وزارة الوحدة الوطنية… مدخل عراقي لعقد اجتماعي جديد

ثقة العراقيين بالدولة تتآكل، ولا عقد اجتماعي جديد بلا مؤسسة تتجاوز المحاصصة وتحول الحوار الوطني إلى إصلاحات ملزمة وتدريجية فعالة

 

ملخص تنفيذي

لم تعد أزمة الدولة في العراق مقتصرة على جوانب الخدمات أو كفاءة الإدارة، بل باتت أزمة أعمق تتعلق بالمعنى والوظيفة ومستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات. وتُظهر أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول “إعادة تخيّل العقد الاجتماعي في العراق” (2022) أن العلاقة بين العراقيين والدولة تتسم بانعدام اليقين وتآكل الثقة وتوقع الفشل، نتيجة تراكمات الفساد وضعف الحوكمة واستمرار نظام المحاصصة. كما تشير دراسات المعهد الألماني للتنمية والاستدامة إلى أن إعادة التفاوض على العقد الاجتماعي في البيئات الهشّة تتطلب وجود نقطة ارتكاز مؤسسية تدير الحوار وتحوّل مخرجاته إلى التزامات قابلة للتطبيق.

في هذا السياق، تطرح الورقة إنشاء “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي” كإطار مؤسسي يتولى إدارة الحوار الوطني، وإعادة بناء الثقة، وترجمة مطالب المجتمع إلى سياسات ملزمة. ويأتي هذا المقترح في لحظة سياسية حساسة، أعقبت انسدادًا سياسيًا امتد لأشهر، قبل انتخاب رئيس الجمهورية في 11 نيسان/أبريل 2026، وفي ظل استمرار تداعيات العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026.

وترى الورقة أن فاعلية هذا المقترح ترتبط بقدرته على تجاوز منطق المحاصصة، وامتلاك صلاحيات تنفيذية واقعية، والعمل ضمن مسار تراكمي طويل الأمد، لا كحل سريع للأزمة. وتخلص إلى أن هذه الوزارة، إذا أُنشئت ضمن شروط محددة، يمكن أن تمثل أداة لإصلاح تدريجي، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى إصلاح بنيوي أوسع في النظام السياسي.

 

توصيف الوضع: أزمة معنى قبل أن تكون أزمة خدمات

لم تعد الدولة، في وعي شريحة واسعة من العراقيين، تُدرك بوصفها إطارًا للحماية والعدالة، بل كمساحة تقاسم وغنيمة تتقاسمها القوى الفاعلة. وفي موازاة ذلك، تراجعت فكرة العراق كرابطة وطنية جامعة، لصالح هويات طائفية أو حزبية أو مناطقية باتت أكثر قدرة على تشكيل أنماط الولاء. وتشير بعض الدراسات إلى أن العقد الذي تشكّل بعد عام 2003 قام على مزيج من الريعية النفطية والمحاصصة الطائفية-الحزبية والزبائنية، ما أفرز علاقة غير متوازنة بين الدولة والمواطن، قوامها انتظار الوظيفة والراتب مقابل القبول الضمني باختلالات بنيوية في نظام الحكم.

وتدعم المؤشرات الرقمية هذا التشخيص؛ إذ يُظهر استطلاع الباروميتر العربي الصادر أواخر عام 2024 ارتفاع مستوى الثقة بالمؤسسة العسكرية إلى 77% وبالشرطة إلى 71%، مقابل بقاء الثقة بالبرلمان عند حدود 21% فقط. كما تتدنى الثقة بالعملية الانتخابية، حيث لم يعتبر سوى 18% من المستطلعين انتخابات عام 2021 حرة ونزيهة.

وتكمن جوهر المعضلة في الفجوة المتسعة بين الثقة بالمؤسسات الأمنية والثقة بالمؤسسات السياسية. فهذه الفجوة تعكس تحول مركز الشرعية من “التمثيل السياسي” إلى “القدرة على الحماية”، وهو تحول يحمل تداعيات مباشرة على استدامة النظام السياسي.

