، أو حصرها في مرحلة ما بعد عام 1979؛ فالامتداد التاريخي لهذه العلاقة أقدم بكثير، كما أن التأثير فيها كان متبادلًا. فمنذ القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، انتقل عدد كبير من علماء جبل عامل إلى إيران استجابة لدعوة الصفوية لمساندتها. وتحصي رولا جردي أبي صعب أكثر من 158 عالمًا عامليًا مهاجرًا من الجيلين الأول والثاني وعائلاتهم، كان من أبرزهم المحقق الكركي (ت. 1534)، وبهاء الدين العاملي (ت. 1621–1622)، والحر العاملي (ت. 1693). وقد دفعتهم إلى الهجرة الضغوط العثمانية، إلى جانب ضيق فرص العمل الديني في بلاد الشام.
ولا تزال دلالة هذا الانتقال موضع سجال أكاديمي. فقد اعترض أندرو نيومان على المبالغة في تقدير أثر العامليين، مستندًا إلى أن فقهاء جبل عامل نظروا إلى التشيع القزلباشي بوصفه “غير متسق مع الأصول”. في المقابل، ردّت أبو صعب بتوثيق الحضور العاملي الواسع، ووصفت التعاون بين العلماء وأمراء البلاط بأنه “سيّال ومتعدد الوجوه”. ولذلك، فالأدق القول إن العامليين لم “يصنعوا” التشيع الصفوي، لكنهم شكّلوا أحد روافده المؤسسية في مرحلة بناء الشرعية الفقهية للدولة. خلافًا لمراكز أقدم، مثل النجف والبحرين، حيث كانت استجابتهم للصفوية أقل. وإذا صحت هذه الفرضية، فإن مغزاها البنيوي يتمثل في أن جبل عامل كان هامشًا فقهيًا يبحث عن مركز، فيما كانت النجف مركزًا لا يحتاج إلى سلطة تسنده.
واستمر هذا التفاعل في العصر الحديث، وإن اتخذ أشكالًا مختلفة. فقد هاجر صدر الدين الصدر، والد موسى الصدر، من الكاظمية إلى قم في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، وأسهم في ترسيخ الحوزة الفتية التي أسسها الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي عام 1922. وبعد وفاة الحائري عام 1937، أصبح أحد كبار المراجع في مدينة قم. وفي الاتجاه المعاكس، وُلد موسى الصدر في قم عام 1928، قبل انتقاله إلى مدينة صور عام 1959. وخلال سبعينيات القرن العشرين، ارتبط لبنان بعدد من معارضي السلطة الإيرانية، من بينهم مصطفى چمران وإبراهيم يزدي وجلال الدين الفارسي. وتوثق مذكرات شمران دوره في بدء تدريب الشيعة عسكريًا في بعلبك عام 1974، والإسهام في تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية التي أُعلن عنها لاحقًا.
لكن هذه الروابط لم تتحول إلى ارتباط تنظيمي كثيف إلا بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حين أرسلت طهران وحدات من الحرس الثوري إلى البقاع عبر سوريا، وكان السفير الإيراني في دمشق، علي أكبر محتشمي بور، من أبرز الداعمين لهذا التوجه. ومع ذلك، لم يكن القرار الإيراني يسير في خط مستقيم؛ فقد انقسمت القيادة بشأن حجم القوات التي ينبغي إرسالها، في وقت كانت فيه إيران تخوض حربًا مفتوحة مع العراق. وفي هذا السياق، جاء كلام الخميني منتصف سنة 1982 الذي تحول إلى شعار: “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء”، ليؤكد أولوية الجبهة العراقية. واستقر الخيار في النهاية على حضور محدود يتولى التدريب والتنظيم.
وبهذا المعنى، لا تمثل العلاقة الإيرانية–اللبنانية إسقاطًا خارجيًا على مجتمع متلقٍ، بل هي حصيلة تفاعل متبادل امتد خمسة قرون. ومن ثم، فإن تراجع قدرة إيران على الإنفاق والتوجيه لا يؤدي تلقائيًا إلى تفكك البنية اللبنانية المرتبطة بها، لأن جذور هذه العلاقة أعمق من التمويل وحده.
4. تشيّعان مختلفان: تمييز نمطي لا جوهراني
يمكن، مع قدر من الحذر المنهجي، اقتراح تمييز نمطي بين تشكّل التشيع الحديث في العراق ونظيره في لبنان. ففي العراق، تراكم التشيع ضمن قالب مرجعي-اجتماعي–طقوسي، يقوم على مرجعية النجف والعتبات ونظام الحوزة وشبكة الخُمس؛ وهي مؤسسات سبقت ظهور الأحزاب وحافظت على استقلال نسبي عنها. أما في لبنان، فقد تشكّل التشيع السياسي الحديث، منذ ستينيات القرن العشرين، داخل قالب تنظيمي–حزبي، بدأ بحركة المحرومين، ثم حركة أمل، وصولًا إلى حزب الله؛ أي ضمن بنية تعبئة تتنافس على الموقع والنفوذ داخل الدولة والمجتمع، أكثر من تنافسها على المرجعية الدينية.
