الواقعية ليست خيانة

الواقعية السياسية ليست خيانة للمبادئ، بل خيار عملي لاستعادة الدولة العراقية عبر المرونة، حماية السيادة، وتغيير الواقع تدريجيًا من الداخل

 

في النقاش السياسي العراقي المعاصر، نادرًا ما أسيء فهم مفهوم كما أسيء فهم “الواقعية”. فقد تحوّلت، في الخطاب العام، من أداة للتحليل وصنع السياسات إلى تهمة أخلاقية جاهزة، تُلصق بكل من يحاول مقاربة الواقع كما هو لا كما يُتمنى. وبين خطاب يرفع سقف الشعارات إلى حد القطيعة مع العالم، وآخر يبرّر الأمر الواقع بلا مساءلة، جرى تهميش الواقعية بوصفها موقفًا رماديًا أو خيانة مستترة. والحقيقة أن هذا التهميش لا يشكّل مخرجًا من الأزمة، بل أحد أسباب إدامتها.

الواقعية، في جوهرها، ليست تنازلًا عن المبادئ، بل إعادة ترتيب ذكية لأولوياتها. هي الاعتراف بتوازنات القوة السياسية والاجتماعية كما هي، ثم العمل داخلها لتعديلها تدريجيًا، لا القفز فوقها بشعارات كبرى تنتهي غالبًا إلى العزلة أو الإقصاء. تجارب الدول الخارجة من الصراع تُظهر بوضوح أن القوى التي رفضت التكيّف مع الواقع أُخرجت إلى الهامش، بينما نجحت القوى الواقعية في انتزاع مساحات تأثير من داخل النظام لا من خارجه.

في الحالة العراقية، تتضاعف أهمية هذا النقاش مع التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الداخلي، ولا سيما داخل القوى المهيمنة نفسها. فالصراع لم يعد صراع وجود، بل بات صراع إدارة سلطة وبقاء، وانتقل الخطاب من التعبئة الأيديولوجية إلى الحسابات البراغماتية. هذا التحول، مهما كانت مآلاته، يفرض على النخب الثقافية والمدنية مراجعة أدواتها ولغتها؛ فالإدانة الأخلاقية وحدها لا تُنتج سياسة، ولا تمنح تأثيرًا، بل تعمّق اغتراب النخبة وتكرّس دورها كمراقب ناقد من خارج اللعبة.

السؤال الحاسم لم يعد ما إذا كانت الواقعية خيانة، بل ما إذا كان يمكن للعراق أن ينتهج سياسة واقعية تخدم مصالحه دون أن تُوصم بالخضوع من طرف، أو بالاستسلام من طرف آخر. فالواقعية السياسية، التي تقوم على حماية المصالح الوطنية والموازنة بين القوى الإقليمية والدولية، ليست فعل خنوع، بل استجابة لضرورة تاريخية. العراق، الذي أنهكته عقود من الحروب والصراعات الداخلية والإقصاء المتبادل، في أمسّ الحاجة إلى سياسة براغماتية تتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية الجامدة، وتبحث عن الاستقرار بوصفه شرطًا لأي نهوض ممكن.

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التكيّف داخل القوى الطائفية الحاكمة نفسها، في سياق الانتقال من منطق الصدام إلى منطق إدارة النفوذ. هذا الواقع، سواء قوبل بالترحيب أو الرفض، يفرض قراءة سياسية باردة، لا أحكامًا أخلاقية مسبقة. فالسياسة تُدار بالوقائع، لا بالنوايا، وبما يمكن تحقيقه لا بما يُراد رفعه كشعار.

من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم “السيادة المرنة”. وهي سيادة لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على حماية قرارها في الملفات الجوهرية، مع إدارة براغماتية للملفات الخلافية. السيادة المرنة ليست تنازلًا، بل اعتراف بأن الاستقلال في عالم معقّد لا يُمارَس بالقطيعة، بل بالتفاوض، وببناء هوامش حركة داخل واقع غير متكافئ. دول كثيرة تعاملت مع قوى أكبر منها وزنًا وتأثيرًا، لكنها راكمت مكاسبها تدريجيًا عبر الواقعية، لا عبر الصدام المفتوح أو الانكفاء العقيم.