ويتزامن هذا المسار مع ثلاثة متغيرات رئيسة:

  • تآكل نظام المحاصصة بوصفه إطارًا لإدارة السلطة
  • تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على العراق
  • استمرار هشاشة التوافقات السياسية الداخلية

 

الدلالات: الحاجة إلى إطار مؤسسي لإعادة بناء العلاقة

تشير الأدبيات المعاصرة إلى أن إعادة بناء العقد الاجتماعي في الدول الهشّة تتطلب وجود مؤسسة وسيطة قادرة على إدارة الحوار وتحويل مخرجاته إلى سياسات قابلة للتطبيق. وفي الحالة العراقية، تبرز ثلاث حاجات مترابطة:

  1. إطار دائم للحوار الوطني يتجاوز الطابع المؤقت للمؤتمرات
  2. إدارة واعية للذاكرة الوطنية بما يمنع إعادة إنتاج الانقسام
  3. إعادة تعريف الهوية الوطنية عبر سياسات تعليمية ورمزية

وفي هذا السياق، تُظهر دراسات مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن “حكومات الوحدة الوطنية” التي تشكّلت بعد 2003، بما في ذلك حكومة عام 2022، لم تتجاوز في جوهرها إعادة توزيع الحصص تحت شعار الوحدة. ومن هنا، تكتسب التسمية المقترحة، “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي”، دلالة مؤسسية تتجاوز البعد الرمزي؛ إذ تجمع بين مفهومين متكاملين، بما يمنع اختزال الوحدة في خطاب عاطفي، ويمنحها مضمونًا يرتبط بالحقوق والواجبات وقواعد العملية السياسية. فالوحدة، من دون عقد، تبقى شعارًا فضفاضًا، فيما يتحول العقد، من دون وحدة، إلى نص إداري يفتقر إلى قاعدة اجتماعية حاضنة.

 

وزارة بمضمون تأسيسي لا توزيعي

لا يطرح المقترح إنشاء وزارة للمصالحة بالمعنى التقليدي، بل يدعو إلى تأسيس “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي” بوصفها إطارًا مؤسسيًا لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويهدف الجمع بين المفهومين إلى نقل فكرة الوحدة من مستوى الخطاب العاطفي إلى مستوى مؤسسي يستند إلى الحقوق والواجبات وقواعد العمل السياسي.

وتُصنَّف الوزارة كجهة سيادية ترتبط برئيس الوزراء، مع تحصينها من منطق المحاصصة، على أن يقودها وزير توافقي، وتخضع في الوقت ذاته لرقابة برلمانية وإشراف مجلس خبراء مستقل.

تتمحور مهام الوزارة حول أربعة مسارات رئيسية:

أولًا، هندسة عقد اجتماعي جديد عبر حوار وطني مُدار وفق أسس علمية، يحدد التزامات الدولة والمجتمع بشكل واضح.

ثانيًا، بناء سردية وطنية جامعة من خلال مراجعة الخطاب العام والمناهج التعليمية بما يعزز مفهوم دولة المواطنين.

ثالثًا، إدارة الذاكرة الوطنية عبر التوثيق والاعتراف، بهدف تفكيك سرديات الكراهية دون الانزلاق إلى الانتقام أو فرض النسيان.

رابعًا، استعادة الثقة بالمؤسسات من خلال قياس الأثر الاجتماعي للسياسات، وإصدار تقارير إصلاحية دورية بالتنسيق مع الجهات المعنية.

كما تضطلع الوزارة بدور في تمكين المجتمع، عبر بناء شراكات مع العشائر والنقابات والجامعات وشرائح الشباب، بما يدعم الحوار الأهلي ويعزز آليات التسوية السلمية للنزاعات.

 

الصلاحيات المطلوبة

يتطلب أداء هذه المهام منح الوزارة صلاحيات عملية واضحة، تشمل اقتراح القوانين

المرتبطة بالعقد الاجتماعي، وطلب البيانات من المؤسسات الرسمية لقياس العدالة والأثر الاجتماعي، وإدارة صندوق وطني لدعم المبادرات المجتمعية وفق معايير شفافة. كما تشمل هذه الصلاحيات استدعاء الجهات الرسمية إلى جلسات تقييم الأثر الاجتماعي، بما يضمن ربط القرارات الكبرى بتداعياتها على مستويات الثقة والانتماء.