وهذا التمييز نمطي لا جوهراني؛ فالمقصود ليس أن التشيع العراقي “ديني”، في مقابل تشيع لبناني “سياسي”، بل أن الوسيط المؤسسي الذي انتقلت من خلاله الطاقة الاجتماعية إلى الفعل السياسي اختلف بين الحالتين. ويساعد ذلك على تفسير صعوبة تفكك حزب الله، حتى مع تقلّص دوره العسكري؛ فهو لا يمثل تنظيمًا مسلحًا فحسب، بل يشكّل أيضًا شبكة خدمية ومالية وتعليمية وبلدية، تستند إلى ذاكرة جماعية متماسكة. وقد أظهرت الانتخابات البلدية في أيار/مايو 2025 أن قدرته على تمثيل بيئته لم تتأثر بالخسائر العسكرية بالقدر المتوقع. ولذلك، فإن نزع السلاح يعني هنا تفكيك بنية اجتماعية بقدر ما يعني تسليم العتاد.
وقد عبّر امين عام حزب الله، في خطاب مصوّر يعود إلى مرحلة مبكرة، عن مشروع يقوم على جعل لبنان جزءًا من “الجمهورية الإسلامية الكبرى” التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه الولي الفقيه، الخميني. وتزداد دلالة هذا الموقف عند وضعه في سياق الرسالة المفتوحة التي أعلنها إبراهيم أمين السيد، الناطق الرسمي باسم حزب الله آنذاك، في حسينية الشياح، في 16 شباط/فبراير 1985. فلم تُخفِ الرسالة “الالتزام بحكم الإسلام”، ونصّت على أن “كل واحد منّا يتولى مهمته في المعركة وفقًا لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد”. وبذلك، ربطت الصياغة التأسيسية مرجعية القرار بولاية الفقيه، لا بالدولة اللبنانية؛ وهو، من الناحية السوسيولوجية، تحديد لموقع الجماعة خارج إطار الدولة، لا داخله.
لهذا على الرغم من أن الحزب دخل مجلس النواب منذ عام 1992، وشارك في الحكومات، وبنى تحالفات عابرة للطوائف، لكنه احتفظ، في الوقت نفسه، بسلاح وبقرار أمني يتجاوزان مؤسسات الدولة ويتفاخر بعلاقاته حتى المالية بايران. وتمثل هذه الازدواجية، أي الجمع بين موقع داخل النظام وقدرة مستقلة عنه، أحد أهم مصادر قوة الحزب، كما تشكّل أحد أكبر العوائق أمام بناء سيادة موحدة.
ثالثًا: تفكيك الفاعلين والمسارات: أربعة انسدادات بأربع آليات
يتمثل الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا في التعامل مع الانسدادات الأربعة بوصفها انسدادًا واحدًا، فيما يتعطل كل مسار منها بآلية مختلفة؛ فمفاتيح الحل ليست في يد فاعل واحد، كما أنها لا تعمل في القفل نفسه.
1. مسار التسوية مع إسرائيل: انسداد التسلسل لا المبدأ
شهد عام 2026 ما كان يُعدّ من المحرّمات السياسية: مفاوضات مباشرة ومعلنة أفضت إلى توقيع الاتفاق الإطاري. ومع ذلك، لا يدور الخلاف الجوهري حول مبدأ التسوية بقدر ما يتعلق بتسلسل خطواتها. فإسرائيل تربط انسحابها باستكمال نزع السلاح، فيما يربط لبنان الرسمي قدرته على نزع السلاح باستعادة الأرض، بما يمنح الدولة شرعية احتكار القوة. أما حزب الله، فيتعامل مع هذا الربط بوصفه إملاءً مفروضًا عليه.
ويمثل ذلك انسدادًا كلاسيكيًا من نوع “معضلة الالتزام” (commitment problem): فكل طرف مستعد للتنفيذ إذا بادر الطرف الآخر أولًا، بينما يعجز أي منهما عن تقديم ضمانة موثوقة للآخر. وقد نشر الجانب الأميركي نص الاتفاق في 27 حزيران/يونيو، وأُسندت إلى واشنطن مهمة متابعة تنفيذه بموجب ملحق أمني وبذلك، أُوكلت الضمانة إلى طرف خارجي؛ وهو حل تظل فاعليته مرتبطة باستمرار اهتمام ذلك الطرف والتزامه.
