إيران وإستعصاء الدولة والتغيير.. قراءة في رؤية البروفيسور “حاتم قادري”

  • لا تبدأ مشكلة إيران من الحاكم وحده، بل من بنيةٍ أعمق تميل إلى إنتاج الوصيّ وانتظاره.
  • يرى حاتم قادري أن ولاية الفقيه ليست استثناءً في التاريخ الإيراني، بل الصيغة الأحدث لمنطق وصائي قديم.
  • جوهر الأزمة، في هذا التصور، ليس غياب الزعيم الصالح، بل غياب المؤسسة القادرة على تقييد السلطة.
  • تكشف التجربة الإيرانية أن الشعارات الكبرى، من الدستورية إلى ثورة 1979، سبقت قدرة المجتمع على تحويلها إلى ممارسة سياسية مستقرة.
  • لا يكفي إسقاط النظام إذا بقي الطلب الاجتماعي على الأب السياسي قائماً؛ فالبنية نفسها قد تعيد إنتاج الاستبداد نفسه بلغة جديدة.
  • يضع قادري إيران أمام سؤال حاسم: هل تبحث عن حاكم بديل، أم تبدأ ببناء مواطن ومؤسسات تضبط كل حاكم؟
  • إنقاذ إيران، وفق هذه القراءة، لا يبدأ من قمة السلطة، بل من نهاية الوصاية وبداية المواطنة.
مقدمة تأطيرية: لماذا قادري الآن؟

حين يحتدم النقاش حول إيران، يميل كثير منه إلى السطح المتحرّك: من يخلف المرشد؟ هل تقع الحرب؟ هل يصمد الاتفاق النووي أم ينهار؟ هل ينجح الإصلاحيون أم يُقصَون؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها تنطوي على افتراض تأسيسي واحد: أن مشكلة إيران مشكلة حُكم سيّئ يمكن إصلاحه بحاكم أفضل، أو سياسة خاطئة يمكن تصحيحها بسياسة أرشد. في المقابل، يقترح المفكر السياسي الإيراني حاتم قادري — أستاذ العلوم السياسية المتقاعد في جامعة تربيت مدرّس، المولود عام 1956، وأحد أبرز اساتذة الفكر السياسي الغربي والإيراني في إيران المعاصرة — قطيعةً مع هذا الإطار كله. فأطروحته، كما تبلورت عبر عقود من التدريس والكتابة والحوارات، تقول إن أزمة إيران ليست أزمة نظام بعينه، بل أزمة بنية ثقافية–سياسية طويلة الأمد تجعل المجتمع يسلّم أمره، في كل مرة، إلى وصيّ: ملكاً كان، أم فقيهاً، أم أباً سياسياً جديداً.

يسمّي قادري هذه البنية “النزعة الولائية”، ويرى أن الخروج منها — لا تغيير المتصدي لموقعها — هو وحده ما يستحق اسم الإنقاذ. فهو ليس معارضاً بالمعنى الحزبي الضيّق، ولا ثورياً يكتفي بالشعارات، بل مفكر أكاديمي يشرّح الأمراض الثقافية والبنيوية بأدوات الفلسفة السياسية والتاريخ المقارن، ويُعرف أيضاً بامتناعه المبدئي عن المشاركة في الانتخابات التي يقيمها النظام الإيراني منذ الثمانينيات.

وتستمد قراءته راهنيّتها من لحظة إيرانية بالغة الحدّة. فمع مطلع عام 2026، دخلت البلاد ما يصفه بـ”المأزق المثلّث”: نظام مُنهَك يزداد قمعاً في الداخل ويضعف في الخارج، ومعارضة مشتّتة عاجزة عن إنتاج بديل، وقوة أمريكية تلوّح بالخيار العسكري. وقد تحدّث في مطلع 2026 عن “عبور دموي” بلغ ذروته في يوم جمعة وصفها بأنها ربما كانت الأكثر دموية في تاريخ إيران المعاصر. وفي كانون الثاني/يناير 2026 وقّع بياناً مشتركاً مع ناشطين إيرانيين يرى أن إنقاذ إيران يمرّ عبر محاكمة مسؤولي القمع وإجراء استفتاء وطني لإنهاء نظام الحكم الفعلي.

لا تتبنّى هذه الورقة مواقف قادري ولا تدافع عنها؛ بل تنقّب فيها بوصفها إطاراً تفسيرياً متماسكاً يستحق الفهم النقدي. وهي تقدّم لصانع القرار والباحث خريطةً لكيفية تفكير أحد أعمق نقّاد البنية السياسية الإيرانية من الداخل.

أولاً: الخلفية البنيوية — من الـ”فرّه إيزدي” إلى ولاية الفقيه

لفهم أطروحة قادري، لا بدّ من البدء من مفهومه المركزي الذي يعبّر عنه بمصطلحات متقاربة: “البحث عن الزعيم”، و”الطبع الولائي” أو “الطبع الوصائي الديني”. فهو يرى أن المجتمع الإيراني يحمل، عبر تاريخه الطويل، استعداداً عالياً لتمركز السلطة حول شخص مقدّس أو شبه مقدّس، وللبحث عن مرجعية عليا تتولّى إدارة شؤونه نيابةً عنه. ويردّ هذا الاستعداد إلى طبقتين تاريخيتين متراكبتين.

تتمثّل الطبقة الأولى في إيران ما قبل الإسلام، وتحديداً في مفهوم “فرّه إيزدي”، أي الهالة الإلهية التي كان الملك الفارسي يستمدّ منها شرعيته. في هذا التصوّر، لم يكن الملك حاكماً تعاقدياً خاضعاً للمحاسبة، بل ظلّاً إلهيًّا متعالياً للسلطة، وصاحب عطيّة سماوية تجعل طاعته جزءاً من نظام الكون. أما الطبقة الثانية فهي إسلامية–شيعية، تتجسّد في مركزية الإمامة والولاية؛ إذ يرى قادري أن التشيّع، في صورته التاريخية الغالبة، يحمل استعداداً لتقبّل الزعيم عبر تصوّر الإمام المعصوم المنوَّر بالنور الإلهي. وحين التقت الطبقتان، نشأت تربة خصبة تجعل “الحاكم–الأب” حاجةً متجدّدة لا استثناءً عابراً.

