تشييع خامنئي في العراق.. صراع الرمزية ومأزق السيادة

يحوّل تشييع خامنئي في العراق حدثًا جنائزيًا محدودًا إلى امتحان مكشوف لسيادة الدولة، وحدود النفوذ الإيراني، وموقع بغداد بين الداخل والخارج.

 

تأجيلُ تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي أكثر من أربعة أشهر منذ مقتله في الساعات الأولى من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ثم نقلُ جثمانه ليطوف في المدن العراقية في الثامن من تموز/يوليو قبل دفنه في مشهد، معضلة سياسية وأمنية هائلة. هذا الحدث، وإن كان يحمل طابعاً جنائزياً في ظاهره، إلا أنه في عمقه الجيوسياسي يمثل عملية “توظيف سياسي لفائض القوة”، وتحويل الحدث الرمزي إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، مما يضع العراق في عين العاصفة داخلياً وخارجياً.

  1. توظيف الجغرافيا السياسية: صدمة الرمزية

إن اختيار العراق كمسرح لجزء من مراسم التشييع لرمز لم يزر البلاد طوال عقود حكمه، لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي عابر. في علم السياسة، يُعد هذا السلوك محاولة لترسيخ فكرة “المجال الحيوي الممتد” وتأكيد نفوذ طهران الإقليمي. تأجيل التشييع لأشهر يعكس رغبة في تحويل الحدث من حالة حزن محلي إلى “ملحمة سياسية” تحشيدية، الهدف منها إيصال رسالة بأن غياب القائد لا يعني غياب المشروع، بل تأكيده من قلب العواصم الحليفة.

والأكثر دلالة أن أحداً لا يعرف على وجه الدقة مَن صاحبُ الدعوة: تقول اللجنة الإيرانية المنظِّمة إن التشييع يلبّي “طلب علماء وعشائر ونخب عراقية”، وتنفي أوساط رئاسة الحكومة أن تكون بغداد قد طلبت شيئاً، فيما تُقرّ أوساط الحشد الشعبي بأن الطلب جاء من قيادات في الإطار التنسيقي. هذا الغموض ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ إنه إعادة إنتاج مكثّفة لمعضلة “القرارَين في الدولة الواحدة”: حدثٌ بحجم إقليمي يُنظَّم على الأرض العراقية، وتتولى الدولة تأمينه وتتحمّل كلفته من دون أن تكون صاحبة قراره.

  1. الجبهة الداخلية العراقية: العبء والتصدع

على المستوى الداخلي، يفرض هذا الحدث تحديات خانقة على الدولة العراقية:

  • الشلل الاقتصادي والأمني: استضافة حدث مليوني وتأمين شخصيات دولية في مدن حيوية كالنجف وكربلاء، مع إدارة تدفّق يُقدَّر بمئات آلاف الزائرين عبر معبر مهران في ذروة موسم محرّم، يعني إعلاناً ضمنياً لحظر التجوال وشللاً تاماً للحياة اليومية وحركة الأسواق، وهو ما يرهق كاهل المواطن العراقي والاقتصاد المنهك أساساً.
  • تأزيم الهوية الوطنية: يثير هذا الاستعراض حساسية بالغة لدى المكونات غير الشيعية، بل وحتى لدى التيارات الشيعية الوطنية التي تطالب بالنأي بالعراق عن سياسة المحاور. التشييع بهذا الشكل قد يُفسَّر محلياً على أنه مظهر من مظاهر “تذويب السيادة العراقية”، مما يعمق الشرخ المجتمعي ويغذي المخاوف من هيمنة أحادية على القرار الوطني.

ومع ذلك، فإن اختزال الحدث في خانة “الإملاء الإيراني” يُغفل نصفه الآخر: فثمّة قاعدة اجتماعية شيعية واسعة سترى في مرور الجثمان بين الحرمَين وفاءً دينياً خالصاً لا سياسة فيه، ومنعُ التشييع كان سيحمل كلفة داخلية لا تقل عن كلفة إقامته في لحظة احتقان ما تزال مشاعرها طرية.