 

المحركات: من المستفيد ومن المتضرر؟

تتباين مواقف الفاعلين الرئيسيين من هذا المسار تبعًا لمصالحهم وحساباتهم السياسية:

القوى الشيعية المهيمنة قد تنظر إلى المشروع بوصفه فرصة لإعادة تجديد شرعيتها أمام قاعدة اجتماعية آخذة في التململ، شرط ألا يمس جوهر توزيع النفوذ. وفي المقابل، قد تسعى بعض أجنحتها إلى احتواء الوزارة وتحويلها إلى واجهة سياسية ناعمة.

أما القوى السنية، فتجد نفسها بين ضغط قواعدها المتضررة من سياسات الإقصاء، وبين مصلحة البقاء ضمن معادلة المحاصصة. وقد تتعامل مع الوزارة كمنصة للمطالبة بضمانات في مجالي الإعمار والعدالة، مع استمرار مخاوفها من أن تتحول إلى إطار لامتصاص المطالب دون ترجمة عملية.

وبالنسبة للقوى الكردية، قد تُقرأ المبادرة كفرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف على أسس تعاقدية أكثر وضوحًا، لكنها قد تُفسَّر أيضًا كمدخل لإعادة فتح ملفات حساسة تتعلق بالموارد والصلاحيات.

في المقابل، سيُبدي بعض الفاعلين المسلحين تحفظًا إزاء مسار قد ينتهي إلى تقليص مصادر شرعيتهم أو نفوذهم.

وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، قد تدعم الأطراف التي تفضّل عراقًا مستقرًا هذا المسار، في حين قد تعمل أطراف أخرى تستفيد من هشاشته على إضعافه أو تفريغه من مضمونه. وفي هذا السياق، يوفر خطاب المرجعية الدينية في النجف، الداعي إلى حصر السلاح بيد الدولة ورفض الانخراط في المحاور الإقليمية، غطاءً شرعيًا محليًا لأي مسار إصلاحي جاد.

 

المخاطر والفرص

تتمثل أبرز المخاطر في احتمال توظيف الوزارة لتقييد المعارضة تحت عنوان “الوحدة الوطنية”، أو نشوء تضارب في الصلاحيات مع مؤسسات قائمة مثل وزارات العدل وحقوق الإنسان والتربية، بما يفضي إلى تضخم بيروقراطي محدود الأثر. كما يبرز خطر إدماج الوزارة في منطق المحاصصة ذاته، عبر توزيع مناصبها الداخلية وفق التوازنات السياسية التي أسهمت في فشل العقد السابق.

في المقابل، يتيح هذا المقترح فرصة تأسيس إطار مؤسسي مستدام للحوار الوطني، يوفّر مساحات آمنة للتعبير ويعزز إدارة الخلافات بوسائل سلمية. كما يمكن أن يسهم في بناء قاعدة معرفية حول خرائط الثقة والذاكرة في العراق، تُوظف في تصميم السياسات العامة. وعلى مستوى الخطاب، يفتح المجال لإعادة تعريف “العراقي” في السردية الرسمية بوصفه مواطنًا شريكًا في الدولة، لا تابعًا لهوية فرعية أو زبونًا لدى السلطة.

 

السيناريوهات

السيناريو المرجّح: أداة إصلاح تدريجي بطيء

تنشأ الوزارة ضمن تسوية سياسية لا تُنهي نظام المحاصصة، لكنها تمنحها هامشًا نسبيًا من الاستقلالية. وفي هذا الإطار، تُطلق حوارات محلية وقطاعية، وتُنتج وثائق مرجعية. ويتقاطع هذا المسار مع ما تصفه أدبيات المعهد الألماني للتنمية والاستدامة بـ”الإصلاح التدريجي القائم على استثمار الفرص المتاحة” في البيئات الهشّة.