من هذه الزاوية، لا تبدو ولاية الفقيه قطيعةً مع التاريخ الإيراني، بل تتويجاً له. يقول قادري إن صورة الفقيه القائد ورثت جانباً من قداسة الملك القديم: شخصٌ في المركز، والناس حوله في موقع الطاعة والانتظار. لذلك يصرّ على أن نقد ولاية الفقيه وحدها يبقى قاصراً؛ فالولاية الفقهية ليست سوى الصيغة الأحدث لمنطق أقدم. ولو سقطت غداً وبقي الطلب الاجتماعي على الوصيّ قائماً، لأعاد المجتمع إنتاج الوصاية بقاموس آخر؛ ملكيّ، أو قوميّ، أو حتى ثوريّ.

“لو سقطت ولاية الفقيه غداً وبقي الطلب الاجتماعي على الوصيّ قائماً، لأعاد المجتمع إنتاج الوصاية بقاموس آخر.”

 

ويقدّم قادري، إلى جانب ذلك، تشخيصاً مؤسسياً موازياً: مشكلة إيران الكبرى هي عجزها عن بناء المؤسسات. فالدولة الإيرانية، في قراءته، لم تصبح حديثةً بعد، بل بقيت “مزيجاً من الحداثة والشعبوية”، أي خليطاً بين شكل الدولة العصرية ومنطق الجماعة الدينية المغلقة. والأخطر أن النظام راهن على “خريطة طريق أيديولوجية” ثابتة صالحة لكل زمان، في حين تُبنى المؤسسات الحديثة على خرائط قصيرة المدى قابلة للمراجعة والتعديل. من هنا، فإن مأزق إيران ليس في غياب الزعيم الصالح، بل في غياب المؤسسة التي تُغني عن انتظاره. (حاتم قادري، «اندیشه‌های سیاسی در اسلام وایران» (الأفكار السياسية في الإسلام وإيران)، طهران: انتشارات سمت، 2005).

وهنا تظهر إحدى أكثر أفكاره إثارةً للجدل: ربطه بنية الاستبداد بخصائص المذهب نفسه، لا بسوء تطبيقه فقط. فهو يرى أنّ بعض مكوّنات الفكر السياسي الشيعي، مثل التمييز بين “المستنير بالنور الإلهي” وغيره، أو بين المؤمن والكافر في مجال الحقوق، تنطوي على توتّر بنيوي مع مبدأ المساواة المدنية الذي تُبنى عليه الديمقراطية. وقد جلب له هذا الموقف خصومةً واسعة؛ إذ سعت صحيفة “كيهان” المحافظة إلى وصمه بأنه “صدى لأحمد كسروي”، كما أُوقف أحد حواراته المهمّة بقرار قضائي وضغط أمني. غير أنه يضع تحفّظاً مهمّاً: حين يتحدّث عن “التشيّع” لا يقصد بالضرورة صورته التاريخية المحدّدة، بل يقرّ بإمكان قراءات أخرى للدين؛ إلا أن القراءة الرسمية هي التي غلبت تاريخياً وكرّست منطق الوصاية.

ثانياً: المفارقة المؤسِّسة — شعارات أكبر من المجتمع

لا تكفي البنية وحدها لشرح المأساة؛ لذلك يضيف إليها قادري مفارقةً تاريخية متكرّرة: الشعارات الكبرى في إيران سبقت دائماً قدرة المجتمع على تجسيدها. وهو يقرأ ثورتين تأسيسيتين بهذا المنطق. فالثورة الدستورية عام 1906 أدخلت إلى المجال السياسي مفاهيم الحرية والعدالة وتقنين السلطة والبرلمان، غير أن المجتمع الذي رفع تلك الشعارات كان، في جوانب واسعة منه، ريفياً وقبلياً وما قبل حديث، الأمر الذي أعاق تحويل الدستور إلى ضابط فعليّ للسلطة.

أما ثورة 1979، فقد عادت بمفردات الاستقلال والحرية والجمهورية والإسلام. كان المجتمع حينها أكثر تعلّماً وتحضّراً واحتكاكاً بالغرب، لكنه لم يكن قد امتلك بعد الشروط الاجتماعية والمؤسسية التي تحوّل الحرية من شعار إلى ممارسة. والصورة التي يقدّمها قادري حادّة: ملايين هتفوا “كلّنا جنودك يا خميني” لا يمكن أن يكونوا، في اللحظة نفسها، قد استوعبوا الحرية بوصفها استقلالاً ذاتياً ومواطنة. فالمشكلة ليست في ترديد الكلمات، بل في إنتاج فردٍ جديد قادر على إدارة شؤونه، ومراقبة السلطة، وتحمّل تبعات اختياراته.

ويضيف قادري تفسيراً نفسياً–سياسياً لقبول 1979: لم يكن قبول الشعارات وعياً عميقاً بمعانيها بقدر ما كان موقفًا سلبياً من الشاه وحنيناً إلى نقاء متخيّل. أراد الناس رحيل الملك القاسي، لكنهم لم يسألوا بما يكفي: من سيأتي؟ وبأي سلطة؟ وضمن أي نظام؟ هذا الفراغ في السؤال هو ما سمح بأن تُقبَل “ولاية الفقيه” بعد وقت قصير من الثورة، رغم ما تمنحه من صلاحيات واسعة لمركز السلطة. لذلك يقرأ الانتقال من الملكية البهلوية إلى الجمهورية الإسلامية لا بوصفه عبوراً من نظام إلى نقيضه، بل انتقالاً من استبداد إلى استبداد آخر، تغيّرت رموزه وبقيت بنيته الوصائية.

