باكستان تواجه أزمة مركّبة تجمع احتجاجات المعارضة، تصاعد العنف المسلح، هشاشة الشرعية، وضغط الاقتصاد والأمن
مدخل
تدخل باكستان عام 2026 على إيقاع أزمة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد. فمن جهة، يتواصل الاستقطاب الحاد حول شرعية الانتخابات وحدود دور المعارضة داخل “النظام الهجين” الذي تتقاطع فيه المؤسسات المنتخبة مع نفوذ المؤسسة العسكرية. ومن جهة ثانية، يتصاعد العنف المسلح _ خصوصًا في الشمال الغربي وبلوشستان _ بما يضع الدولة أمام اختبار مزدوج: ضبط الشارع سياسيًا، واحتواء التدهور الأمني ميدانيًا، بينما تحاول الحكومة تثبيت استقرار اقتصادي هش تحت برامج صندوق النقد الدولي.
اللافت في هذه اللحظة أن الاحتجاجات لا تجري بمعزل عن العنف، بل تتزامن معه وتتداخل دلالاتهما؛ بما يجعل السياسة والأمن وجهين لأزمة حكمٍ واحدة، لا ملفّين منفصلين.
الحدث: إضرابٌ سياسي وجرحٌ أمنيّ مفتوح
في الأحد 8 فبراير/شباط 2026 شهدت المدن الباكستانية الرئيسية حراكًا احتجاجيًا/إضرابًا واسعًا من نمط “تعطيل الحركة/إغلاق الأسواق”، استجابةً لدعوة تحالف “حماية دستور باكستان” (TTAP) المعارض. وبالتوازي، نفّذ حزب حركة الإنصاف الباكستانية (PTI) إضرابًا شاملاً في أنحاء إقليم خيبر بختونخوا وبلوشستان، مع تباينٍ في مستوى الاستجابة بين المدن والأقاليم.
وجاءت هذه التعبئة على خلفية صدمة أمنية: هجومٌ انتحاري في 6 فبراير/شباط 2026 استهدف مسجدًا شيعيًا قرب العاصمة إسلام آباد، وأسفر عن مقتل 31 وإصابة أكثر من 160 شخصًا.
أفادت بعض الوكالات بصدور بيان منسوب لتنظيم داعش الإرهابي تبنّى العملية، ووصف شيعة باكستان بأنهم “مستودع بشري” يوفّر مجندين لميليشيات شيعية تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. ويُفهم من هذا التوصيف أن المقصود هو فصيل “زينبيون” الباكستاني الذي يقاتل نيابة عن إيران.
غير أنّ المفارقة – وفق ما اطلعتنا مصادر محلية – أن مجمع خديجة الكبرى الذي وقع فيه الانفجار يُنسب إلى جماعة حامد الموسوي، وهو شخصية عُرفت بكونها وكيلًا للسيد أبو القاسم الخوئي (1899–1992)، أحد أبرز مراجع الحوزة النجفية في القرن العشرين، بما يعني ارتباط المجمع بخطّ الحوزة النجفية التقليدي. وهذا الخط يختلف تاريخيًا عن التيار الذي مثّله عارف حسين الحسيني، ثم من بعده ساجد علي نقوي، بوصفه يتبع ولاية الفقيه الإيرانية.
وفي المقابل، شهد إقليم بلوشستان _ بوصفه ساحة التصعيد الأثقل _ موجات هجمات منسّقة وعمليات عسكرية واسعة ضد جماعات انفصالية، قُدّمت في بعض التغطيات بوصفها من أكبر موجات التصعيد في الإقليم منذ سنوات.
خلفيات الحدث: شرعيةٌ مأزومة واستقطابٌ طويل النفس
تتغذّى احتجاجات 8 فبراير/شباط 2026 من سرديةٍ معارضة تعتبر انتخابات 2024 “مزورة” وأن التفويض “سُرق”، وبماء عليه تشكلت حكومة تحالفية بقيادة حزب الرابطة الإسلامية الباكستاني (PML-N). وهو ما يجعل التاريخ مناسبةً لإعادة إنتاج النزاع على الشرعية، لا مجرد تحرّكٍ رمزي.