2. مسار حصرية السلاح: انسداد البديل
اتخذت الحكومة قرارًا بحصر السلاح بيد الدولة، وأعلن الجيش، في 8 كانون الثاني/يناير 2026، إنجاز المرحلة الأولى جنوب نهر الليطاني. ثم منحته الحكومة، في 17 شباط/فبراير 2026، مهلة أربعة أشهر قابلة للتمديد لإنجاز المرحلة الثانية.
ويزداد هذا المسار تعقيدًا لأن إطاره المرجعي، المتمثل في القرار 1701 الصادر عام 2006، لا ينص على إجراء أحادي، بل على حزمة مترابطة تشمل وقف الأعمال القتالية، وانتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، والانسحاب الإسرائيلي بالتوازي، وإقامة منطقة خالية من أي سلاح غير سلاح الدولة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني وهذا يعني أن تنفيذه يفترض توافر ما هو معطّل أصلًا: التزام متبادل وضمانة موثوقة.
لكن هذا المسار اصطدم بعائق أعمق من الإرادة السياسية. فنزع سلاح جماعة مندمجة في بنية الضمان الاجتماعي لبيئتها يفترض أن تكون الدولة قادرة على تقديم بديل أمني واقتصادي ورمزي. وما دامت عاجزة عن توفير هذه البدائل الثلاثة، فإن نزع السلاح يُفهم داخل تلك البيئة بوصفه نزعًا للضمانة، لا مجرد تجريد من السلاح. ومن ثم، لا يكمن الانسداد في غياب القرار، بل في غياب ما يمكن أن يحل محل البنية المراد تفكيكها.
3. المسار السياسي الداخلي: من تعطيل الاستحقاق إلى تشريع التعطيل
في 9 آذار/مارس 2026، صوّت مجلس النواب على تمديد ولايته سنتين وتأجيل الانتخابات المقررة في أيار/مايو، بأغلبية 76 صوتًا مقابل 41، مع امتناع أربعة نواب، في ظل تصعيد عسكري أعقب الضربة الأميركية–الإسرائيلية على إيران. وأيّد نبيه بري وحزب الله التمديد، فيما طالبت الأحزاب المسيحية بتأجيل أقصر. ووصف جبران باسيل الخطوة بأنها “أسوأ أشكال الديمقراطية”، بينما عدّها النائب ملحم خلف غير دستورية؛ لأنها تقوّض “مبدأ المساءلة الانتخابية”.
وتكمن الأهمية التحليلية لهذه الواقعة في أنها تعبّر عن تحول في طبيعة الانسداد نفسه. فحتى عام 2026، كان تعطيل الاستحقاقات يجري بالامتناع، من خلال تعطيل النصاب، وتأخير تشكيل الحكومات، وإطالة الفراغ الرئاسي؛ أي إنه كان يظهر بوصفه فشلًا في عمل النظام. أما التمديد، فهو فعل إيجابي أقرّته أغلبية واضحة داخل المؤسسة الدستورية. وبذلك، لم يعد النظام يعطّل نفسه نتيجة العجز، بل أصبح يشرّع لتعطيله. وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الجمود من عَرَض إلى قاعدة.
ويُضاف إلى ذلك بُعد خارجي نادرًا ما يُناقش بصراحة. فقد نقلت صحيفة “النهار” عن مصادر مالية فرنسية وجود صلة بين اتفاق لبنان المرتقب مع صندوق النقد الدولي ومؤتمر إعادة الإعمار من جهة، وتمديد ولاية مجلس النواب من جهة أخرى وإذا صح هذا الربط، فإن دلالته تتمثل في أن جزءًا من المجتمع الدولي قد يفضّل استقرارًا بلا مسار على مسار بلا استقرار. وعندئذ، لا يعود “اللامسار” خيارًا داخليًا فحسب، بل يصبح أيضًا محل توافق ضمني بين الداخل والخارج.
4. المسار الاقتصادي: انسداد التعافي الجزئي
سبق للبنك الدولي أن وصف الأزمة اللبنانية بأنها “كساد متعمّد”، رابطًا استمرارها بسيطرة نخبة سياسية ومالية على الدولة ومواردها الريعية. وفي عام 2023، وصف صندوق النقد الدولي ما يجري بأنه “حالة من اللافعل”، يتحمل أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط الجزء الأكبر من أعبائها ولا يعني “التعمّد” أن جهة واحدة خططت للانهيار، بل إن الامتناع المتكرر عن اتخاذ قرارات معروفة الضرورة، مثل تحديد الخسائر وإعادة هيكلة المصارف وتوحيد سعر الصرف، تحول في ذاته إلى قرار يعيد توزيع الخسائر. وبهذا المعنى، يمثل “اللافعل” الاقتصادي النظير المباشر لـ”اللامسار” السياسي.