السيناريو الأضعف: منصّة لإعادة التفاوض

في هذا السيناريو، تتقاطع مصالح عدد كافٍ من الفاعلين لدعم مسار إصلاحي فعلي، ما يتيح تحصين الوزارة من الاختراق الحزبي ومنحها صلاحيات أوضح، لا سيما في مجالي اقتراح القوانين وإدارة الحوار الوطني. ونتيجة لذلك، تتحول إلى مساحة مؤسسية لإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية، بما يشمل مراجعة قوانين الأحزاب والانتخابات والإدارة المحلية.

السيناريو الكارثي: أداة تجميل لنظام مأزوم

يتم إنشاء الوزارة كجزء من حزمة علاقات عامة، مع تعيين وزير ذي انتماء حزبي واضح، وتفريغها من صلاحياتها الفعلية. ولا يقتصر الأثر هنا على حالة الجمود، بل يمتد إلى رفع كلفة أي محاولة إصلاح لاحقة، نتيجة استهلاك المفاهيم المرتبطة بها ـ مثل العقد الاجتماعي والوحدة الوطنية والذاكرة ـ وفقدانها مصداقيتها في الوعي العام.

 

الخلاصة

تُظهر لحظة نيسان 2026 تداخل ثلاثة مسارات ضاغطة: إنهاك داخلي متراكم لنظام المحاصصة، وأزمة إقليمية متصاعدة، إلى جانب ضغط أمريكي غير مسبوق على الحكومة العراقية. وقراءة هذه اللحظة بوصفها مجرد أزمة تشكيل حكومة، تغفل طبيعتها الأعمق بوصفها لحظة إعادة تعريف للدولة العراقية.

في هذا السياق، يبرز مقترح “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي” كإطار محتمل للانتقال، شرط أن يُفهم بوصفه منصة تأسيسية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا كآلية جديدة لإعادة توزيع الحصص. وعندها، يمكن أن يشكّل هذا المسار مدخلًا تدريجيًا نحو عقد اجتماعي جديد، يقوم على المواطنة بدل الانتماءات الفرعية، ويستند إلى مقاربتي الاستقلالية المرنة والسيادة المرنة في إدارة العلاقة مع الداخل والخارج.

غير أن استعادة الدولة لا تتحقق عبر أدوات القوة أو النصوص القانونية وحدها، بل عبر إعادة بناء الثقة على أساس عملي، يُقنع المواطن بأن وجود الدولة يرتبط بحماية كرامته وتعزيز موقعه، لا بإعادة إنتاج أشكال الإخضاع.

ويتوقف نجاح هذه المبادرة على ثلاثة شروط حاسمة: تحييدها النسبي عن منطق المحاصصة، ومنحها صلاحيات واقعية قابلة للتنفيذ، وإدماجها ضمن مسار إصلاحي أشمل. وفي غياب هذه الشروط، قد تتحول من فرصة لإعادة التأسيس إلى أداة إضافية لإعادة إنتاج الأزمة.

 

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

وزارة الوحدة الوطنية… مدخل عراقي لعقد اجتماعي جديد

ثقة العراقيين بالدولة تتآكل، ولا عقد اجتماعي جديد بلا مؤسسة تتجاوز المحاصصة وتحول الحوار الوطني إلى إصلاحات ملزمة وتدريجية فعالة

 

ملخص تنفيذي

لم تعد أزمة الدولة في العراق مقتصرة على جوانب الخدمات أو كفاءة الإدارة، بل باتت أزمة أعمق تتعلق بالمعنى والوظيفة ومستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات. وتُظهر أدبيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول “إعادة تخيّل العقد الاجتماعي في العراق” (2022) أن العلاقة بين العراقيين والدولة تتسم بانعدام اليقين وتآكل الثقة وتوقع الفشل، نتيجة تراكمات الفساد وضعف الحوكمة واستمرار نظام المحاصصة. كما تشير دراسات المعهد الألماني للتنمية والاستدامة إلى أن إعادة التفاوض على العقد الاجتماعي في البيئات الهشّة تتطلب وجود نقطة ارتكاز مؤسسية تدير الحوار وتحوّل مخرجاته إلى التزامات قابلة للتطبيق.