وفي قلب هذا التحليل، يضع قادري تركيباً يراه متوتّراً منذ ولادته: “الجمهورية الإسلامية”. فالجمهورية تفترض مواطنةً وحقوقاً ومشاركة، بينما تؤسّس القراءة الولائية للإسلام تمييزاً بين المؤمن وغيره، وبين من يدخل تحت الولاية ومن يبقى خارجها. هذان منطقان لا يلتقيان: طاقة المواطنة في جهة، وطاقة الوصاية في جهة أخرى. ومع تقدّم التجربة، انكشف التوتّر وتآكلت الشرعية؛ لا بسبب خطأ إداري عابر، بل لأن المجتمع بدأ يتحرّك “تحت الجلد” نحو المواطنة، بينما ظلّ النظام يريد حفظ وحدة قسرية حول مركز وصائي. وخلاصته القاسية أن “الدواء الذي ظنّ المجتمع أنه يعالج به مشكلات البهلويين كان أشدّ ضرراً من الداء”.

ثالثاً: تفكيك الفاعلين والمسارات

يقتضي الموضوع تمييز الفاعلين الذين تتحرّك قراءة قادري في فضائهم، لا بوصفهم أشخاصاً فحسب، بل بوصفهم مواقع داخل بنية الوصاية.

النواة الصلبة وحدود الإصلاح من الداخل:

يضع قادري في المركز النواة الصلبة للسلطة، المتمحورة حول القائد والقوى المحيطة به. وحكمه عليها قاطع: إنها لا تملك قدرة الإصلاح، لأنها قائمة على حفظ “الولاية” لا على تقليصها، وقد أغلقت إمكان سماع الأصوات المختلفة، وضيّعت آخر الفرص الجدّية حين لم تسمح للمسار الإصلاحي بأن يتحوّل إلى تغيير مؤثّر. وفي تحليلاته الأحدث، مطلع 2026، يذهب إلى توصيف نفسي–سياسي لافت؛ إذ يرى أن القائد “لا يمارس السياسة” بمعناها التفاوضي، بل يقف موقفاً صلباً يرفض التراجع. ويردّ ذلك إلى رهانين: اعتقاد جزء من النواة الصلبة بأن “مدداً غيبياً” سيأتي إن استمرّت المقاومة، وهو رهان لاهوتي لا سياسي؛ والقناعة بأن ما يحكم الجمهورية في الظاهر تديّنٌ، وفي الحقيقة “السلطوية”. وهذا التمييز جوهري عنده: الدين هنا ليس غايةً، بل أداة لتبرير احتكار السلطة.

الإصلاحيون وحكومة بزشكيان: الإصلاح اللفظي.

يرفض قادري قراءة انتخاب الرئيس مسعود بزشكيان بوصفها دليلاً على انفتاح بنيوي، بل يربطها بإدارة مرحلة انتخاب خليفة القائد وكبح الانهيار الكبير. ويميّز بوضوح بين “حكومة” تستطيع الكلام عن التفاعل مع العالم ورفع العقوبات، و”مركز سلطة” يحتفظ فعلياً بملفات الأمن والخارجية والداخلية والإقتصاد والثقافة والجغرافيا. والسؤال الذي يطرحه يكشف عمق شكّه: هل يستطيع رئيس أو وزير أن يغيّر سياسة القمع أو الحجاب أو الملفات الإقليمية إذا كانت جزءاً من بنية الولاية نفسها؟ فأيّ دولة تملك الجغرافيا والنفط والمؤسسات والأجهزة لا تتركها لنتيجة اقتراع؛ ولذلك يقرأ إعلان الرئيس، التشاور الدائم مع القائد لا بوصفه حكمة سياسية، بل إقراراً بغياب الاستقلال التنفيذي.

المعارضة: مأزق العاجز عن البديل.

موقف قادري من المعارضة نقدي بالقدر نفسه؛ فهي، في نظره، ليست خارج “المرض الإيراني”، إذ كثيراً ما تبحث عن زعيم جامع، أو رمز سلالي، أو مجلس انتقالي بلا قاعدة، أو دعم خارجي يمنحها قوة لا تملكها اجتماعياً. وهو يدعو منذ سنوات إلى حدّ أدنى من الوفاق يجمع الملكيين والجمهوريين والقوى القومية حول “مجلس ائتلافي” و”برلمان أوّلي”، لكنه يعترف بمرارة بأن “الجبهة الجامعة” التي يكثر الحديث عنها “لا وجود لها على الأرض”. ويرفض اختزال الانتقال في شخص رضا بهلوي أو غيره، ويرى أن المجتمع دخل فضاء تعدّد لا تستطيع قوة واحدة إخضاعه.

رابعاً: العوامل الخفيّة أو غير المتداولة

تتجاوز قيمة قراءة قادري المعطيات المتداولة إلى عوامل أعمق نادراً ما تحضر في التحليل السريع. أول هذه العوامل ” غياب كوابح السلطة”، وهو الصيغة الأكثر كثافة للمشكلة عنده: المشكلة الدائمة ليست فقط من يحكم، بل كيف يُمنع الحاكم من التحوّل إلى مالكٍ للدولة. لقد حاول الإيرانيون الخروج من الاستبداد الملكي، لكنهم لم يبنوا نظاماً يمنع الاستبداد الجديد. لذلك يصبح السؤال الحقيقي: كيف تُربط يد السلطة قبل أن تُسلَّم إليها الدولة؟ وكيف تُبنى مؤسسات لا تعتمد على أخلاق الحاكم؟ وكيف يصبح القانون أقوى من القائد؟