وفي 22 كانون الثاني/يناير 2026، أصدر البنك الدولي نسخة شتاء 2025 من “مرصد لبنان الاقتصادي”، تحت عنوان “انتعاش هشّ؟”. وقدّر التقرير نمو الاقتصاد الحقيقي بنسبة 3.5% عام 2025، وتوقع ارتفاعها إلى 4% عام 2026، مع بلوغ التضخم 15.2%، واستقرار سعر الصرف منذ آب/أغسطس 2023. كما أشار إلى إحراز تقدم تشريعي وقضائي، في مقابل استمرار تعليق الإصلاحات البنيوية، وفي مقدمتها قانون الفجوة المالية.
غير أن حرب آذار/مارس 2026 قلبت هذه التقديرات. فقد رجّحت مؤسسة “كلنا إرادة”، في ورقة صدرت في 27 نيسان/أبريل 2026، انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 7% و16%، بدلًا من النمو المتوقع. وأشارت إلى مقتل نحو 2,491 شخصًا، ونزوح قرابة مليون، وتدمير نحو 54,000 وحدة سكنية أو تضررها بشدة، فضلًا عن تراجع مؤشر نشاط القطاع الخاص إلى 47.4، وهو أدنى مستوى له خلال 17 شهرًا. وجاءت هذه الخسائر لتضاف إلى اقتصاد انكمش بنحو 40% منذ عام 2019، وغادره نحو 800 ألف شخص منذ عام 2020. كما ارتفعت نسبة الفقر في المناطق التي شملها مسح البنك الدولي من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022. وبذلك، لا يمثل التكيّف نجاحًا اجتماعيًا، بل آلية لنقل كلفة الأزمة من النظام إلى الأسر.
وتكمن المفارقة في أن التعافي الجزئي أصبح أحد العوامل التي تغذي الاستعصاء، لا سبيلًا للخروج منه. فالنمو المتواضع واستقرار سعر الصرف يخفضان الكلفة السياسية لتأجيل الإصلاح الجذري، ويمنحان الطبقة السياسية هامشًا للقول إن الوضع لا يزال قابلًا “للإدارة”. وهكذا، لا يتعافى الاقتصاد اللبناني ولا ينهار بالكامل، بل يستقر عند مستوى منخفض؛ وهذا هو، على وجه الدقة، تعريف الاستعصاء.
رابعًا: العوامل الخفية أو غير المتداولة
1. اقتصاد الكاش بوصفه بنية حكم لا عَرَضًا ماليًا
قدّر البنك الدولي حجم الاقتصاد النقدي في لبنان بنحو 9.86 مليارات دولار، بما يعادل 45.7% من الناتج المحلي لعام 2022. ويُقرأ هذا الرقم عادةً بوصفه مؤشرًا على تدهور القطاع المصرفي، لكن الأدق النظر إليه باعتباره جزءًا من بنية حكم موازية. فاقتصاد الكاش يمتص صدمة انهيار الجهاز المصرفي، ويساعد بذلك على منع الانفجار الاجتماعي، لكنه يُخرج، في الوقت نفسه، جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي من نطاق الرقابة والضرائب، فيزيد ضعف الدولة ماليًا. كما يمنح الشبكات غير الرسمية ميزة نسبية، بعدما أصبحت القنوات الأكثر كفاءة في توزيع الموارد. وهكذا، يؤدي اقتصاد الكاش وظيفتين متناقضتين: فهو ما يمنع الانهيار، وما يعرقل الإصلاح في آن واحد.
2. تحويلات المغتربين: دولة رفاه موازية بلا سيادة
تُقدّر تحويلات اللبنانيين في الخارج عبر القنوات الرسمية بما يتراوح بين 6.4 و6.9 مليارات دولار سنويًا، أي ما يعادل 30 إلى 35% من الناتج المحلي. ويأتي 48% منها من دول مجلس التعاون الخليجي، و16% من أميركا الشمالية، و14% من أوروبا. ولا تمثل هذه التحويلات دعمًا هامشيًا، بل تؤدي وظيفة نظام فعلي للحماية الاجتماعية يعمل على مستوى الأسرة، ويوفر جزءًا مما كان يُفترض أن توفره الدولة لو امتلكت القدرة على ذلك.