ويتصل تصاعد الاحتقان بسجن عمران خان وصدور حكمٍ بالسجن 14 عامًا عليه في يناير/كانون الثاني 2025 بتهم فساد، بما شكّل نقطةً مركزية لتعبئة أنصار حركة إنصاف (PTI).
كما أن “الاغتراب السياسي” الذي أصاب قاعدة شعبية واسعة _ أثر نهج “الإقصاء السياسي” الذي تتهم المعارضةُ السلطةَ باتباعه ضد حزب عمران خان _ حوّل الحزب من منافسٍ على رئاسة الحكومة إلى قوة احتجاجية مستمرة، تُعقّد تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتُبقي الشارع في حالة تعبئة مفتوحة.
التحليل: كيف يغذّي السياسيُّ الأمنيَّ، والعكس؟
أولًا: اقتصاد الاحتجاج كأداة ضغط
حين يتحوّل الاحتجاج إلى تعطيلٍ للحركة والأسواق، تصبح كلفة الأزمة محسوسة
يوميًا، وتتوسع المعركة من منافسة انتخابية إلى اختبارٍ لقدرة الدولة على إدارة الاقتصاد والخدمات في ظل اضطراب الشارع.
ثانيًا: بلوشستان، “حرب استنزاف” لا تهدأ
ترسم مصادر مختلفة صورة “جبهات مفتوحة” في بلوشستان: هجمات منسّقة، وردّ عسكري واسع، وتباينات في الأرقام بين الرواية الرسمية ومصادر محلية، تقابلها ادعاءات مضادة من جماعات مسلحة. كما يرد في الإعلام أن الجماعات الانفصالية _ ومنها جيش تحرير بلوشستان وكيانات أخرى _ تستهدف قطاعات النقل والبنى الحيوية، في سياق تهميشٍ اقتصادي وسياسي مزمن في الإقليم.
ثالثًا: الشمال الغربي وتمدد الفاعلين العابرين للحدود
تشكل طالبان باكستان (TTP) عامل ضغط مستمر في الشمال الغربي، يرتبط بتوتر العلاقة بين إسلام آباد وكابول، وببيئة حدودية تسمح _ وفق سرديات متعددة _ باستمرار “ملاذات” أو حركة عابرة للحدود.
إلى جانب ذلك، تحضر ولاية خراسان كتهديد أقل مقارنة بطالبان والانفصاليين، لكنه يظل جزءًا من صورة الانفلات الأمني المتعدد المصادر.
رابعًا: رسالة استهداف العاصمة
تذهب بعض المقاربات إلى أن ضرب هدفٍ ديني في محيط العاصمة يحمل معنى رمزيًا: التهديد لم يعد محصورًا في الأطراف، وأن اختراق “المركز” يعيد ترتيب الأولويات على حساب السياسة لصالح منطق الأمن.
خامسًا: تغليب “منطق الأمن” على “منطق السياسة”
في لحظة يشكك فيها الشارع بالشرعية، تميل الدولة _ بحكم الضرورة _ إلى تغليب الأمن: تشديد الإجراءات، توسيع العمليات، وربما تضييق المجال العام. وهو مسارٌ تُلمح إليه طريقة ربط التغطيات بين الاحتجاجات وبين الاستجابة الأمنية القصوى في بلوشستان ومحيط العاصمة.
دلالات الحدث السياسية: نظامٌ هشّ ومعارضة خارج “الاستيعاب”
أ) هشاشة الاستيعاب الديمقراطي
قد تكشف الاحتجاجات المتزايدة هشاشة النظام السياسي وعجزه عن استيعاب المعارضة ضمن آليات ديمقراطية مستقرة، ما يرفع منسوب الاستقطاب ويقلل فرص التسوية السلسة.