وثانيها مأزق “فقر الزمن”، وهو من أكثر مفاهيمه أصالة. لا يتحدّث قادري عن الزمن بوصفه استعارة أدبية، بل مورداً سياسياً واقتصادياً ينفد. فإيران لا تملك ترف الانتظار الطويل؛ النفط الذي كان محرّك التطور صار قديماً ومكلفاً في عالم يتّجه إلى ما بعد الكربون، والزراعة مريضة، والصناعة متخلّفة، والبنى التحتية من كهرباء وماء تتهالك، والمجتمع منهك بالهجرة والاكتئاب. وخلاصته أن البلاد إن لم تصل إلى أبواب التنمية في السنوات القليلة القادمة، فقد تتحوّل التنمية نفسها إلى “كلمة تاريخية بعيدة”. هذا البعد الزمني يقلب حسابات صانع القرار: فالمسألة ليست أي نظام أفضل فقط، بل هل يبقى وقتٌ أصلاً لأي مشروع؟

وثالثها استحالة فصل الاقتصاد عن السياسة والحرية. ضدّ الوهم الشائع بأن تحسين الاقتصاد قد يمتصّ الاحتجاج، يصرّ قادري على أن الاقتصاد ليس ملفاً تقنياً منفصلاً يمكن إصلاحه بقرار داخل البنية الحالية؛ فالاقتصاد الحي يحتاج علاقة إيجابية مع العالم، وتخفيفاً للإنفاق الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وكسراً لشبكات الريع المرتبطة بالسلطة.

ورابعها الكذب المؤسسي بوصفه نمط حكم، وانقلاب المزاج الديني.

يلتقط قادري هنا مفارقة أخلاقية بنيوية: نظام يتحدّث عن كرامة المحجّبات في الخارج، بينما يقمع النساء في الداخل. أو الإذاعة “تُخفي الآلات الموسيقية” بحجة كونها حرام وهي تبث الموسيقى. هذا التناقض ينتج “الكذب السياسي” ممارسةً يومية تتآكل معها ثقة المجتمع بكل خطاب رسمي؛ وحين تنهار الثقة باللغة، يصعب بناء سياسة مشتركة، لأن كل وعد يبدو خدعة. ويضيف ملاحظة سوسيولوجية بالغة الأهمية: لو أمكن قياس مشاعر ملايين الإيرانيين اليوم، لتبيّن أن المزاج الديني للمجتمع انقلب قياساً بما كان عليه قبل نحو سبعة وأربعين عاماً؛ حينها كان الناس يشكّكون في الحداثة ويعلّقون آمالهم على الدين، أما اليوم فقد صار العكس. وهذا الانقلاب لا يعني انهياراً فورياً، لكنه يفسّر لماذا فقدت السردية الكبرى جاذبيتها من جذورها.

خامسًا: المخرج هو العبور إلى المواطنة.

هذا هو السيناريو الذي يراهن عليه قادري، لكنه لا يعِد به. شرطه ليس حاكماً جديداً، بل تحوّل اجتماعي تدريجي يقدّر أنه يحتاج جيلين على الأقل. ولأنه يرى الموروث الإيراني عاجزًا عن تجديد نفسه، يقترح ما يصفه بـ”لاهوت جديد” قائم على ثلاثة أسس: “قومية إنسانية” بأفق كوني بدلاً من القومية الضيّقة، و”خيوط من الاشتراكية” لتحقيق عدالة اجتماعية في مجتمع أنهكه الفقر، و“فدرالية” لتأمين حريات القوميات. وهذه الوصفة هي الأكثر إثارة للجدل في مشروعه، لأنها تنقله من ناقد للبنية إلى صاحب مشروع سياسي محدّد المعالم.

خلاصة تحليلية: إيران بين نهاية الوصاية وبداية المواطنة

تقدّم رؤية قادري واحدة من أكثر القراءات جذرية لمأزق إيران. فقوتها الأساسية أنها تُزيح النقاش من سطح الأشخاص والسياسات إلى عمق البنية الثقافية. أطروحته المركزية — أن مشكلة إيران “النزعة الولائية” لا “ولاية الفقيه” وحدها — تملك قدرة تفسيرية لافتة: تشرح لماذا تكرّرت المفارقة من الدستورية إلى 1979، ولماذا يتعثّر الإصلاح من الداخل، ولماذا قد يعيد أي انتقال جديد إنتاج الاستبداد إذا بقي الطلب على الوصيّ قائماً. أما مفهوماه الأكثر أصالة — “فقر الزمن” و”السلطويّة المتلبّسة بالدين” — فيقدّمان عدستين نادرتين: الأولى تنبّه إلى أن نافذة أي مشروع إيراني تضيق بسرعة، والثانية تحذّر من الخلط بين دافع ديني وحساب سلطوي بحت.

إسهام قادري الأعمق ليس في الإجابة، بل في إعادة صياغة السؤال. فحين يسأل أغلب المراقبين: “من يحكم إيران بعد خامنئي؟”، يسأل هو: “هل سيظل الإيرانيون يبحثون عمّن يحكمهم، أم يبدؤون ببناء ما يضبط الحاكم؟”. من هذه الزاوية، فإن إنقاذ إيران لا يبدأ من قمّة السلطة بل من قاعدة المجتمع: من تحوّل الفرد من تابع ينتظر مخلّصاً إلى مواطن يقيّد كل سلطة. وتبقى القاعدة التي يستعيدها من مونتيسكيو حجر الزاوية: “السلطة وحدها تحدّ السلطة”، والثقة بحسن النيّة لا تكفي ما لم تُربط أولاً “ركبة الجمل”؛ أي ما لم تُوضع القيود الدستورية والقانونية على كل سلطة، مهما بدا صاحبها صالحاً. أما درسه الأخير فموجّه إلى المتديّنين أنفسهم: أن يتركوا الحكومة وشأنها، ويعودوا إلى نقد مصادرهم ومعرفتهم الدينية، لأن توظيف الدين في السلطة أضرّ بالدين والمجتمع معاً.