ومن هنا تبرز نتيجة مهمة: فالهجرة، التي تُقدّم عادةً بوصفها أحد أعراض الأزمة، أصبحت أيضًا من شروط استمرارها؛ إذ تُصدّر جانبًا من الاحتقان الاجتماعي، وتستورد في المقابل سيولة تساعد المجتمع على البقاء من دون دولة فاعلة.
لكن هذه الوسادة هشّة بنيويًا لسببين. أولهما ارتباطها بالدورات الاقتصادية الخليجية والغربية، وهي عوامل تقع خارج السيطرة اللبنانية. أما الثاني، فهو اعتمادها على استمرار الروابط الأسرية بين المهاجرين والداخل، وهي روابط يُحتمل أن تضعف لدى الجيلين الثاني والثالث. وبذلك، يعيش لبنان على مورد قابل للتناقص لتمويل جمود ممتد؛ وهي معادلة تضع سقفًا زمنيًا لقدرة الاستعصاء على الاستمرار.
3. التمديد بوصفه تقنية حكم متكررة
لم يكن تمديد عام 2026 سابقة، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة. فقد مدّد مجلس النواب ولايته في عام 2013، ثم عاد إلى تمديدها عام 2014، قبل إقرار تمديد تقني آخر عام 2017. ويضع الباحث عصام قيسي تمديد عام 2026 ضمن نمط لبناني يعود إلى خمسينيات القرن العشرين، يقوم على تأجيل الاستحقاقات الدستورية عند الأزمات. وبهذا المعنى، لا يمثل التمديد انحرافًا عابرًا عن القاعدة، بل أداة يستخدمها النظام لإدارة استمراره. وعندما يتكرر أربع مرات خلال ثلاثة عشر عامًا، فإنه يقترب من التحول من استثناء إلى عرف دستوري غير مكتوب.
4. إعادة الإعمار بوصفها سوقًا للنفوذ
إن سؤال “من يدفع؟” في إعادة إعمار الجنوب والضاحية والبقاع هو، في جوهره، سؤال عن الجهة التي ستمتلك النفوذ والقدرة على الحكم. فقد تعرضت مؤسسة القرض الحسن التابعة لحزب الله لعقوبات أميركية شملت شخصيات بارزة فيها وشبكات تمويل مرتبطة بها، ما ضيّق قدرة الحزب على دفع التعويضات وأثار امتعاضًا داخل بيئته. وفي المقابل، جرى الحديث عن آليات دولية لتعويض المتضررين مباشرةً، بما يكسر احتكار الحزب لإعادة إعمار الجنوب. وفي هذا الملف تحديدًا، تُختبر فعليًا فكرة ” حصرية الدولة”؛ لأن الجهة التي تمتلك قناة التعويض تمتلك قدرة واسعة على إنتاج الولاء.
5. أثر ما بعد خامنئي: تقليص القدرة لا تفكيك الرابطة
من المرجح أن الضربات العسكرية التي وجّهت لإيران طوال الأشهر الماضية، بالتزامن مع الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، تؤدي إلى تقليص قدرة طهران على الإنفاق والتوجيه التفصيلي في لبنان. غير أن الاستنتاج الشائع بأن هذا التحول سيقود إلى تفكك حزب الله يتجاوز ما سبق عرضه؛ فالرابطة اجتماعية وفقهية قبل أن تكون تمويلية. لذلك، لا يبدو التفكك المسار الأرجح، بل قد يتجه الحزب نحو مزيد من “التوطّن”، من خلال زيادة الاعتماد على الموارد المحلية، وتعزيز تموضعه البلدي والخدمي. وقد يؤدي هذا التحول إلى تعميق جذوره المحلية بدلًا من اقتلاعها. غير أن ذلك يظل فرضية تحتاج إلى اختبارها من خلال مؤشرات محددة.
خامسًا: المقارنة المنهجية مع العراق
تُجرى المقارنة هنا على مستوى الإطار المؤسسي وبنية الريع، لا على أساس “الطباع الطائفية”، تجنبًا للوقوع في تفسير ثقافوي. وتساعد الأدبيات المقارنة على ضبط هذا المنظور، من خلال التعامل مع “الدولة” في العراق ولبنان بوصفها مجالًا تتشابك داخله علاقات القوة بين الوزارة والحزب والكتلة والفصيل، لا مؤسسة موحدة تقف في مواجهة “اللادولة”. وتنطلق المقارنة من ثلاثة محاور أساسية.