الإشكال الأعمق أن الخطاب المثالي، حين ينفصل عن الواقع، يتحوّل إلى أداة إقصاء: يُخوِّن من يناقش، ويُهمِّش من يقترح حلولًا وسطية، ويُغلق المجال العام أمام التكنوقراط والمستقلين وكل من لا يجيد لغة الاصطفاف الحاد. وفي بلد أنهكته الأزمات، لم يعد المجتمع يبحث عن شعارات كبرى بقدر ما يبحث عن سياسات قابلة للتطبيق، تعيد قدرًا من الاستقرار والكرامة، وتحدّ من الانفلات بدل الاكتفاء بوصفه.

الواقعية، بهذا المعنى، هي الأداة التي تسمح للنخب العراقية بالانتقال من موقع الاحتجاج الدائم إلى موقع الشراكة المشروطة في صياغة المتغيرات القادمة. فالتغيير لا يأتي بانتظار لحظة سحرية لاختفاء الخصوم، بل بامتلاك القدرة على الجلوس إلى الطاولة وفرض قواعد لعبة جديدة، خطوة بعد أخرى.

الواقعية ليست خيانة للمبادئ، بل خيانة للمجتمع أن نُبقي السياسة أسيرة الأوهام. وفي لحظة عراقية دقيقة، قد تكون الواقعية هي الخيار الأكثر شجاعة، لأنها الخيار الوحيد الذي يفتح أفق الدولة، بدل إعادة تدوير المأزق باسم الوطنية أو الأصالة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل نقبل بالواقع أم نرفضه؟ بل: كيف نغيّره من موقع معرفة وحدود واضحة؟ فبدون الواقعية، لا سياسة تُصاغ، ولا سيادة تُبنى، ولا دولة تُستعاد.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

الواقعية ليست خيانة

الواقعية السياسية ليست خيانة للمبادئ، بل خيار عملي لاستعادة الدولة العراقية عبر المرونة، حماية السيادة، وتغيير الواقع تدريجيًا من الداخل

 

في النقاش السياسي العراقي المعاصر، نادرًا ما أسيء فهم مفهوم كما أسيء فهم “الواقعية”. فقد تحوّلت، في الخطاب العام، من أداة للتحليل وصنع السياسات إلى تهمة أخلاقية جاهزة، تُلصق بكل من يحاول مقاربة الواقع كما هو لا كما يُتمنى. وبين خطاب يرفع سقف الشعارات إلى حد القطيعة مع العالم، وآخر يبرّر الأمر الواقع بلا مساءلة، جرى تهميش الواقعية بوصفها موقفًا رماديًا أو خيانة مستترة. والحقيقة أن هذا التهميش لا يشكّل مخرجًا من الأزمة، بل أحد أسباب إدامتها.

الواقعية، في جوهرها، ليست تنازلًا عن المبادئ، بل إعادة ترتيب ذكية لأولوياتها. هي الاعتراف بتوازنات القوة السياسية والاجتماعية كما هي، ثم العمل داخلها لتعديلها تدريجيًا، لا القفز فوقها بشعارات كبرى تنتهي غالبًا إلى العزلة أو الإقصاء. تجارب الدول الخارجة من الصراع تُظهر بوضوح أن القوى التي رفضت التكيّف مع الواقع أُخرجت إلى الهامش، بينما نجحت القوى الواقعية في انتزاع مساحات تأثير من داخل النظام لا من خارجه.

في الحالة العراقية، تتضاعف أهمية هذا النقاش مع التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الداخلي، ولا سيما داخل القوى المهيمنة نفسها. فالصراع لم يعد صراع وجود، بل بات صراع إدارة سلطة وبقاء، وانتقل الخطاب من التعبئة الأيديولوجية إلى الحسابات البراغماتية. هذا التحول، مهما كانت مآلاته، يفرض على النخب الثقافية والمدنية مراجعة أدواتها ولغتها؛ فالإدانة الأخلاقية وحدها لا تُنتج سياسة، ولا تمنح تأثيرًا، بل تعمّق اغتراب النخبة وتكرّس دورها كمراقب ناقد من خارج اللعبة.