 

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

إيران وإستعصاء الدولة والتغيير.. قراءة في رؤية البروفيسور “حاتم قادري”

  • لا تبدأ مشكلة إيران من الحاكم وحده، بل من بنيةٍ أعمق تميل إلى إنتاج الوصيّ وانتظاره.
  • يرى حاتم قادري أن ولاية الفقيه ليست استثناءً في التاريخ الإيراني، بل الصيغة الأحدث لمنطق وصائي قديم.
  • جوهر الأزمة، في هذا التصور، ليس غياب الزعيم الصالح، بل غياب المؤسسة القادرة على تقييد السلطة.
  • تكشف التجربة الإيرانية أن الشعارات الكبرى، من الدستورية إلى ثورة 1979، سبقت قدرة المجتمع على تحويلها إلى ممارسة سياسية مستقرة.
  • لا يكفي إسقاط النظام إذا بقي الطلب الاجتماعي على الأب السياسي قائماً؛ فالبنية نفسها قد تعيد إنتاج الاستبداد نفسه بلغة جديدة.
  • يضع قادري إيران أمام سؤال حاسم: هل تبحث عن حاكم بديل، أم تبدأ ببناء مواطن ومؤسسات تضبط كل حاكم؟
  • إنقاذ إيران، وفق هذه القراءة، لا يبدأ من قمة السلطة، بل من نهاية الوصاية وبداية المواطنة.
مقدمة تأطيرية: لماذا قادري الآن؟

حين يحتدم النقاش حول إيران، يميل كثير منه إلى السطح المتحرّك: من يخلف المرشد؟ هل تقع الحرب؟ هل يصمد الاتفاق النووي أم ينهار؟ هل ينجح الإصلاحيون أم يُقصَون؟ وهي أسئلة مشروعة، لكنها تنطوي على افتراض تأسيسي واحد: أن مشكلة إيران مشكلة حُكم سيّئ يمكن إصلاحه بحاكم أفضل، أو سياسة خاطئة يمكن تصحيحها بسياسة أرشد. في المقابل، يقترح المفكر السياسي الإيراني حاتم قادري — أستاذ العلوم السياسية المتقاعد في جامعة تربيت مدرّس، المولود عام 1956، وأحد أبرز اساتذة الفكر السياسي الغربي والإيراني في إيران المعاصرة — قطيعةً مع هذا الإطار كله. فأطروحته، كما تبلورت عبر عقود من التدريس والكتابة والحوارات، تقول إن أزمة إيران ليست أزمة نظام بعينه، بل أزمة بنية ثقافية–سياسية طويلة الأمد تجعل المجتمع يسلّم أمره، في كل مرة، إلى وصيّ: ملكاً كان، أم فقيهاً، أم أباً سياسياً جديداً.

يسمّي قادري هذه البنية “النزعة الولائية”، ويرى أن الخروج منها — لا تغيير المتصدي لموقعها — هو وحده ما يستحق اسم الإنقاذ. فهو ليس معارضاً بالمعنى الحزبي الضيّق، ولا ثورياً يكتفي بالشعارات، بل مفكر أكاديمي يشرّح الأمراض الثقافية والبنيوية بأدوات الفلسفة السياسية والتاريخ المقارن، ويُعرف أيضاً بامتناعه المبدئي عن المشاركة في الانتخابات التي يقيمها النظام الإيراني منذ الثمانينيات.

وتستمد قراءته راهنيّتها من لحظة إيرانية بالغة الحدّة. فمع مطلع عام 2026، دخلت البلاد ما يصفه بـ”المأزق المثلّث”: نظام مُنهَك يزداد قمعاً في الداخل ويضعف في الخارج، ومعارضة مشتّتة عاجزة عن إنتاج بديل، وقوة أمريكية تلوّح بالخيار العسكري. وقد تحدّث في مطلع 2026 عن “عبور دموي” بلغ ذروته في يوم جمعة وصفها بأنها ربما كانت الأكثر دموية في تاريخ إيران المعاصر. وفي كانون الثاني/يناير 2026 وقّع بياناً مشتركاً مع ناشطين إيرانيين يرى أن إنقاذ إيران يمرّ عبر محاكمة مسؤولي القمع وإجراء استفتاء وطني لإنهاء نظام الحكم الفعلي.

لا تتبنّى هذه الورقة مواقف قادري ولا تدافع عنها؛ بل تنقّب فيها بوصفها إطاراً تفسيرياً متماسكاً يستحق الفهم النقدي. وهي تقدّم لصانع القرار والباحث خريطةً لكيفية تفكير أحد أعمق نقّاد البنية السياسية الإيرانية من الداخل.

أولاً: الخلفية البنيوية — من الـ”فرّه إيزدي” إلى ولاية الفقيه

لفهم أطروحة قادري، لا بدّ من البدء من مفهومه المركزي الذي يعبّر عنه بمصطلحات متقاربة: “البحث عن الزعيم”، و”الطبع الولائي” أو “الطبع الوصائي الديني”. فهو يرى أن المجتمع الإيراني يحمل، عبر تاريخه الطويل، استعداداً عالياً لتمركز السلطة حول شخص مقدّس أو شبه مقدّس، وللبحث عن مرجعية عليا تتولّى إدارة شؤونه نيابةً عنه. ويردّ هذا الاستعداد إلى طبقتين تاريخيتين متراكبتين.

تتمثّل الطبقة الأولى في إيران ما قبل الإسلام، وتحديداً في مفهوم “فرّه إيزدي”، أي الهالة الإلهية التي كان الملك الفارسي يستمدّ منها شرعيته. في هذا التصوّر، لم يكن الملك حاكماً تعاقدياً خاضعاً للمحاسبة، بل ظلّاً إلهيًّا متعالياً للسلطة، وصاحب عطيّة سماوية تجعل طاعته جزءاً من نظام الكون. أما الطبقة الثانية فهي إسلامية–شيعية، تتجسّد في مركزية الإمامة والولاية؛ إذ يرى قادري أن التشيّع، في صورته التاريخية الغالبة، يحمل استعداداً لتقبّل الزعيم عبر تصوّر الإمام المعصوم المنوَّر بالنور الإلهي. وحين التقت الطبقتان، نشأت تربة خصبة تجعل “الحاكم–الأب” حاجةً متجدّدة لا استثناءً عابراً.