  1. الساحة الخارجية: العزلة ومأزق الحلفاء

خارجياً، يضع هذا التشييع الدبلوماسية العراقية في موقف لا تُحسد عليه:

  • اختبار الشراكة مع واشنطن: يرتبط العراق باتفاقيات استراتيجية وأمنية واقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة (خاصة ما يتعلق بالدولار والتسليح). واستضافة مراسم رسمية كبرى لشخصية قُتلت في حرب ضد أميركا ستبدو كإعلان انحياز كامل للمحور الإيراني. ويقع التوقيت في أسوأ نقطة ممكنة: قبل أيام من زيارة رئيس الوزراء المرتقبة إلى واشنطن، وبالتزامن مع موعد أعلنته بغداد لخروج التحالف الدولي وتسليم سلاح الفصائل في أيلول/سبتمبر المقبل. ويكفي خطابٌ واحد من على منصّة التشييع يتوعّد المصالح الأميركية حتى تتحوّل جنازةٌ عابرة إلى أزمة دبلوماسية جاهزة. وكل صورة تُبثّ من النجف وكربلاء ستكون جزءاً من معركة الرواية بين واشنطن وطهران حول مَن يملك المجال السياسي والأمني في بغداد.
  • الانتكاسة في المحيط العربي: كافح العراق في السنوات الأخيرة لاستعادة عمقه العربي وبناء جسور الثقة مع دول الخليج والجوار. هذا السيناريو، بما يحمله من خطابات هجومية متوقعة ضد الدول العربية، سيعيد بناء الجدران العازلة ويجهض جهود بغداد في لعب دور “الوسيط الإقليمي”، ليعود مجدداً إلى مربع “الساحة البديلة لتصفية الحسابات”. خاصّة أن دول الجوار العربي تعرضت الى هجوم ايراني خلال الاشهر الماضية.
خلاصة

إن تحويل جغرافيا العراق إلى منصة للرسائل السياسية الإقليمية عبر بوابة التشييع الرمزي، يعكس بوضوح أزمة “الدولة العازلة”. والمعيار الحقيقي هنا ليس وقوع التشييع من عدمه، بل قدرة بغداد على فرض قواعدها عليه: سقف زمني صارم، وضبطٌ يمنع تحويل المنصّات إلى تهديدات، وحضورٌ رسمي محسوب، وإعلانٌ صريح بأن الدولة — لا سواها — هي المضيف والضامن. فالجثمان سيغادر بعد ساعات من وصوله؛ أما السؤال الذي يتركه خلفه — مَن يقرّر ما يجري على الأرض العراقية؟ — فسيبقى مقيماً طويلاً بعد أن تنفضّ الحشود، اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية قرارها السيادي، ومنع تحويل أراضيها إلى بريد سياسي ساخن يدفع المواطن العراقي كلفته من أمنه واستقراره اليومي.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

تشييع خامنئي في العراق.. صراع الرمزية ومأزق السيادة

يحوّل تشييع خامنئي في العراق حدثًا جنائزيًا محدودًا إلى امتحان مكشوف لسيادة الدولة، وحدود النفوذ الإيراني، وموقع بغداد بين الداخل والخارج.

 

تأجيلُ تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي أكثر من أربعة أشهر منذ مقتله في الساعات الأولى من الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، ثم نقلُ جثمانه ليطوف في المدن العراقية في الثامن من تموز/يوليو قبل دفنه في مشهد، معضلة سياسية وأمنية هائلة. هذا الحدث، وإن كان يحمل طابعاً جنائزياً في ظاهره، إلا أنه في عمقه الجيوسياسي يمثل عملية “توظيف سياسي لفائض القوة”، وتحويل الحدث الرمزي إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، مما يضع العراق في عين العاصفة داخلياً وخارجياً.

  1. توظيف الجغرافيا السياسية: صدمة الرمزية

إن اختيار العراق كمسرح لجزء من مراسم التشييع لرمز لم يزر البلاد طوال عقود حكمه، لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي عابر. في علم السياسة، يُعد هذا السلوك محاولة لترسيخ فكرة “المجال الحيوي الممتد” وتأكيد نفوذ طهران الإقليمي. تأجيل التشييع لأشهر يعكس رغبة في تحويل الحدث من حالة حزن محلي إلى “ملحمة سياسية” تحشيدية، الهدف منها إيصال رسالة بأن غياب القائد لا يعني غياب المشروع، بل تأكيده من قلب العواصم الحليفة.

والأكثر دلالة أن أحداً لا يعرف على وجه الدقة مَن صاحبُ الدعوة: تقول اللجنة الإيرانية المنظِّمة إن التشييع يلبّي “طلب علماء وعشائر ونخب عراقية”، وتنفي أوساط رئاسة الحكومة أن تكون بغداد قد طلبت شيئاً، فيما تُقرّ أوساط الحشد الشعبي بأن الطلب جاء من قيادات في الإطار التنسيقي. هذا الغموض ليس تفصيلاً بروتوكولياً؛ إنه إعادة إنتاج مكثّفة لمعضلة “القرارَين في الدولة الواحدة”: حدثٌ بحجم إقليمي يُنظَّم على الأرض العراقية، وتتولى الدولة تأمينه وتتحمّل كلفته من دون أن تكون صاحبة قراره.