السؤال الحاسم لم يعد ما إذا كانت الواقعية خيانة، بل ما إذا كان يمكن للعراق أن ينتهج سياسة واقعية تخدم مصالحه دون أن تُوصم بالخضوع من طرف، أو بالاستسلام من طرف آخر. فالواقعية السياسية، التي تقوم على حماية المصالح الوطنية والموازنة بين القوى الإقليمية والدولية، ليست فعل خنوع، بل استجابة لضرورة تاريخية. العراق، الذي أنهكته عقود من الحروب والصراعات الداخلية والإقصاء المتبادل، في أمسّ الحاجة إلى سياسة براغماتية تتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية الجامدة، وتبحث عن الاستقرار بوصفه شرطًا لأي نهوض ممكن.

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من التكيّف داخل القوى الطائفية الحاكمة نفسها، في سياق الانتقال من منطق الصدام إلى منطق إدارة النفوذ. هذا الواقع، سواء قوبل بالترحيب أو الرفض، يفرض قراءة سياسية باردة، لا أحكامًا أخلاقية مسبقة. فالسياسة تُدار بالوقائع، لا بالنوايا، وبما يمكن تحقيقه لا بما يُراد رفعه كشعار.

من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم “السيادة المرنة”. وهي سيادة لا تُقاس بحدة الخطاب، بل بقدرة الدولة على حماية قرارها في الملفات الجوهرية، مع إدارة براغماتية للملفات الخلافية. السيادة المرنة ليست تنازلًا، بل اعتراف بأن الاستقلال في عالم معقّد لا يُمارَس بالقطيعة، بل بالتفاوض، وببناء هوامش حركة داخل واقع غير متكافئ. دول كثيرة تعاملت مع قوى أكبر منها وزنًا وتأثيرًا، لكنها راكمت مكاسبها تدريجيًا عبر الواقعية، لا عبر الصدام المفتوح أو الانكفاء العقيم.

الإشكال الأعمق أن الخطاب المثالي، حين ينفصل عن الواقع، يتحوّل إلى أداة إقصاء: يُخوِّن من يناقش، ويُهمِّش من يقترح حلولًا وسطية، ويُغلق المجال العام أمام التكنوقراط والمستقلين وكل من لا يجيد لغة الاصطفاف الحاد. وفي بلد أنهكته الأزمات، لم يعد المجتمع يبحث عن شعارات كبرى بقدر ما يبحث عن سياسات قابلة للتطبيق، تعيد قدرًا من الاستقرار والكرامة، وتحدّ من الانفلات بدل الاكتفاء بوصفه.

الواقعية، بهذا المعنى، هي الأداة التي تسمح للنخب العراقية بالانتقال من موقع الاحتجاج الدائم إلى موقع الشراكة المشروطة في صياغة المتغيرات القادمة. فالتغيير لا يأتي بانتظار لحظة سحرية لاختفاء الخصوم، بل بامتلاك القدرة على الجلوس إلى الطاولة وفرض قواعد لعبة جديدة، خطوة بعد أخرى.

الواقعية ليست خيانة للمبادئ، بل خيانة للمجتمع أن نُبقي السياسة أسيرة الأوهام. وفي لحظة عراقية دقيقة، قد تكون الواقعية هي الخيار الأكثر شجاعة، لأنها الخيار الوحيد الذي يفتح أفق الدولة، بدل إعادة تدوير المأزق باسم الوطنية أو الأصالة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل نقبل بالواقع أم نرفضه؟ بل: كيف نغيّره من موقع معرفة وحدود واضحة؟ فبدون الواقعية، لا سياسة تُصاغ، ولا سيادة تُبنى، ولا دولة تُستعاد.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025