من هذه الزاوية، لا تبدو ولاية الفقيه قطيعةً مع التاريخ الإيراني، بل تتويجاً له. يقول قادري إن صورة الفقيه القائد ورثت جانباً من قداسة الملك القديم: شخصٌ في المركز، والناس حوله في موقع الطاعة والانتظار. لذلك يصرّ على أن نقد ولاية الفقيه وحدها يبقى قاصراً؛ فالولاية الفقهية ليست سوى الصيغة الأحدث لمنطق أقدم. ولو سقطت غداً وبقي الطلب الاجتماعي على الوصيّ قائماً، لأعاد المجتمع إنتاج الوصاية بقاموس آخر؛ ملكيّ، أو قوميّ، أو حتى ثوريّ.

“لو سقطت ولاية الفقيه غداً وبقي الطلب الاجتماعي على الوصيّ قائماً، لأعاد المجتمع إنتاج الوصاية بقاموس آخر.”

 

ويقدّم قادري، إلى جانب ذلك، تشخيصاً مؤسسياً موازياً: مشكلة إيران الكبرى هي عجزها عن بناء المؤسسات. فالدولة الإيرانية، في قراءته، لم تصبح حديثةً بعد، بل بقيت “مزيجاً من الحداثة والشعبوية”، أي خليطاً بين شكل الدولة العصرية ومنطق الجماعة الدينية المغلقة. والأخطر أن النظام راهن على “خريطة طريق أيديولوجية” ثابتة صالحة لكل زمان، في حين تُبنى المؤسسات الحديثة على خرائط قصيرة المدى قابلة للمراجعة والتعديل. من هنا، فإن مأزق إيران ليس في غياب الزعيم الصالح، بل في غياب المؤسسة التي تُغني عن انتظاره. (حاتم قادري، «اندیشه‌های سیاسی در اسلام وایران» (الأفكار السياسية في الإسلام وإيران)، طهران: انتشارات سمت، 2005).

وهنا تظهر إحدى أكثر أفكاره إثارةً للجدل: ربطه بنية الاستبداد بخصائص المذهب نفسه، لا بسوء تطبيقه فقط. فهو يرى أنّ بعض مكوّنات الفكر السياسي الشيعي، مثل التمييز بين “المستنير بالنور الإلهي” وغيره، أو بين المؤمن والكافر في مجال الحقوق، تنطوي على توتّر بنيوي مع مبدأ المساواة المدنية الذي تُبنى عليه الديمقراطية. وقد جلب له هذا الموقف خصومةً واسعة؛ إذ سعت صحيفة “كيهان” المحافظة إلى وصمه بأنه “صدى لأحمد كسروي”، كما أُوقف أحد حواراته المهمّة بقرار قضائي وضغط أمني. غير أنه يضع تحفّظاً مهمّاً: حين يتحدّث عن “التشيّع” لا يقصد بالضرورة صورته التاريخية المحدّدة، بل يقرّ بإمكان قراءات أخرى للدين؛ إلا أن القراءة الرسمية هي التي غلبت تاريخياً وكرّست منطق الوصاية.

ثانياً: المفارقة المؤسِّسة — شعارات أكبر من المجتمع

لا تكفي البنية وحدها لشرح المأساة؛ لذلك يضيف إليها قادري مفارقةً تاريخية متكرّرة: الشعارات الكبرى في إيران سبقت دائماً قدرة المجتمع على تجسيدها. وهو يقرأ ثورتين تأسيسيتين بهذا المنطق. فالثورة الدستورية عام 1906 أدخلت إلى المجال السياسي مفاهيم الحرية والعدالة وتقنين السلطة والبرلمان، غير أن المجتمع الذي رفع تلك الشعارات كان، في جوانب واسعة منه، ريفياً وقبلياً وما قبل حديث، الأمر الذي أعاق تحويل الدستور إلى ضابط فعليّ للسلطة.

أما ثورة 1979، فقد عادت بمفردات الاستقلال والحرية والجمهورية والإسلام. كان المجتمع حينها أكثر تعلّماً وتحضّراً واحتكاكاً بالغرب، لكنه لم يكن قد امتلك بعد الشروط الاجتماعية والمؤسسية التي تحوّل الحرية من شعار إلى ممارسة. والصورة التي يقدّمها قادري حادّة: ملايين هتفوا “كلّنا جنودك يا خميني” لا يمكن أن يكونوا، في اللحظة نفسها، قد استوعبوا الحرية بوصفها استقلالاً ذاتياً ومواطنة. فالمشكلة ليست في ترديد الكلمات، بل في إنتاج فردٍ جديد قادر على إدارة شؤونه، ومراقبة السلطة، وتحمّل تبعات اختياراته.

ويضيف قادري تفسيراً نفسياً–سياسياً لقبول 1979: لم يكن قبول الشعارات وعياً عميقاً بمعانيها بقدر ما كان موقفًا سلبياً من الشاه وحنيناً إلى نقاء متخيّل. أراد الناس رحيل الملك القاسي، لكنهم لم يسألوا بما يكفي: من سيأتي؟ وبأي سلطة؟ وضمن أي نظام؟ هذا الفراغ في السؤال هو ما سمح بأن تُقبَل “ولاية الفقيه” بعد وقت قصير من الثورة، رغم ما تمنحه من صلاحيات واسعة لمركز السلطة. لذلك يقرأ الانتقال من الملكية البهلوية إلى الجمهورية الإسلامية لا بوصفه عبوراً من نظام إلى نقيضه، بل انتقالاً من استبداد إلى استبداد آخر، تغيّرت رموزه وبقيت بنيته الوصائية.