ب) “الشرعية” وقودًا للّاعقلانية السياسية
تنازع السرديات حول “من يملك التفويض” يجعل أي خرق أمني مادةً لتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات، بما يرفع قابلية القرار السياسي للاندفاع أو الإفراط في المقاربة الأمنية.
ج) البعد الحقوقي والإعلامي كعامل ضغط
تنقل مصادر إعلامية كثيرة انتقاداتٍ تتعلق بقمع المعارضة وتقييد الإعلام، مع الاستناد إلى تقارير منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش، بوصفها جزءًا من السياق الذي يفاقم الاحتقان الداخلي ويزيد الحساسية الخارجية تجاه سلوك الدولة.
سيناريوهات محتملة داخل “اللاحسم”
يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية لمآلات المشهد:
- استمرار الوضع الراهن (اللاحسم المزدوج):
احتجاجات متقطعة لا تُسقط الحكومة، وعمليات أمنية كثيفة لا تحسم التمرد نهائيًا؛ بما يُبقي البلاد في حالة “لا حرب ولا سلم” سياسيًا وأمنيًا.
- تصعيد محسوب:
توسع الاحتجاجات إذا استمرت الاعتقالات والقمع، مع خطر تداخل المطالب المدنية مع حساسية بلوشستان، بما يدفع نحو مزيد من العسكرة بدل المعالجة السياسية.
- اختراق أمني كبير يعيد ترتيب الأولويات:
استمرار الهجمات المنسقة في بلوشستان أو توسيع نطاق الاستهداف قد يفضي إلى تشديد أمني واسع، وكلفة اقتصادية إضافية، وتعطل في النقل والخدمات.
الاقتصاد كقيدٍ على القرار: “استقرار مالي” لا يكفي
حصلت الحكومة على تسهيلات ائتمانية من صندوق النقد الدولي بقيمة 7 مليارات دولار، مع توقعات بارتفاع معدل التضخم إلى 6% في السنة المالية 2026. غير أن ذلك يوصف غالبًا بأنه استقرار “مالي” لا ينعكس تلقائيًا على فرص العمل؛ إذ تُذكر بطالة 8% بوصفها عاملًا يغذي الغضب الشعبي الذي تستثمره المعارضة.
وعلى خطٍ موازٍ، يبقى “الاستقرار المالي” نفسه عرضة للاهتزاز إن تعاظمت كلفة الأمن والاضطراب، حتى مع وجود برنامج دولي داعم؛ فالمعادلة الاقتصادية هنا لا تنفصل عن فاتورة الأمن، ولا عن كلفة تعطّل الأسواق والخدمات.
خاتمة: باكستان أمام اختبار “التسوية” لا “الضبط”
باكستان _ كما يشي المشهد الراهن _ تواجه شرعية شارعٍ تتحدى سردية الحكم، وشرعية ضرورة تتمسك بها المؤسسة القائمة، في ظل تهديدات مسلحة تنهش الأطراف وتطرق باب المركز. وفي مثل هذه اللحظة، تبدو الواقعية السياسية (التسوية/الاستيعاب) شرطًا لتجنب تحول الدولة إلى كيانٍ مشلول وظيفيًا.
لا تُقرأ باكستان عبر “احتجاجات” أو “تفجيرات” منفصلة، بل عبر كيفية تفاعل الشرعية والسياسة والأمن والاقتصاد عندما تُدار الدولة تحت ضغطٍ متزامن. لذلك، تبقى مراقبة مسارات “الاستيعاب السياسي” مقابل “التغليب الأمني” مؤشرًا حاسمًا لفهم اتجاه الأزمة الباكستانية في عام 2026.
