ما وراء ثنائية الخيانة والقداسة: حين يختطف الخطاب الاستقطابي مستقبل العراق

يقوّض الاستقطاب بين القداسة والتخوين السياسة العراقية، ويعطل بناء الدولة، فيما تفتح الواقعية باب المصالح والمساءلة والإصلاح الوطني المؤسسي الجامع

 

مقدمة: فرضية الانسداد الثقافي

يعيش العقل السياسي العراقي، منذ عام 2003، داخل قفص لغوي خانق، تحكمه ثنائية حادة لا تعترف بالمساحات الرمادية: إما “القداسة” المطلقة لفاعل سياسي أو أيديولوجي، أو “الخيانة” الكاملة لكل من يختلف معه. هذه الثنائية لم تعد مجرد توصيف خطابـي، بل تحولت إلى آلية ضبط سياسي واجتماعي، تُفرغ السياسة من مضمونها البرامجي، وتختزلها في صراع أخلاقي مطلق بين “نحن” و”هم”.

الفرضية التي ينطلق منها هذا المقال هي أن استمرار العراق في أسر هذه الثنائية لم يعد مجرد خلل ثقافي، بل بات عائقًا بنيويًا أمام بناء دولة قابلة للحياة، وضبط العلاقة “الضبابية” مع المجتمع الدولي، وفتح المجال أمام سياسات واقعية تقوم على المصالح لا على التعبئة.

كيف تشكّلت ثنائية الخيانة والقداسة؟

أولًا: المحاصصة والطائفية بوصفهما بنية سياسية

لم تُولد هذه الثنائية في فراغ، بل تشكّلت ضمن نظام سياسي بُني بعد 2003 على أسس محاصصاتية. يشير تقرير نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن النظام السياسي العراقي بعد 2003 “ركّز على إيجاد ممثلين طائفيين أكثر من تركيزه على التغلّب على الانقسامات الطائفية”، مؤكدًا أن “الطائفية مستحكمة في القواعد والممارسات الخاصة بالعملية السياسية”.

وفي السياق ذاته، كتب عبد الإله بلقزيز أن “تكريس صيغة المحاصصة الطائفية” لم يكن مجرد ترتيب إداري، بل “تمرِينًا سياسيًا ونفسيًا للمجتمع ليتقبل صيغة نظام يجري تركيبه بعناية بالتساوق مع تفكيك بقايا الدولة الجامعة، وبقايا النسيج الاجتماعي الموحد”.

بهذا المعنى، لم تعد السياسة ساحة تنافس برامج، بل صراع هويات مغلقة، تُستدعى فيها القداسة لحماية السلطة، ويُستخدم التخوين لإقصاء المختلف.

ثانيًا: الانتخابات وخطاب الاستقطاب

تتجلى هذه الثنائية بوضوح في المواسم الانتخابية. ففي تقرير لصحيفة “العربي الجديد”

عن انتخابات العراق 2025، نُقل عن سكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي قوله إن “الطائفية هي شعارات مجانية تستخدمها الأحزاب قبل كل انتخابات وأثناء توزيع المناصب من أجل ابتزاز السلطة والتلاعب بمشاعر العراقيين لتحقيق مصالح وغايات ومكاسب”، مضيفًا: “لم نشهد أي برامج سياسية وتنموية، بل شهدنا تهديدات وتوعداً للخصوم”.

في هذا السياق، تكاثرت حالات استغلال المرجعية الدينية والرموز المقدسة في الصراعات الانتخابية، ما يعكس كيف تتحول “القداسة” إلى أداة تعبئة سياسية، لا إلى قيمة أخلاقية جامعة.

لماذا تستمر هذه الثنائية؟

أولًا: الاستثمار السياسي في الاستقطاب

تستفيد النخب الحاكمة من استمرار هذه الثنائية لأنها تعفيها من المحاسبة البرامجية. فكلما اشتد الاستقطاب، تراجعت الأسئلة المتعلقة بالأداء والخدمات والسياسات العامة. تشير دراسة منشورة في كارنيغي إلى أن “الإقصاء السياسي المتراكم” كان من أهم أسباب الأزمة الطائفية في العراق، وهو ما جعل الانقسام موردًا للسلطة لا عبئًا عليها.