في هذا السياق، تطرح الورقة إنشاء “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي” كإطار مؤسسي يتولى إدارة الحوار الوطني، وإعادة بناء الثقة، وترجمة مطالب المجتمع إلى سياسات ملزمة. ويأتي هذا المقترح في لحظة سياسية حساسة، أعقبت انسدادًا سياسيًا امتد لأشهر، قبل انتخاب رئيس الجمهورية في 11 نيسان/أبريل 2026، وفي ظل استمرار تداعيات العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 شباط/فبراير 2026.

وترى الورقة أن فاعلية هذا المقترح ترتبط بقدرته على تجاوز منطق المحاصصة، وامتلاك صلاحيات تنفيذية واقعية، والعمل ضمن مسار تراكمي طويل الأمد، لا كحل سريع للأزمة. وتخلص إلى أن هذه الوزارة، إذا أُنشئت ضمن شروط محددة، يمكن أن تمثل أداة لإصلاح تدريجي، لكنها لا تغني عن الحاجة إلى إصلاح بنيوي أوسع في النظام السياسي.

 

توصيف الوضع: أزمة معنى قبل أن تكون أزمة خدمات

لم تعد الدولة، في وعي شريحة واسعة من العراقيين، تُدرك بوصفها إطارًا للحماية والعدالة، بل كمساحة تقاسم وغنيمة تتقاسمها القوى الفاعلة. وفي موازاة ذلك، تراجعت فكرة العراق كرابطة وطنية جامعة، لصالح هويات طائفية أو حزبية أو مناطقية باتت أكثر قدرة على تشكيل أنماط الولاء. وتشير بعض الدراسات إلى أن العقد الذي تشكّل بعد عام 2003 قام على مزيج من الريعية النفطية والمحاصصة الطائفية-الحزبية والزبائنية، ما أفرز علاقة غير متوازنة بين الدولة والمواطن، قوامها انتظار الوظيفة والراتب مقابل القبول الضمني باختلالات بنيوية في نظام الحكم.

وتدعم المؤشرات الرقمية هذا التشخيص؛ إذ يُظهر استطلاع الباروميتر العربي الصادر أواخر عام 2024 ارتفاع مستوى الثقة بالمؤسسة العسكرية إلى 77% وبالشرطة إلى 71%، مقابل بقاء الثقة بالبرلمان عند حدود 21% فقط. كما تتدنى الثقة بالعملية الانتخابية، حيث لم يعتبر سوى 18% من المستطلعين انتخابات عام 2021 حرة ونزيهة.

وتكمن جوهر المعضلة في الفجوة المتسعة بين الثقة بالمؤسسات الأمنية والثقة بالمؤسسات السياسية. فهذه الفجوة تعكس تحول مركز الشرعية من “التمثيل السياسي” إلى “القدرة على الحماية”، وهو تحول يحمل تداعيات مباشرة على استدامة النظام السياسي.

ويتزامن هذا المسار مع ثلاثة متغيرات رئيسة:

  • تآكل نظام المحاصصة بوصفه إطارًا لإدارة السلطة
  • تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية على العراق
  • استمرار هشاشة التوافقات السياسية الداخلية

 

الدلالات: الحاجة إلى إطار مؤسسي لإعادة بناء العلاقة

تشير الأدبيات المعاصرة إلى أن إعادة بناء العقد الاجتماعي في الدول الهشّة تتطلب وجود مؤسسة وسيطة قادرة على إدارة الحوار وتحويل مخرجاته إلى سياسات قابلة للتطبيق. وفي الحالة العراقية، تبرز ثلاث حاجات مترابطة:

  1. إطار دائم للحوار الوطني يتجاوز الطابع المؤقت للمؤتمرات
  2. إدارة واعية للذاكرة الوطنية بما يمنع إعادة إنتاج الانقسام
  3. إعادة تعريف الهوية الوطنية عبر سياسات تعليمية ورمزية

وفي هذا السياق، تُظهر دراسات مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أن “حكومات الوحدة الوطنية” التي تشكّلت بعد 2003، بما في ذلك حكومة عام 2022، لم تتجاوز في جوهرها إعادة توزيع الحصص تحت شعار الوحدة. ومن هنا، تكتسب التسمية المقترحة، “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي”، دلالة مؤسسية تتجاوز البعد الرمزي؛ إذ تجمع بين مفهومين متكاملين، بما يمنع اختزال الوحدة في خطاب عاطفي، ويمنحها مضمونًا يرتبط بالحقوق والواجبات وقواعد العملية السياسية. فالوحدة، من دون عقد، تبقى شعارًا فضفاضًا، فيما يتحول العقد، من دون وحدة، إلى نص إداري يفتقر إلى قاعدة اجتماعية حاضنة.