المحور الأول: موقع الدولة من الرهان
تمثل الدولة في العراق الساحة والجائزة في آن واحد. فالقوى السياسية كافة، بما فيها القوى المسلحة، تتنافس من داخل الدولة وعليها، من خلال السعي إلى الوزارات والموازنة والرواتب والمناصب. ويكشف المسار السياسي الأخير عن ذلك بوضوح؛ إذ أُجريت الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 في موعدها، وحسب الاعلان الرسمي، بنسبة مشاركة تجاوزت انتخابات عام 2021، وحلّ “ائتلاف الإعمار والتنمية” في المرتبة الأولى بحصوله على 46 مقعدًا من أصل 329. ثم انتُخب نزار آميدي، مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني، رئيسًا للجمهورية في 11 نيسان/أبريل 2026، وكلّف علي فالح الزيدي بتشكيل الحكومة، التي نالت ثقة مجلس النواب في 15 أيار/مايو 2026 بأربع عشرة حقيبة، مع تأجيل حسم تسع حقائب أخرى.
ولا ينبغي أن تقود هذه المقارنة إلى تقديم صورة مثالية عن الحالة العراقية. فقد استغرق تشكيل الحكومة نصف سنة، ولم تنل الثقة إلا بصورة جزئية، فيما ظل نفوذ الفصائل والانقسامات الكردية وتراجع العائدات النفطية من أبرز التحديات المعلنة خلال عام 2026. ومع ذلك، يبقى الفارق البنيوي واضحًا: يعالج العراق جموده داخل مؤسساته ومن خلال دوراته الدستورية، وإن ببطء وكلفة مرتفعة، بينما يعالج لبنان جموده بتعطيل الدورة الدستورية نفسها. ففي الحالة الأولى، تُستهلك المؤسسات في إنتاج التسوية، أما في الثانية، فتُستخدم لتأجيل إنتاجها.
المحور الثاني: المرجعية بوصفها ضابطًا مستقلًا
يمتلك العراق مرجعية دينية عليا في النجف، تتمتع بسلطة اجتماعية ورمزية مستقلة عن الأحزاب، وتحافظ على مسافة متفاوتة من الولاية السياسية المباشرة. ويتيح لها هذا الموقع التدخل، عند الضرورة، لتصويب الحقل السياسي من خارج معادلاته الحزبية. أما في لبنان، فالسلطة الدينية موزعة ومندمجة، إلى حد بعيد، في البنى الحزبية.
ولا يتعلق هذا الاختلاف بدرجة التدين، بل بطبيعة البنية المؤسسية. فالمرجعية المستقلة يمكن أن تعمل بوصفها آلية داخلية للتصحيح، في حين يعني غيابها أن التصحيح يصبح أكثر اعتمادًا على الضغط الخارجي أو لحظات الانهيار.
المحور الثالث: مسار الريع: الدولة التي لا غنى عنها والدولة القابلة للاستغناء
يمثل هذا المحور، وفق تقدير الورقة، العامل الأكثر قدرة على تفسير الاختلاف بين الحالتين. ففي العراق، يدخل الريع النفطي إلى خزينة الدولة أولًا، ثم يُعاد توزيعه من خلالها. ولذلك، يحتاج أي فاعل، مهما بلغت قوته المسلحة، إلى الدولة للوصول إلى المال والشرعية وتوسيع نفوذه التنظيمي. فالدولة العراقية ضعيفة، لكنها تظل طرفًا لا غنى عنه؛ ولهذا يدور الصراع عليها ومن داخلها، لا خارجها.
أما في لبنان، فإن الموارد الرئيسية، بما فيها التحويلات واقتصاد الكاش والمساعدات والاقتصادات الحزبية الموازية، تصل مباشرةً إلى الأسر والجماعات من دون المرور بخزينة الدولة. وكلما امتلكت الجماعات بدائل خاصة، تراجعت لديها جاذبية بناء دولة قوية، فيما يصبح الفقراء أكثر ارتهانًا للوسطاء الذين يوفرون لهم الموارد والخدمات. وبذلك، لا تبدو الدولة اللبنانية ضعيفة فحسب، بل قابلة للاستغناء عنها وظيفيًا.
ومن هذا المحور تُستخلص النتيجة العملية الأهم: لا تبدأ أي استراتيجية جادة لتفكيك الاستعصاء بنزع السلاح أو بإقرار قانون انتخاب جديد، بل بإعادة توجيه مسار الريع عبر الدولة؛ أي جعلها الممر الإلزامي لإعادة الإعمار ودفع التعويضات وتقديم الخدمات الاجتماعية. فما دامت الموارد تتجاوز الدولة، ستظل الدولة موضوعًا للتقاسم، لا إطارًا منظمًا للتنافس.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة (2026–2029)
تُرتّب السيناريوهات الآتية وفق ترجيح نوعي، لا وفق نسب عددية توحي بدقة غير متاحة، مع تحديد المؤشرات التي يمكن الاستناد إليها في رصد تحقق كل سيناريو.