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
باكستان بين احتجاجات المعارضة وتصاعد العنف المسلح
باكستان تواجه أزمة مركّبة تجمع احتجاجات المعارضة، تصاعد العنف المسلح، هشاشة الشرعية، وضغط الاقتصاد والأمن
مدخل
تدخل باكستان عام 2026 على إيقاع أزمة مركّبة تتداخل فيها السياسة بالأمن والاقتصاد. فمن جهة، يتواصل الاستقطاب الحاد حول شرعية الانتخابات وحدود دور المعارضة داخل “النظام الهجين” الذي تتقاطع فيه المؤسسات المنتخبة مع نفوذ المؤسسة العسكرية. ومن جهة ثانية، يتصاعد العنف المسلح _ خصوصًا في الشمال الغربي وبلوشستان _ بما يضع الدولة أمام اختبار مزدوج: ضبط الشارع سياسيًا، واحتواء التدهور الأمني ميدانيًا، بينما تحاول الحكومة تثبيت استقرار اقتصادي هش تحت برامج صندوق النقد الدولي.
اللافت في هذه اللحظة أن الاحتجاجات لا تجري بمعزل عن العنف، بل تتزامن معه وتتداخل دلالاتهما؛ بما يجعل السياسة والأمن وجهين لأزمة حكمٍ واحدة، لا ملفّين منفصلين.
الحدث: إضرابٌ سياسي وجرحٌ أمنيّ مفتوح
في الأحد 8 فبراير/شباط 2026 شهدت المدن الباكستانية الرئيسية حراكًا احتجاجيًا/إضرابًا واسعًا من نمط “تعطيل الحركة/إغلاق الأسواق”، استجابةً لدعوة تحالف “حماية دستور باكستان” (TTAP) المعارض. وبالتوازي، نفّذ حزب حركة الإنصاف الباكستانية (PTI) إضرابًا شاملاً في أنحاء إقليم خيبر بختونخوا وبلوشستان، مع تباينٍ في مستوى الاستجابة بين المدن والأقاليم.
وجاءت هذه التعبئة على خلفية صدمة أمنية: هجومٌ انتحاري في 6 فبراير/شباط 2026 استهدف مسجدًا شيعيًا قرب العاصمة إسلام آباد، وأسفر عن مقتل 31 وإصابة أكثر من 160 شخصًا.
أفادت بعض الوكالات بصدور بيان منسوب لتنظيم داعش الإرهابي تبنّى العملية، ووصف شيعة باكستان بأنهم “مستودع بشري” يوفّر مجندين لميليشيات شيعية تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. ويُفهم من هذا التوصيف أن المقصود هو فصيل “زينبيون” الباكستاني الذي يقاتل نيابة عن إيران.
غير أنّ المفارقة – وفق ما اطلعتنا مصادر محلية – أن مجمع خديجة الكبرى الذي وقع فيه الانفجار يُنسب إلى جماعة حامد الموسوي، وهو شخصية عُرفت بكونها وكيلًا للسيد أبو القاسم الخوئي (1899–1992)، أحد أبرز مراجع الحوزة النجفية في القرن العشرين، بما يعني ارتباط المجمع بخطّ الحوزة النجفية التقليدي. وهذا الخط يختلف تاريخيًا عن التيار الذي مثّله عارف حسين الحسيني، ثم من بعده ساجد علي نقوي، بوصفه يتبع ولاية الفقيه الإيرانية.
وفي المقابل، شهد إقليم بلوشستان _ بوصفه ساحة التصعيد الأثقل _ موجات هجمات منسّقة وعمليات عسكرية واسعة ضد جماعات انفصالية، قُدّمت في بعض التغطيات بوصفها من أكبر موجات التصعيد في الإقليم منذ سنوات.