وفي قلب هذا التحليل، يضع قادري تركيباً يراه متوتّراً منذ ولادته: “الجمهورية الإسلامية”. فالجمهورية تفترض مواطنةً وحقوقاً ومشاركة، بينما تؤسّس القراءة الولائية للإسلام تمييزاً بين المؤمن وغيره، وبين من يدخل تحت الولاية ومن يبقى خارجها. هذان منطقان لا يلتقيان: طاقة المواطنة في جهة، وطاقة الوصاية في جهة أخرى. ومع تقدّم التجربة، انكشف التوتّر وتآكلت الشرعية؛ لا بسبب خطأ إداري عابر، بل لأن المجتمع بدأ يتحرّك “تحت الجلد” نحو المواطنة، بينما ظلّ النظام يريد حفظ وحدة قسرية حول مركز وصائي. وخلاصته القاسية أن “الدواء الذي ظنّ المجتمع أنه يعالج به مشكلات البهلويين كان أشدّ ضرراً من الداء”.

ثالثاً: تفكيك الفاعلين والمسارات

يقتضي الموضوع تمييز الفاعلين الذين تتحرّك قراءة قادري في فضائهم، لا بوصفهم أشخاصاً فحسب، بل بوصفهم مواقع داخل بنية الوصاية.

النواة الصلبة وحدود الإصلاح من الداخل:

يضع قادري في المركز النواة الصلبة للسلطة، المتمحورة حول القائد والقوى المحيطة به. وحكمه عليها قاطع: إنها لا تملك قدرة الإصلاح، لأنها قائمة على حفظ “الولاية” لا على تقليصها، وقد أغلقت إمكان سماع الأصوات المختلفة، وضيّعت آخر الفرص الجدّية حين لم تسمح للمسار الإصلاحي بأن يتحوّل إلى تغيير مؤثّر. وفي تحليلاته الأحدث، مطلع 2026، يذهب إلى توصيف نفسي–سياسي لافت؛ إذ يرى أن القائد “لا يمارس السياسة” بمعناها التفاوضي، بل يقف موقفاً صلباً يرفض التراجع. ويردّ ذلك إلى رهانين: اعتقاد جزء من النواة الصلبة بأن “مدداً غيبياً” سيأتي إن استمرّت المقاومة، وهو رهان لاهوتي لا سياسي؛ والقناعة بأن ما يحكم الجمهورية في الظاهر تديّنٌ، وفي الحقيقة “السلطوية”. وهذا التمييز جوهري عنده: الدين هنا ليس غايةً، بل أداة لتبرير احتكار السلطة.

الإصلاحيون وحكومة بزشكيان: الإصلاح اللفظي.

يرفض قادري قراءة انتخاب الرئيس مسعود بزشكيان بوصفها دليلاً على انفتاح بنيوي، بل يربطها بإدارة مرحلة انتخاب خليفة القائد وكبح الانهيار الكبير. ويميّز بوضوح بين “حكومة” تستطيع الكلام عن التفاعل مع العالم ورفع العقوبات، و”مركز سلطة” يحتفظ فعلياً بملفات الأمن والخارجية والداخلية والإقتصاد والثقافة والجغرافيا. والسؤال الذي يطرحه يكشف عمق شكّه: هل يستطيع رئيس أو وزير أن يغيّر سياسة القمع أو الحجاب أو الملفات الإقليمية إذا كانت جزءاً من بنية الولاية نفسها؟ فأيّ دولة تملك الجغرافيا والنفط والمؤسسات والأجهزة لا تتركها لنتيجة اقتراع؛ ولذلك يقرأ إعلان الرئيس، التشاور الدائم مع القائد لا بوصفه حكمة سياسية، بل إقراراً بغياب الاستقلال التنفيذي.

المعارضة: مأزق العاجز عن البديل.

موقف قادري من المعارضة نقدي بالقدر نفسه؛ فهي، في نظره، ليست خارج “المرض الإيراني”، إذ كثيراً ما تبحث عن زعيم جامع، أو رمز سلالي، أو مجلس انتقالي بلا قاعدة، أو دعم خارجي يمنحها قوة لا تملكها اجتماعياً. وهو يدعو منذ سنوات إلى حدّ أدنى من الوفاق يجمع الملكيين والجمهوريين والقوى القومية حول “مجلس ائتلافي” و”برلمان أوّلي”، لكنه يعترف بمرارة بأن “الجبهة الجامعة” التي يكثر الحديث عنها “لا وجود لها على الأرض”. ويرفض اختزال الانتقال في شخص رضا بهلوي أو غيره، ويرى أن المجتمع دخل فضاء تعدّد لا تستطيع قوة واحدة إخضاعه.

رابعاً: العوامل الخفيّة أو غير المتداولة

تتجاوز قيمة قراءة قادري المعطيات المتداولة إلى عوامل أعمق نادراً ما تحضر في التحليل السريع. أول هذه العوامل ” غياب كوابح السلطة”، وهو الصيغة الأكثر كثافة للمشكلة عنده: المشكلة الدائمة ليست فقط من يحكم، بل كيف يُمنع الحاكم من التحوّل إلى مالكٍ للدولة. لقد حاول الإيرانيون الخروج من الاستبداد الملكي، لكنهم لم يبنوا نظاماً يمنع الاستبداد الجديد. لذلك يصبح السؤال الحقيقي: كيف تُربط يد السلطة قبل أن تُسلَّم إليها الدولة؟ وكيف تُبنى مؤسسات لا تعتمد على أخلاق الحاكم؟ وكيف يصبح القانون أقوى من القائد؟