السيناريو الأول (الأرجح): استمرار “اللامسار” المُدار
يقوم هذا السيناريو على انسحاب إسرائيلي جزئي يتوقف عند حدود “الحزام الأمني”، وتجميد فعلي لنزع السلاح شمال نهر الليطاني، واستمرار مجلس النواب الممدّدة ولايته حتى عام 2028، إلى جانب اتخاذ خطوات إصلاحية جزئية تكفي لاستمرار التمويل الخارجي، من دون معالجة جدية للفجوة المالية.
وتتمثل أبرز مؤشرات هذا السيناريو في تكرار جولات التفاوض من دون التوصل إلى ملحق تنفيذي ملزم، وتمديد المهلة الممنوحة للجيش، وإقرار نسخة مخففة من قانون الفجوة المالية، واستمرار الغارات المحدودة من دون الانزلاق إلى تصعيد شامل.
السيناريو الثاني (ممكن): تسوية متدرجة ومقيّدة
يفترض هذا السيناريو التوصل إلى صيغة متدرجة تربط الانسحاب الإسرائيلي بجدول زمني لتسليم السلاح تحت إشراف دولي، مقابل عقد مؤتمر لإعادة الإعمار وإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي.
وتشمل مؤشرات تحققه إنجاز الملحق الأمني وفق جدول زمني محدد، وإعلانًا سعوديًا–فرنسيًا عن تمويل مشروط، وتحول خطاب حزب الله من رفض الاتفاق إلى التفاوض على شروط تنفيذه. غير أن هذا السيناريو يعالج الجانب الأمني جزئيًا، من دون أن يمس بنية الريع؛ ولذلك سيظل نجاحه هشًا ومرهونًا باستمرار الرعاية الخارجية.
السيناريو الثالث (ممكن): جولات صدام محدودة ومتكررة
يقوم هذا السيناريو على انهيار متكرر لوقف إطلاق النار، من دون التحول إلى حرب شاملة، بما يعيد إنتاج الاستعصاء، لكن بكلفة بشرية واقتصادية متزايدة.
ومن أبرز مؤشراته اتساع نطاق الاستهدافات شمال نهر الليطاني، وتعليق جولات التفاوض في روما، وتجدد موجات النزوح الجماعي، وتراجع مؤشر نشاط القطاع الخاص إلى ما دون 45 نقطة.
السيناريو الرابع (مستبعد): التفكك الوظيفي للدولة
يفترض هذا السيناريو عجز الخزينة عن تمويل الجيش والإدارة، وتراجع التحويلات الخارجية بصورة حادة، وانتقال مزيد من وظائف الدولة فعليًا إلى أطر محلية وطائفية.
وتتمثل مؤشرات تحققه في انخفاض التحويلات بأكثر من 20% سنويًا، وتعثر دفع رواتب الأجهزة الأمنية، واتساع نطاق الأمن الذاتي، وتعذر إقرار موازنة عام 2027.
سابعًا: خلاصة تحليلية
لا تتمثل المشكلة اللبنانية، كما تبدو في مطلع أيلول/سبتمبر 2026، في غياب الحلول وحده، بل في نشوء منظومة متكاملة لإدارة غيابها. فالتمديد يوفر الغطاء القانوني لاستمرار السلطة، واقتصاد الكاش والتحويلات يخففان آثار الانهيار، والشبكات الطائفية والحزبية تعوض جزءًا من وظائف الدولة، فيما تمنح الرعاية الخارجية الأولوية للاستقرار على الحسم. وقد جعل تداخل هذه العناصر استمرار الوضع القائم أقل كلفة بالنسبة إلى معظم الفاعلين من محاولة تغييره، وحوّل «اللامسار» من حالة انتظار مؤقتة إلى نمط حكم قائم بذاته.
ولا يقوم هذا النمط على توزيع المنافع وحدها، بل على توزيع القدرة على الاعتراض أيضًا. فكل مكوّن يمتلك من أدوات التعطيل ما يحول دون غلبة الآخرين عليه، لكنه لا يمتلك ما يكفي لفرض تسوية شاملة. لذلك تتمسك القوى بقواعد تشكو منها؛ لأن انعدام الثقة يجعل التخلي عن حق الاعتراض مخاطرة قد تهدد موقعها داخل النظام. ومن هذه الزاوية، لا يمكن اختزال الاستعصاء في الفساد أو سوء الإدارة، ولا معالجته بحملة قانونية أو تغيير حكومي؛ لأنه يؤدي وظيفة أعمق تتمثل في توفير تأمين متبادل للجماعات ضد الخوف من الإقصاء والغلبة.