 

وزارة بمضمون تأسيسي لا توزيعي

لا يطرح المقترح إنشاء وزارة للمصالحة بالمعنى التقليدي، بل يدعو إلى تأسيس “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي” بوصفها إطارًا مؤسسيًا لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويهدف الجمع بين المفهومين إلى نقل فكرة الوحدة من مستوى الخطاب العاطفي إلى مستوى مؤسسي يستند إلى الحقوق والواجبات وقواعد العمل السياسي.

وتُصنَّف الوزارة كجهة سيادية ترتبط برئيس الوزراء، مع تحصينها من منطق المحاصصة، على أن يقودها وزير توافقي، وتخضع في الوقت ذاته لرقابة برلمانية وإشراف مجلس خبراء مستقل.

تتمحور مهام الوزارة حول أربعة مسارات رئيسية:

أولًا، هندسة عقد اجتماعي جديد عبر حوار وطني مُدار وفق أسس علمية، يحدد التزامات الدولة والمجتمع بشكل واضح.

ثانيًا، بناء سردية وطنية جامعة من خلال مراجعة الخطاب العام والمناهج التعليمية بما يعزز مفهوم دولة المواطنين.

ثالثًا، إدارة الذاكرة الوطنية عبر التوثيق والاعتراف، بهدف تفكيك سرديات الكراهية دون الانزلاق إلى الانتقام أو فرض النسيان.

رابعًا، استعادة الثقة بالمؤسسات من خلال قياس الأثر الاجتماعي للسياسات، وإصدار تقارير إصلاحية دورية بالتنسيق مع الجهات المعنية.

كما تضطلع الوزارة بدور في تمكين المجتمع، عبر بناء شراكات مع العشائر والنقابات والجامعات وشرائح الشباب، بما يدعم الحوار الأهلي ويعزز آليات التسوية السلمية للنزاعات.

 

الصلاحيات المطلوبة

يتطلب أداء هذه المهام منح الوزارة صلاحيات عملية واضحة، تشمل اقتراح القوانين

المرتبطة بالعقد الاجتماعي، وطلب البيانات من المؤسسات الرسمية لقياس العدالة والأثر الاجتماعي، وإدارة صندوق وطني لدعم المبادرات المجتمعية وفق معايير شفافة. كما تشمل هذه الصلاحيات استدعاء الجهات الرسمية إلى جلسات تقييم الأثر الاجتماعي، بما يضمن ربط القرارات الكبرى بتداعياتها على مستويات الثقة والانتماء.

 

المحركات: من المستفيد ومن المتضرر؟

تتباين مواقف الفاعلين الرئيسيين من هذا المسار تبعًا لمصالحهم وحساباتهم السياسية:

القوى الشيعية المهيمنة قد تنظر إلى المشروع بوصفه فرصة لإعادة تجديد شرعيتها أمام قاعدة اجتماعية آخذة في التململ، شرط ألا يمس جوهر توزيع النفوذ. وفي المقابل، قد تسعى بعض أجنحتها إلى احتواء الوزارة وتحويلها إلى واجهة سياسية ناعمة.

أما القوى السنية، فتجد نفسها بين ضغط قواعدها المتضررة من سياسات الإقصاء، وبين مصلحة البقاء ضمن معادلة المحاصصة. وقد تتعامل مع الوزارة كمنصة للمطالبة بضمانات في مجالي الإعمار والعدالة، مع استمرار مخاوفها من أن تتحول إلى إطار لامتصاص المطالب دون ترجمة عملية.