وثانيها مأزق “فقر الزمن”، وهو من أكثر مفاهيمه أصالة. لا يتحدّث قادري عن الزمن بوصفه استعارة أدبية، بل مورداً سياسياً واقتصادياً ينفد. فإيران لا تملك ترف الانتظار الطويل؛ النفط الذي كان محرّك التطور صار قديماً ومكلفاً في عالم يتّجه إلى ما بعد الكربون، والزراعة مريضة، والصناعة متخلّفة، والبنى التحتية من كهرباء وماء تتهالك، والمجتمع منهك بالهجرة والاكتئاب. وخلاصته أن البلاد إن لم تصل إلى أبواب التنمية في السنوات القليلة القادمة، فقد تتحوّل التنمية نفسها إلى “كلمة تاريخية بعيدة”. هذا البعد الزمني يقلب حسابات صانع القرار: فالمسألة ليست أي نظام أفضل فقط، بل هل يبقى وقتٌ أصلاً لأي مشروع؟

وثالثها استحالة فصل الاقتصاد عن السياسة والحرية. ضدّ الوهم الشائع بأن تحسين الاقتصاد قد يمتصّ الاحتجاج، يصرّ قادري على أن الاقتصاد ليس ملفاً تقنياً منفصلاً يمكن إصلاحه بقرار داخل البنية الحالية؛ فالاقتصاد الحي يحتاج علاقة إيجابية مع العالم، وتخفيفاً للإنفاق الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان وفلسطين، وكسراً لشبكات الريع المرتبطة بالسلطة.

ورابعها الكذب المؤسسي بوصفه نمط حكم، وانقلاب المزاج الديني.

يلتقط قادري هنا مفارقة أخلاقية بنيوية: نظام يتحدّث عن كرامة المحجّبات في الخارج، بينما يقمع النساء في الداخل. أو الإذاعة “تُخفي الآلات الموسيقية” بحجة كونها حرام وهي تبث الموسيقى. هذا التناقض ينتج “الكذب السياسي” ممارسةً يومية تتآكل معها ثقة المجتمع بكل خطاب رسمي؛ وحين تنهار الثقة باللغة، يصعب بناء سياسة مشتركة، لأن كل وعد يبدو خدعة. ويضيف ملاحظة سوسيولوجية بالغة الأهمية: لو أمكن قياس مشاعر ملايين الإيرانيين اليوم، لتبيّن أن المزاج الديني للمجتمع انقلب قياساً بما كان عليه قبل نحو سبعة وأربعين عاماً؛ حينها كان الناس يشكّكون في الحداثة ويعلّقون آمالهم على الدين، أما اليوم فقد صار العكس. وهذا الانقلاب لا يعني انهياراً فورياً، لكنه يفسّر لماذا فقدت السردية الكبرى جاذبيتها من جذورها.

خامسًا: المخرج هو العبور إلى المواطنة.

هذا هو السيناريو الذي يراهن عليه قادري، لكنه لا يعِد به. شرطه ليس حاكماً جديداً، بل تحوّل اجتماعي تدريجي يقدّر أنه يحتاج جيلين على الأقل. ولأنه يرى الموروث الإيراني عاجزًا عن تجديد نفسه، يقترح ما يصفه بـ”لاهوت جديد” قائم على ثلاثة أسس: “قومية إنسانية” بأفق كوني بدلاً من القومية الضيّقة، و”خيوط من الاشتراكية” لتحقيق عدالة اجتماعية في مجتمع أنهكه الفقر، و“فدرالية” لتأمين حريات القوميات. وهذه الوصفة هي الأكثر إثارة للجدل في مشروعه، لأنها تنقله من ناقد للبنية إلى صاحب مشروع سياسي محدّد المعالم.

خلاصة تحليلية: إيران بين نهاية الوصاية وبداية المواطنة

تقدّم رؤية قادري واحدة من أكثر القراءات جذرية لمأزق إيران. فقوتها الأساسية أنها تُزيح النقاش من سطح الأشخاص والسياسات إلى عمق البنية الثقافية. أطروحته المركزية — أن مشكلة إيران “النزعة الولائية” لا “ولاية الفقيه” وحدها — تملك قدرة تفسيرية لافتة: تشرح لماذا تكرّرت المفارقة من الدستورية إلى 1979، ولماذا يتعثّر الإصلاح من الداخل، ولماذا قد يعيد أي انتقال جديد إنتاج الاستبداد إذا بقي الطلب على الوصيّ قائماً. أما مفهوماه الأكثر أصالة — “فقر الزمن” و”السلطويّة المتلبّسة بالدين” — فيقدّمان عدستين نادرتين: الأولى تنبّه إلى أن نافذة أي مشروع إيراني تضيق بسرعة، والثانية تحذّر من الخلط بين دافع ديني وحساب سلطوي بحت.

إسهام قادري الأعمق ليس في الإجابة، بل في إعادة صياغة السؤال. فحين يسأل أغلب المراقبين: “من يحكم إيران بعد خامنئي؟”، يسأل هو: “هل سيظل الإيرانيون يبحثون عمّن يحكمهم، أم يبدؤون ببناء ما يضبط الحاكم؟”. من هذه الزاوية، فإن إنقاذ إيران لا يبدأ من قمّة السلطة بل من قاعدة المجتمع: من تحوّل الفرد من تابع ينتظر مخلّصاً إلى مواطن يقيّد كل سلطة. وتبقى القاعدة التي يستعيدها من مونتيسكيو حجر الزاوية: “السلطة وحدها تحدّ السلطة”، والثقة بحسن النيّة لا تكفي ما لم تُربط أولاً “ركبة الجمل”؛ أي ما لم تُوضع القيود الدستورية والقانونية على كل سلطة، مهما بدا صاحبها صالحاً. أما درسه الأخير فموجّه إلى المتديّنين أنفسهم: أن يتركوا الحكومة وشأنها، ويعودوا إلى نقد مصادرهم ومعرفتهم الدينية، لأن توظيف الدين في السلطة أضرّ بالدين والمجتمع معاً.

 

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025