كما ذكرت مجلة “المجلة” أن “القوى السياسية لا تريد أن تقدم نفسها بعناوينها الحزبية، وإنما تريد الإبقاء على عناوين تجمع المكونات”، مؤكدة أن “الإبقاء على المجتمع منقسماً هو الفرصة الوحيدة لضمان تجديد بقائها في السلطة”.

ثانيًا: غياب البدائل الفكرية

في مراجعة نقدية نشرها موقع “عربي21” لكتاب حول الشعبوية العربية، أُشير إلى أن العالم العربي عاش على “سرديات كبرى: القومية، الاشتراكية، الدولة الوطنية، ثم لاحقاً الإسلام السياسي”، تآكلت مع الزمن، دون أن يظهر بديل فكري متماسك، ما خلق “فراغًا رمزيًا عميقًا” استُبدل بخطاب تبسيطي يستند إلى ثنائيات أخلاقية حادة.

هذا الفراغ سهّل اختزال التعقيد السياسي في صراع بين “الخير المقدس” و”الشر الخائن”، وأقصى أي نقاش عقلاني حول السياسات العامة.

ثالثًا: ضعف الثقافة الديمقراطية والخطاب الشعبوي

يشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن “الحالة المتشظية للسياسة العراقية واضحة في مختلف أشكال الخطاب السياسي”، وهو ما يعكس ضعف المؤسسات الديمقراطية

وغياب ثقافة الاختلاف المؤسسي.

ويحذّر عبدالرزاق محمد الدليمي من أن الخطاب الشعبوي لم يعد حكرًا على العامة، بل بات “يستقطب النخب المتعلمة والمثقفة”، مؤديًا إلى “تراجع العقلانية، وترويج الأوهام، والتحريض على العنف”.

ثنائية الخيانة والقداسة كآلية ضبط اجتماعي

ليست هذه الثنائية مجرد لغة سياسية، بل آلية تضبط المجال العام. حين يُقدَّس الفاعل السياسي، يُعفى من المساءلة، وحين يُخوَّن المختلف، يُقصى من النقاش. بهذه الطريقة، يُغلق المجال السياسي قبل أن يبدأ.

في التجربة العراقية، استُخدمت “القداسة” لتبرير الفشل، و”الخيانة” لإسكات النقد. هذا النمط لا يخص تيارًا واحدًا، بل يكاد يكون عابرًا للهويات، ما يجعله أخطر: لأنه يُلبس الصراع السياسي لبوسًا أخلاقيًا مطلقًا، ويمنع أي حلول وسط.

المتغيرات داخل “البيت الشيعي” وتكيف الفصائل

تشير تحليلات حديثة إلى أن المشهد العراقي يتجه نحو إعادة صياغة داخلية داخل “البيت الشيعي”. فبينما تسعى الحكومة لتعزيز دور الدولة، تظهر مؤشرات على رغبة الفصائل المسلحة في “التكيف” مع النظام السياسي لضمان بقائها في الصدارة، في ظل مراجعة العلاقة مع واشنطن عبر “اللجنة العسكرية العليا” لإنهاء مهمة التحالف الدولي.

هذا التحول يفرض ضرورة الانتقال من منطق “الصدام” إلى منطق “المصالح”. إن الاستمرار في النظر إلى العلاقة مع الخارج، وخصوصًا الولايات المتحدة، من منظور “العمالة” أو “المقاومة المطلقة” يحرم العراق من استثمار توازنات القوة الدولية لصالح شعبه.

السيادة المرنة والاستقلالية الواقعية

في هذا السياق، يبرز مفهوم “السيادة المرنة” بوصفه مدخلًا عمليًا لكسر الثنائية. السيادة هنا لا تعني الانغلاق أو القطيعة، بل “قدرة الدولة على اتخاذ قرارات تخدم أمنها القومي دون الانعزال عن المنظومة الدولية”.

كما أن “الاستقلالية الواقعية” تسمح للعراق بأن يكون “صديقًا للجميع دون أن يكون تابعًا لأحد”، وهي فكرة ضرورية لتجنب الانزلاق في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه.