ولهذا أيضًا تتعطل المسارات الأربعة بآليات مختلفة. فالتسوية مع إسرائيل تواجه معضلة في ترتيب الالتزامات، وحصر السلاح يصطدم بغياب البديل الذي يفترض أن تقدمه الدولة، والإصلاح الاقتصادي يهدد توزيع الخسائر والمصالح القائم، فيما تحولت المؤسسات السياسية من ساحات لإنتاج القرار إلى أدوات لتأجيله. ولا يستطيع اتفاق أمني، أو قانون انتخاب جديد، أو تغيير حكومي منفرد أن يفكك هذه البنية؛ لأن كل إجراء يعالج جانبًا من الأزمة، بينما تواصل الجوانب الأخرى إعادة إنتاجها.
وتكمن الكلفة الأعمق لهذا التوازن في تآكل موقع الدولة، لا في انهيارها الكامل. فالدولة اللبنانية ما زالت موجودة، لكنها لم تعد الممر الضروري للأمن والخدمات والموارد، ولا الساحة الوحيدة التي تتنافس فيها القوى على النفوذ. وحين تصبح الجماعات قادرة على تمويل جانب من حياتها وتنظيم مصالحها خارج الدولة، تفقد الانتخابات جزءًا من وظيفتها بوصفها آلية للحسم، ويغدو تأجيلها ممكنًا، كما يفقد نزع السلاح معناه ما لم يقترن ببناء احتكار فعلي للحماية وتوفير البدائل الاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، لا يمثل تمديد ولاية مجلس النواب عام 2026 مجرد عرض من أعراض الأزمة، بل يكشف انتقال التعطيل من ممارسة تقع خارج القاعدة إلى قرار تُنتجه المؤسسة الدستورية نفسها.
وتوضح المقارنة مع العراق هذا الفارق. فالعراق يعاني فسادًا واسعًا وجمودًا سياسيًا ونفوذًا مسلحًا، لكن التنافس على الموارد والسلطة يجري داخل الدولة وعليها؛ لأن الريع النفطي يدخل خزينة الدولة ويُعاد توزيعه من خلالها. لذلك تبقى الدولة، على ضعفها، جائزة لا يمكن تجاوزها. أما في لبنان، فقد نشأ، عبر عقود من الحرب والوصاية والهجرة والانهيار المالي، اقتصاد سياسي يسمح بوصول الموارد إلى الأسر والجماعات من خارج الدولة. وبذلك، يصبح الفارق بين الحالتين متعلقًا بموقع الدولة من دورة الموارد: دولة ضعيفة لا غنى عنها في العراق، ودولة ضعيفة يمكن الاستغناء عن جانب متزايد من وظائفها في لبنان.
ومن هذه النتيجة تبرز دلالة المسافة بين مشروع موسى الصدر في «تذويب الدويلات» وواقع عام 2026. فالمسألة لا تتعلق بفشل مشروع سياسي عابر، بل بتحول الجماعة من السعي إلى انتزاع حقوقها عبر الدولة إلى بناء أدوات حماية ونفوذ موازية لها. كما أن تراجع الدعم الإيراني لا يؤدي تلقائيًا إلى عكس هذا المسار؛ لأن البنية المرتبطة بحزب الله أصبحت محلية واجتماعية وخدمية بقدر ما هي عسكرية وتمويلية. وقد يدفع ضعف القدرة الإيرانية الحزب إلى مزيد من التوطّن داخل بيئته، بدل أن يقود مباشرة إلى تفككه.
ومع ذلك، لا يعني استقرار الاستعصاء أنه قابل للاستمرار بلا حدود. فهو يعتمد على تحويلات معرضة للتراجع مع تعاقب أجيال المغتربين، وعلى رعاية خارجية متقلبة، وعلى شبكات اجتماعية وحزبية استنزفتها الحرب والهجرة والأزمة الاقتصادية. ولذلك، لا يكمن السؤال الحاسم في موعد التوصل إلى اتفاق جديد، بل في المدة التي يستطيع فيها هذا التوازن منخفض المستوى تمويل نفسه قبل أن ترتفع كلفة بقائه على كلفة تغييره. ولا تُقرأ الإجابة في بيانات التفاوض ونزع السلاح وحدها، بل في اتجاهات التحويلات والهجرة، وقدرة الخزينة على تمويل مؤسساتها، والجهة التي ستتولى إعادة الإعمار وتوزيع التعويضات. فعندما تصبح الدولة مجددًا الممر الضروري للموارد والحماية، يمكن أن يبدأ تفكيك الاستعصاء؛ أما قبل ذلك، فسيظل «اللامسار» هو المسار الأرجح.
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025