خلفيات الحدث: شرعيةٌ مأزومة واستقطابٌ طويل النفس
تتغذّى احتجاجات 8 فبراير/شباط 2026 من سرديةٍ معارضة تعتبر انتخابات 2024 “مزورة” وأن التفويض “سُرق”، وبماء عليه تشكلت حكومة تحالفية بقيادة حزب الرابطة الإسلامية الباكستاني (PML-N). وهو ما يجعل التاريخ مناسبةً لإعادة إنتاج النزاع على الشرعية، لا مجرد تحرّكٍ رمزي.
ويتصل تصاعد الاحتقان بسجن عمران خان وصدور حكمٍ بالسجن 14 عامًا عليه في يناير/كانون الثاني 2025 بتهم فساد، بما شكّل نقطةً مركزية لتعبئة أنصار حركة إنصاف (PTI).
كما أن “الاغتراب السياسي” الذي أصاب قاعدة شعبية واسعة _ أثر نهج “الإقصاء السياسي” الذي تتهم المعارضةُ السلطةَ باتباعه ضد حزب عمران خان _ حوّل الحزب من منافسٍ على رئاسة الحكومة إلى قوة احتجاجية مستمرة، تُعقّد تنفيذ الإصلاحات الهيكلية وتُبقي الشارع في حالة تعبئة مفتوحة.
التحليل: كيف يغذّي السياسيُّ الأمنيَّ، والعكس؟
أولًا: اقتصاد الاحتجاج كأداة ضغط
حين يتحوّل الاحتجاج إلى تعطيلٍ للحركة والأسواق، تصبح كلفة الأزمة محسوسة
يوميًا، وتتوسع المعركة من منافسة انتخابية إلى اختبارٍ لقدرة الدولة على إدارة الاقتصاد والخدمات في ظل اضطراب الشارع.
ثانيًا: بلوشستان، “حرب استنزاف” لا تهدأ
ترسم مصادر مختلفة صورة “جبهات مفتوحة” في بلوشستان: هجمات منسّقة، وردّ عسكري واسع، وتباينات في الأرقام بين الرواية الرسمية ومصادر محلية، تقابلها ادعاءات مضادة من جماعات مسلحة. كما يرد في الإعلام أن الجماعات الانفصالية _ ومنها جيش تحرير بلوشستان وكيانات أخرى _ تستهدف قطاعات النقل والبنى الحيوية، في سياق تهميشٍ اقتصادي وسياسي مزمن في الإقليم.
ثالثًا: الشمال الغربي وتمدد الفاعلين العابرين للحدود
تشكل طالبان باكستان (TTP) عامل ضغط مستمر في الشمال الغربي، يرتبط بتوتر العلاقة بين إسلام آباد وكابول، وببيئة حدودية تسمح _ وفق سرديات متعددة _ باستمرار “ملاذات” أو حركة عابرة للحدود.
إلى جانب ذلك، تحضر ولاية خراسان كتهديد أقل مقارنة بطالبان والانفصاليين، لكنه يظل جزءًا من صورة الانفلات الأمني المتعدد المصادر.
رابعًا: رسالة استهداف العاصمة
تذهب بعض المقاربات إلى أن ضرب هدفٍ ديني في محيط العاصمة يحمل معنى رمزيًا: التهديد لم يعد محصورًا في الأطراف، وأن اختراق “المركز” يعيد ترتيب الأولويات على حساب السياسة لصالح منطق الأمن.
خامسًا: تغليب “منطق الأمن” على “منطق السياسة”
في لحظة يشكك فيها الشارع بالشرعية، تميل الدولة _ بحكم الضرورة _ إلى تغليب الأمن: تشديد الإجراءات، توسيع العمليات، وربما تضييق المجال العام. وهو مسارٌ تُلمح إليه طريقة ربط التغطيات بين الاحتجاجات وبين الاستجابة الأمنية القصوى في بلوشستان ومحيط العاصمة.
دلالات الحدث السياسية: نظامٌ هشّ ومعارضة خارج “الاستيعاب”
أ) هشاشة الاستيعاب الديمقراطي
قد تكشف الاحتجاجات المتزايدة هشاشة النظام السياسي وعجزه عن استيعاب المعارضة ضمن آليات ديمقراطية مستقرة، ما يرفع منسوب الاستقطاب ويقلل فرص التسوية السلسة.