اغتراب القوى العلمانية والمدنية

رغم الحراكات الاحتجاجية، وعلى رأسها احتجاجات تشرين 2019 التي طالبت بإستعادة “الوطن” وبإنهاء المحاصصة والفساد، لا تزال النخب العلمانية والمدنية تعاني من “الاغتراب” بسبب ضيق مساحة التأثير في مراكز صنع القرار.

إن كسر ثنائية الخيانة والقداسة هو الممر الإلزامي لعودة هذه القوى. عندما ننتقل من نقاش “الهويات” إلى نقاش “السياسات”، يصبح للمثقف دور في تقديم حلول تقنية وقانونية، بدل الاكتفاء بدور الشاهد أو الضحية.

خاتمة: نحو وعي سياسي جديد

ثنائية الخيانة والقداسة ليست قدرًا محتومًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا تمارسه نخب تستفيد من الاستقطاب. الخروج من هذه الثنائية يتطلب:

أولًا، بناء ثقافة سياسية تقوم على النقد البنّاء والمحاسبة البرامجية، لا على الولاء الأعمى أو التخوين.

ثانيًا، تطوير خطاب وطني جامع يتجاوز الهويات الفرعية دون إلغائها، ويضع مصلحة العراق فوق مصالح المكونات.

ثالثًا، تعزيز مؤسسات ديمقراطية حقيقية تضمن التنافس بين البرامج لا بين الهويات.

رابعًا، مقاومة التبسيط الشعبوي الذي يختزل السياسة في معارك أخلاقية.

السؤال اليوم ليس: من الخائن ومن المقدّس؟

بل: ما السياسات التي تُنتج دولة قابلة للحياة؟

إن “الواقعية السياسية” ليست تنازلًا عن المبادئ، بل الأداة الوحيدة لحماية ما تبقى من كيان الدولة. أما الاستمرار في سجن المجتمع بين “مقدس” لا يقبل النقد و”خائن” لا يُسمع صوته، فلن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الفشل ذاته، بأسماء وشعارات جديدة.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

ما وراء ثنائية الخيانة والقداسة: حين يختطف الخطاب الاستقطابي مستقبل العراق

يقوّض الاستقطاب بين القداسة والتخوين السياسة العراقية، ويعطل بناء الدولة، فيما تفتح الواقعية باب المصالح والمساءلة والإصلاح الوطني المؤسسي الجامع

 

مقدمة: فرضية الانسداد الثقافي

يعيش العقل السياسي العراقي، منذ عام 2003، داخل قفص لغوي خانق، تحكمه ثنائية حادة لا تعترف بالمساحات الرمادية: إما “القداسة” المطلقة لفاعل سياسي أو أيديولوجي، أو “الخيانة” الكاملة لكل من يختلف معه. هذه الثنائية لم تعد مجرد توصيف خطابـي، بل تحولت إلى آلية ضبط سياسي واجتماعي، تُفرغ السياسة من مضمونها البرامجي، وتختزلها في صراع أخلاقي مطلق بين “نحن” و”هم”.

الفرضية التي ينطلق منها هذا المقال هي أن استمرار العراق في أسر هذه الثنائية لم يعد مجرد خلل ثقافي، بل بات عائقًا بنيويًا أمام بناء دولة قابلة للحياة، وضبط العلاقة “الضبابية” مع المجتمع الدولي، وفتح المجال أمام سياسات واقعية تقوم على المصالح لا على التعبئة.

كيف تشكّلت ثنائية الخيانة والقداسة؟

أولًا: المحاصصة والطائفية بوصفهما بنية سياسية

لم تُولد هذه الثنائية في فراغ، بل تشكّلت ضمن نظام سياسي بُني بعد 2003 على أسس محاصصاتية. يشير تقرير نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي إلى أن النظام السياسي العراقي بعد 2003 “ركّز على إيجاد ممثلين طائفيين أكثر من تركيزه على التغلّب على الانقسامات الطائفية”، مؤكدًا أن “الطائفية مستحكمة في القواعد والممارسات الخاصة بالعملية السياسية”.

