“برّاك” في بغداد.. هندسة صعبة لخطة “تقليم الأظافر”

 

الخبر:
توم برّاك، السفير الأمريكي لدى تركيا ومبعوث الرئيس ترامب الخاص إلى سوريا والعراق، يهبط في مطار بغداد الدولي، ليشعل بذلك التكهنات حول خطة أمريكية تتضمن إعادة هندسة الوضع العراقي بما يشمل محاصرة الميليشيات والفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران، وتقويض أسسها، وقطع تمويلها، وتفكيك منظوماتها التسليحية، وكل ذلك في مقابل وعود اقتصادية يعوّل عليها الوسط السياسي العراقي لإنقاذ البلاد من أزمة مالية يتسع نطاقها وتهدد بنسف العملية السياسية.

 

التعليق:

واضح أن دور توم برّاك في العراق، على الأقل، لا يحظى بقبول القاعدة البيروقراطية في واشنطن، خصوصًا وزارة الخارجية، التي تشهد خلال إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تراجعًا في أدوارها التقليدية وملفاتها المترابطة عبر العالم لصالح سياسة المبعوثين الخاصين للرئيس.

النقطة الجدلية في عمل برّاك، الذي يربط بين ثلاث دول محورية في الشرق الأوسط، هي العراق وسوريا وتركيا، أنه فيما يحقق نجاحًا نسبيًا في الملف السوري، بمساعدة تركية واضحة، يجد نفسه أمام مقاربات عراقية شديدة التعقيد، تحتاج بحسب دبلوماسيين سابقين لديهم خبرة متواصلة في هذا الملف إلى ترابط بين المراحل وفهم عميق لما يمكن أن يُطلق عليه العمود الفقري للاستراتيجية الأمريكية في العراق. وهم بذلك يخشون أن ينزلق برّاك ويجرّ الرئيس ترامب إلى قراءات غير متكاملة تنتج عنها مضاعفات موضعية قد تكون خطيرة على الساحة العراقية.

وأبرز ما يتم طرحه بهذا الصدد يتعلق بطبيعة فهم المقاربة الأمريكية لقضية حلّ الفصائل ومعالجة موضوع “الحشد الشعبي”، وتطبيع الوضع العراقي كمساحة جيوسياسية صديقة لواشنطن على المدى الطويل، بعد أن قادت مقاربات غير متزنة طوال مرحلة ما بعد احتلال العراق عام 2003 إلى تحويل هذا البلد من نقطة ثقل أساسية في موازنات منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة نفوذ وسيولة لقوى المنطقة، حسمتها إيران لصالحها بشكل لا يمكن إغفاله.

وعلى هذا الصعيد، تُطرح أسئلة محورية حول حقيقة وجود “خريطة طريق” أمريكية لمعالجة أزمات العراق، في الأقل بعد الاعتداءات التي نفذتها الميليشيات، بدعم إيراني، تجاه دول الجوار العربي للعراق، والتي، بحسب معلومات، قد يترتب عليها عقوبات اقتصادية وتعويضات دولية في حال أقدمت الدول المتضررة على تدويل هذه القضية.

على أرض الواقع، لا يمكن تلمّس ملامح “خريطة الطريق” تلك حتى الآن. فالفصائل المسلحة التي تمتلك ألوية في الحشد الشعبي وأخرى خارجه، يمكنها التكيّف مع مقتضيات تجميد عملها أو حتى تسليم سلاحها، لكن ذلك لا يعني، في الحالة العراقية، تخليها عن العمل المسلح، كما قد لا يقود إلى تقويض إمكاناتها العنفية التي استخدمتها طوال عقدين ماضيين، وتحت ظل الوجود العسكري الأمريكي، لفرض الإرهاب الفكري والسياسي والاقتصادي على المجتمع العراقي، بما سمح لها في نهاية المطاف باحتلال نحو 70 مقعدًا برلمانيًا، وتشكيل هيئات اقتصادية عملاقة، والإفلات الدائم من العقاب جراء الاتهامات التي وُجهت إليها من أعمال قتل وخطف وتهجير داخلي.

هل تحاول واشنطن تصفية الميليشيات فعلًا؟ أم إنها تسعى إلى تقليم أظافرها كي تضمن عدم تكرار اعتداءاتها الخارجية، مع التسليم لها بأظافر حادة للاستمرار في نهش الجسد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العراقي الداخلي؟

حتى الآن، لا تطرح واشنطن “خريطة طريق”، كما لا تطرحها الحكومة في بغداد. فتلك الخريطة، التي يُفترض أن تعالج إرثًا من العمل المسلح والتنظيمات المتداخلة في صميم الدولة، لا يمكن أن تقتصر معالجاتها على إجراءات أمنية أو إدارية، بل يجب أن تتسع لتدخل في نطاق مشروع شامل يضمن، في أقل الاحتمالات، قطع طريق العودة إلى العنف المسلح المنظم.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