  1. الجبهة الداخلية العراقية: العبء والتصدع

على المستوى الداخلي، يفرض هذا الحدث تحديات خانقة على الدولة العراقية:

  • الشلل الاقتصادي والأمني: استضافة حدث مليوني وتأمين شخصيات دولية في مدن حيوية كالنجف وكربلاء، مع إدارة تدفّق يُقدَّر بمئات آلاف الزائرين عبر معبر مهران في ذروة موسم محرّم، يعني إعلاناً ضمنياً لحظر التجوال وشللاً تاماً للحياة اليومية وحركة الأسواق، وهو ما يرهق كاهل المواطن العراقي والاقتصاد المنهك أساساً.
  • تأزيم الهوية الوطنية: يثير هذا الاستعراض حساسية بالغة لدى المكونات غير الشيعية، بل وحتى لدى التيارات الشيعية الوطنية التي تطالب بالنأي بالعراق عن سياسة المحاور. التشييع بهذا الشكل قد يُفسَّر محلياً على أنه مظهر من مظاهر “تذويب السيادة العراقية”، مما يعمق الشرخ المجتمعي ويغذي المخاوف من هيمنة أحادية على القرار الوطني.

ومع ذلك، فإن اختزال الحدث في خانة “الإملاء الإيراني” يُغفل نصفه الآخر: فثمّة قاعدة اجتماعية شيعية واسعة سترى في مرور الجثمان بين الحرمَين وفاءً دينياً خالصاً لا سياسة فيه، ومنعُ التشييع كان سيحمل كلفة داخلية لا تقل عن كلفة إقامته في لحظة احتقان ما تزال مشاعرها طرية.

  1. الساحة الخارجية: العزلة ومأزق الحلفاء

خارجياً، يضع هذا التشييع الدبلوماسية العراقية في موقف لا تُحسد عليه:

  • اختبار الشراكة مع واشنطن: يرتبط العراق باتفاقيات استراتيجية وأمنية واقتصادية وثيقة مع الولايات المتحدة (خاصة ما يتعلق بالدولار والتسليح). واستضافة مراسم رسمية كبرى لشخصية قُتلت في حرب ضد أميركا ستبدو كإعلان انحياز كامل للمحور الإيراني. ويقع التوقيت في أسوأ نقطة ممكنة: قبل أيام من زيارة رئيس الوزراء المرتقبة إلى واشنطن، وبالتزامن مع موعد أعلنته بغداد لخروج التحالف الدولي وتسليم سلاح الفصائل في أيلول/سبتمبر المقبل. ويكفي خطابٌ واحد من على منصّة التشييع يتوعّد المصالح الأميركية حتى تتحوّل جنازةٌ عابرة إلى أزمة دبلوماسية جاهزة. وكل صورة تُبثّ من النجف وكربلاء ستكون جزءاً من معركة الرواية بين واشنطن وطهران حول مَن يملك المجال السياسي والأمني في بغداد.
  • الانتكاسة في المحيط العربي: كافح العراق في السنوات الأخيرة لاستعادة عمقه العربي وبناء جسور الثقة مع دول الخليج والجوار. هذا السيناريو، بما يحمله من خطابات هجومية متوقعة ضد الدول العربية، سيعيد بناء الجدران العازلة ويجهض جهود بغداد في لعب دور “الوسيط الإقليمي”، ليعود مجدداً إلى مربع “الساحة البديلة لتصفية الحسابات”. خاصّة أن دول الجوار العربي تعرضت الى هجوم ايراني خلال الاشهر الماضية.
خلاصة

إن تحويل جغرافيا العراق إلى منصة للرسائل السياسية الإقليمية عبر بوابة التشييع الرمزي، يعكس بوضوح أزمة “الدولة العازلة”. والمعيار الحقيقي هنا ليس وقوع التشييع من عدمه، بل قدرة بغداد على فرض قواعدها عليه: سقف زمني صارم، وضبطٌ يمنع تحويل المنصّات إلى تهديدات، وحضورٌ رسمي محسوب، وإعلانٌ صريح بأن الدولة — لا سواها — هي المضيف والضامن. فالجثمان سيغادر بعد ساعات من وصوله؛ أما السؤال الذي يتركه خلفه — مَن يقرّر ما يجري على الأرض العراقية؟ — فسيبقى مقيماً طويلاً بعد أن تنفضّ الحشود، اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية قرارها السيادي، ومنع تحويل أراضيها إلى بريد سياسي ساخن يدفع المواطن العراقي كلفته من أمنه واستقراره اليومي.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025