ب) “الشرعية” وقودًا للّاعقلانية السياسية
تنازع السرديات حول “من يملك التفويض” يجعل أي خرق أمني مادةً لتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات، بما يرفع قابلية القرار السياسي للاندفاع أو الإفراط في المقاربة الأمنية.
ج) البعد الحقوقي والإعلامي كعامل ضغط
تنقل مصادر إعلامية كثيرة انتقاداتٍ تتعلق بقمع المعارضة وتقييد الإعلام، مع الاستناد إلى تقارير منظمات حقوقية دولية مثل هيومن رايتس ووتش، بوصفها جزءًا من السياق الذي يفاقم الاحتقان الداخلي ويزيد الحساسية الخارجية تجاه سلوك الدولة.
سيناريوهات محتملة داخل “اللاحسم”
يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية لمآلات المشهد:
- استمرار الوضع الراهن (اللاحسم المزدوج):
احتجاجات متقطعة لا تُسقط الحكومة، وعمليات أمنية كثيفة لا تحسم التمرد نهائيًا؛ بما يُبقي البلاد في حالة “لا حرب ولا سلم” سياسيًا وأمنيًا.
- تصعيد محسوب:
توسع الاحتجاجات إذا استمرت الاعتقالات والقمع، مع خطر تداخل المطالب المدنية مع حساسية بلوشستان، بما يدفع نحو مزيد من العسكرة بدل المعالجة السياسية.
- اختراق أمني كبير يعيد ترتيب الأولويات:
استمرار الهجمات المنسقة في بلوشستان أو توسيع نطاق الاستهداف قد يفضي إلى تشديد أمني واسع، وكلفة اقتصادية إضافية، وتعطل في النقل والخدمات.
الاقتصاد كقيدٍ على القرار: “استقرار مالي” لا يكفي
حصلت الحكومة على تسهيلات ائتمانية من صندوق النقد الدولي بقيمة 7 مليارات دولار، مع توقعات بارتفاع معدل التضخم إلى 6% في السنة المالية 2026. غير أن ذلك يوصف غالبًا بأنه استقرار “مالي” لا ينعكس تلقائيًا على فرص العمل؛ إذ تُذكر بطالة 8% بوصفها عاملًا يغذي الغضب الشعبي الذي تستثمره المعارضة.
وعلى خطٍ موازٍ، يبقى “الاستقرار المالي” نفسه عرضة للاهتزاز إن تعاظمت كلفة الأمن والاضطراب، حتى مع وجود برنامج دولي داعم؛ فالمعادلة الاقتصادية هنا لا تنفصل عن فاتورة الأمن، ولا عن كلفة تعطّل الأسواق والخدمات.
خاتمة: باكستان أمام اختبار “التسوية” لا “الضبط”
باكستان _ كما يشي المشهد الراهن _ تواجه شرعية شارعٍ تتحدى سردية الحكم، وشرعية ضرورة تتمسك بها المؤسسة القائمة، في ظل تهديدات مسلحة تنهش الأطراف وتطرق باب المركز. وفي مثل هذه اللحظة، تبدو الواقعية السياسية (التسوية/الاستيعاب) شرطًا لتجنب تحول الدولة إلى كيانٍ مشلول وظيفيًا.
لا تُقرأ باكستان عبر “احتجاجات” أو “تفجيرات” منفصلة، بل عبر كيفية تفاعل الشرعية والسياسة والأمن والاقتصاد عندما تُدار الدولة تحت ضغطٍ متزامن. لذلك، تبقى مراقبة مسارات “الاستيعاب السياسي” مقابل “التغليب الأمني” مؤشرًا حاسمًا لفهم اتجاه الأزمة الباكستانية في عام 2026.
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025