“برّاك” في بغداد.. هندسة صعبة لخطة “تقليم الأظافر”

 

الخبر:
توم برّاك، السفير الأمريكي لدى تركيا ومبعوث الرئيس ترامب الخاص إلى سوريا والعراق، يهبط في مطار بغداد الدولي، ليشعل بذلك التكهنات حول خطة أمريكية تتضمن إعادة هندسة الوضع العراقي بما يشمل محاصرة الميليشيات والفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بإيران، وتقويض أسسها، وقطع تمويلها، وتفكيك منظوماتها التسليحية، وكل ذلك في مقابل وعود اقتصادية يعوّل عليها الوسط السياسي العراقي لإنقاذ البلاد من أزمة مالية يتسع نطاقها وتهدد بنسف العملية السياسية.

 

التعليق:

واضح أن دور توم برّاك في العراق، على الأقل، لا يحظى بقبول القاعدة البيروقراطية في واشنطن، خصوصًا وزارة الخارجية، التي تشهد خلال إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب تراجعًا في أدوارها التقليدية وملفاتها المترابطة عبر العالم لصالح سياسة المبعوثين الخاصين للرئيس.

النقطة الجدلية في عمل برّاك، الذي يربط بين ثلاث دول محورية في الشرق الأوسط، هي العراق وسوريا وتركيا، أنه فيما يحقق نجاحًا نسبيًا في الملف السوري، بمساعدة تركية واضحة، يجد نفسه أمام مقاربات عراقية شديدة التعقيد، تحتاج بحسب دبلوماسيين سابقين لديهم خبرة متواصلة في هذا الملف إلى ترابط بين المراحل وفهم عميق لما يمكن أن يُطلق عليه العمود الفقري للاستراتيجية الأمريكية في العراق. وهم بذلك يخشون أن ينزلق برّاك ويجرّ الرئيس ترامب إلى قراءات غير متكاملة تنتج عنها مضاعفات موضعية قد تكون خطيرة على الساحة العراقية.

وأبرز ما يتم طرحه بهذا الصدد يتعلق بطبيعة فهم المقاربة الأمريكية لقضية حلّ الفصائل ومعالجة موضوع “الحشد الشعبي”، وتطبيع الوضع العراقي كمساحة جيوسياسية صديقة لواشنطن على المدى الطويل، بعد أن قادت مقاربات غير متزنة طوال مرحلة ما بعد احتلال العراق عام 2003 إلى تحويل هذا البلد من نقطة ثقل أساسية في موازنات منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة نفوذ وسيولة لقوى المنطقة، حسمتها إيران لصالحها بشكل لا يمكن إغفاله.

وعلى هذا الصعيد، تُطرح أسئلة محورية حول حقيقة وجود “خريطة طريق” أمريكية لمعالجة أزمات العراق، في الأقل بعد الاعتداءات التي نفذتها الميليشيات، بدعم إيراني، تجاه دول الجوار العربي للعراق، والتي، بحسب معلومات، قد يترتب عليها عقوبات اقتصادية وتعويضات دولية في حال أقدمت الدول المتضررة على تدويل هذه القضية.

على أرض الواقع، لا يمكن تلمّس ملامح “خريطة الطريق” تلك حتى الآن. فالفصائل المسلحة التي تمتلك ألوية في الحشد الشعبي وأخرى خارجه، يمكنها التكيّف مع مقتضيات تجميد عملها أو حتى تسليم سلاحها، لكن ذلك لا يعني، في الحالة العراقية، تخليها عن العمل المسلح، كما قد لا يقود إلى تقويض إمكاناتها العنفية التي استخدمتها طوال عقدين ماضيين، وتحت ظل الوجود العسكري الأمريكي، لفرض الإرهاب الفكري والسياسي والاقتصادي على المجتمع العراقي، بما سمح لها في نهاية المطاف باحتلال نحو 70 مقعدًا برلمانيًا، وتشكيل هيئات اقتصادية عملاقة، والإفلات الدائم من العقاب جراء الاتهامات التي وُجهت إليها من أعمال قتل وخطف وتهجير داخلي.

هل تحاول واشنطن تصفية الميليشيات فعلًا؟ أم إنها تسعى إلى تقليم أظافرها كي تضمن عدم تكرار اعتداءاتها الخارجية، مع التسليم لها بأظافر حادة للاستمرار في نهش الجسد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العراقي الداخلي؟

حتى الآن، لا تطرح واشنطن “خريطة طريق”، كما لا تطرحها الحكومة في بغداد. فتلك الخريطة، التي يُفترض أن تعالج إرثًا من العمل المسلح والتنظيمات المتداخلة في صميم الدولة، لا يمكن أن تقتصر معالجاتها على إجراءات أمنية أو إدارية، بل يجب أن تتسع لتدخل في نطاق مشروع شامل يضمن، في أقل الاحتمالات، قطع طريق العودة إلى العنف المسلح المنظم.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025