وفي السياق ذاته، كتب عبد الإله بلقزيز أن “تكريس صيغة المحاصصة الطائفية” لم يكن مجرد ترتيب إداري، بل “تمرِينًا سياسيًا ونفسيًا للمجتمع ليتقبل صيغة نظام يجري تركيبه بعناية بالتساوق مع تفكيك بقايا الدولة الجامعة، وبقايا النسيج الاجتماعي الموحد”.

بهذا المعنى، لم تعد السياسة ساحة تنافس برامج، بل صراع هويات مغلقة، تُستدعى فيها القداسة لحماية السلطة، ويُستخدم التخوين لإقصاء المختلف.

ثانيًا: الانتخابات وخطاب الاستقطاب

تتجلى هذه الثنائية بوضوح في المواسم الانتخابية. ففي تقرير لصحيفة “العربي الجديد”

عن انتخابات العراق 2025، نُقل عن سكرتير الحزب الشيوعي العراقي رائد فهمي قوله إن “الطائفية هي شعارات مجانية تستخدمها الأحزاب قبل كل انتخابات وأثناء توزيع المناصب من أجل ابتزاز السلطة والتلاعب بمشاعر العراقيين لتحقيق مصالح وغايات ومكاسب”، مضيفًا: “لم نشهد أي برامج سياسية وتنموية، بل شهدنا تهديدات وتوعداً للخصوم”.

في هذا السياق، تكاثرت حالات استغلال المرجعية الدينية والرموز المقدسة في الصراعات الانتخابية، ما يعكس كيف تتحول “القداسة” إلى أداة تعبئة سياسية، لا إلى قيمة أخلاقية جامعة.

لماذا تستمر هذه الثنائية؟

أولًا: الاستثمار السياسي في الاستقطاب

تستفيد النخب الحاكمة من استمرار هذه الثنائية لأنها تعفيها من المحاسبة البرامجية. فكلما اشتد الاستقطاب، تراجعت الأسئلة المتعلقة بالأداء والخدمات والسياسات العامة. تشير دراسة منشورة في كارنيغي إلى أن “الإقصاء السياسي المتراكم” كان من أهم أسباب الأزمة الطائفية في العراق، وهو ما جعل الانقسام موردًا للسلطة لا عبئًا عليها.

كما ذكرت مجلة “المجلة” أن “القوى السياسية لا تريد أن تقدم نفسها بعناوينها الحزبية، وإنما تريد الإبقاء على عناوين تجمع المكونات”، مؤكدة أن “الإبقاء على المجتمع منقسماً هو الفرصة الوحيدة لضمان تجديد بقائها في السلطة”.

ثانيًا: غياب البدائل الفكرية

في مراجعة نقدية نشرها موقع “عربي21” لكتاب حول الشعبوية العربية، أُشير إلى أن العالم العربي عاش على “سرديات كبرى: القومية، الاشتراكية، الدولة الوطنية، ثم لاحقاً الإسلام السياسي”، تآكلت مع الزمن، دون أن يظهر بديل فكري متماسك، ما خلق “فراغًا رمزيًا عميقًا” استُبدل بخطاب تبسيطي يستند إلى ثنائيات أخلاقية حادة.

هذا الفراغ سهّل اختزال التعقيد السياسي في صراع بين “الخير المقدس” و”الشر الخائن”، وأقصى أي نقاش عقلاني حول السياسات العامة.

ثالثًا: ضعف الثقافة الديمقراطية والخطاب الشعبوي

يشير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن “الحالة المتشظية للسياسة العراقية واضحة في مختلف أشكال الخطاب السياسي”، وهو ما يعكس ضعف المؤسسات الديمقراطية

وغياب ثقافة الاختلاف المؤسسي.

ويحذّر عبدالرزاق محمد الدليمي من أن الخطاب الشعبوي لم يعد حكرًا على العامة، بل بات “يستقطب النخب المتعلمة والمثقفة”، مؤديًا إلى “تراجع العقلانية، وترويج الأوهام، والتحريض على العنف”.

ثنائية الخيانة والقداسة كآلية ضبط اجتماعي

ليست هذه الثنائية مجرد لغة سياسية، بل آلية تضبط المجال العام. حين يُقدَّس الفاعل السياسي، يُعفى من المساءلة، وحين يُخوَّن المختلف، يُقصى من النقاش. بهذه الطريقة، يُغلق المجال السياسي قبل أن يبدأ.

في التجربة العراقية، استُخدمت “القداسة” لتبرير الفشل، و”الخيانة” لإسكات النقد. هذا النمط لا يخص تيارًا واحدًا، بل يكاد يكون عابرًا للهويات، ما يجعله أخطر: لأنه يُلبس الصراع السياسي لبوسًا أخلاقيًا مطلقًا، ويمنع أي حلول وسط.

المتغيرات داخل “البيت الشيعي” وتكيف الفصائل

تشير تحليلات حديثة إلى أن المشهد العراقي يتجه نحو إعادة صياغة داخلية داخل “البيت الشيعي”. فبينما تسعى الحكومة لتعزيز دور الدولة، تظهر مؤشرات على رغبة الفصائل المسلحة في “التكيف” مع النظام السياسي لضمان بقائها في الصدارة، في ظل مراجعة العلاقة مع واشنطن عبر “اللجنة العسكرية العليا” لإنهاء مهمة التحالف الدولي.

هذا التحول يفرض ضرورة الانتقال من منطق “الصدام” إلى منطق “المصالح”. إن الاستمرار في النظر إلى العلاقة مع الخارج، وخصوصًا الولايات المتحدة، من منظور “العمالة” أو “المقاومة المطلقة” يحرم العراق من استثمار توازنات القوة الدولية لصالح شعبه.

السيادة المرنة والاستقلالية الواقعية

في هذا السياق، يبرز مفهوم “السيادة المرنة” بوصفه مدخلًا عمليًا لكسر الثنائية. السيادة هنا لا تعني الانغلاق أو القطيعة، بل “قدرة الدولة على اتخاذ قرارات تخدم أمنها القومي دون الانعزال عن المنظومة الدولية”.

كما أن “الاستقلالية الواقعية” تسمح للعراق بأن يكون “صديقًا للجميع دون أن يكون تابعًا لأحد”، وهي فكرة ضرورية لتجنب الانزلاق في صراعات إقليمية لا تخدم مصالحه.

اغتراب القوى العلمانية والمدنية

رغم الحراكات الاحتجاجية، وعلى رأسها احتجاجات تشرين 2019 التي طالبت بإستعادة “الوطن” وبإنهاء المحاصصة والفساد، لا تزال النخب العلمانية والمدنية تعاني من “الاغتراب” بسبب ضيق مساحة التأثير في مراكز صنع القرار.

إن كسر ثنائية الخيانة والقداسة هو الممر الإلزامي لعودة هذه القوى. عندما ننتقل من نقاش “الهويات” إلى نقاش “السياسات”، يصبح للمثقف دور في تقديم حلول تقنية وقانونية، بدل الاكتفاء بدور الشاهد أو الضحية.

خاتمة: نحو وعي سياسي جديد

ثنائية الخيانة والقداسة ليست قدرًا محتومًا، بل خيارًا سياسيًا واعيًا تمارسه نخب تستفيد من الاستقطاب. الخروج من هذه الثنائية يتطلب:

أولًا، بناء ثقافة سياسية تقوم على النقد البنّاء والمحاسبة البرامجية، لا على الولاء الأعمى أو التخوين.

ثانيًا، تطوير خطاب وطني جامع يتجاوز الهويات الفرعية دون إلغائها، ويضع مصلحة العراق فوق مصالح المكونات.

ثالثًا، تعزيز مؤسسات ديمقراطية حقيقية تضمن التنافس بين البرامج لا بين الهويات.

رابعًا، مقاومة التبسيط الشعبوي الذي يختزل السياسة في معارك أخلاقية.

السؤال اليوم ليس: من الخائن ومن المقدّس؟

بل: ما السياسات التي تُنتج دولة قابلة للحياة؟

إن “الواقعية السياسية” ليست تنازلًا عن المبادئ، بل الأداة الوحيدة لحماية ما تبقى من كيان الدولة. أما الاستمرار في سجن المجتمع بين “مقدس” لا يقبل النقد و”خائن” لا يُسمع صوته، فلن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الفشل ذاته، بأسماء وشعارات جديدة.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025