وبالنسبة للقوى الكردية، قد تُقرأ المبادرة كفرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأطراف على أسس تعاقدية أكثر وضوحًا، لكنها قد تُفسَّر أيضًا كمدخل لإعادة فتح ملفات حساسة تتعلق بالموارد والصلاحيات.

في المقابل، سيُبدي بعض الفاعلين المسلحين تحفظًا إزاء مسار قد ينتهي إلى تقليص مصادر شرعيتهم أو نفوذهم.

وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، قد تدعم الأطراف التي تفضّل عراقًا مستقرًا هذا المسار، في حين قد تعمل أطراف أخرى تستفيد من هشاشته على إضعافه أو تفريغه من مضمونه. وفي هذا السياق، يوفر خطاب المرجعية الدينية في النجف، الداعي إلى حصر السلاح بيد الدولة ورفض الانخراط في المحاور الإقليمية، غطاءً شرعيًا محليًا لأي مسار إصلاحي جاد.

 

المخاطر والفرص

تتمثل أبرز المخاطر في احتمال توظيف الوزارة لتقييد المعارضة تحت عنوان “الوحدة الوطنية”، أو نشوء تضارب في الصلاحيات مع مؤسسات قائمة مثل وزارات العدل وحقوق الإنسان والتربية، بما يفضي إلى تضخم بيروقراطي محدود الأثر. كما يبرز خطر إدماج الوزارة في منطق المحاصصة ذاته، عبر توزيع مناصبها الداخلية وفق التوازنات السياسية التي أسهمت في فشل العقد السابق.

في المقابل، يتيح هذا المقترح فرصة تأسيس إطار مؤسسي مستدام للحوار الوطني، يوفّر مساحات آمنة للتعبير ويعزز إدارة الخلافات بوسائل سلمية. كما يمكن أن يسهم في بناء قاعدة معرفية حول خرائط الثقة والذاكرة في العراق، تُوظف في تصميم السياسات العامة. وعلى مستوى الخطاب، يفتح المجال لإعادة تعريف “العراقي” في السردية الرسمية بوصفه مواطنًا شريكًا في الدولة، لا تابعًا لهوية فرعية أو زبونًا لدى السلطة.

 

السيناريوهات

السيناريو المرجّح: أداة إصلاح تدريجي بطيء

تنشأ الوزارة ضمن تسوية سياسية لا تُنهي نظام المحاصصة، لكنها تمنحها هامشًا نسبيًا من الاستقلالية. وفي هذا الإطار، تُطلق حوارات محلية وقطاعية، وتُنتج وثائق مرجعية. ويتقاطع هذا المسار مع ما تصفه أدبيات المعهد الألماني للتنمية والاستدامة بـ”الإصلاح التدريجي القائم على استثمار الفرص المتاحة” في البيئات الهشّة.

السيناريو الأضعف: منصّة لإعادة التفاوض

في هذا السيناريو، تتقاطع مصالح عدد كافٍ من الفاعلين لدعم مسار إصلاحي فعلي، ما يتيح تحصين الوزارة من الاختراق الحزبي ومنحها صلاحيات أوضح، لا سيما في مجالي اقتراح القوانين وإدارة الحوار الوطني. ونتيجة لذلك، تتحول إلى مساحة مؤسسية لإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية، بما يشمل مراجعة قوانين الأحزاب والانتخابات والإدارة المحلية.

السيناريو الكارثي: أداة تجميل لنظام مأزوم

يتم إنشاء الوزارة كجزء من حزمة علاقات عامة، مع تعيين وزير ذي انتماء حزبي واضح، وتفريغها من صلاحياتها الفعلية. ولا يقتصر الأثر هنا على حالة الجمود، بل يمتد إلى رفع كلفة أي محاولة إصلاح لاحقة، نتيجة استهلاك المفاهيم المرتبطة بها ـ مثل العقد الاجتماعي والوحدة الوطنية والذاكرة ـ وفقدانها مصداقيتها في الوعي العام.

 

الخلاصة

تُظهر لحظة نيسان 2026 تداخل ثلاثة مسارات ضاغطة: إنهاك داخلي متراكم لنظام المحاصصة، وأزمة إقليمية متصاعدة، إلى جانب ضغط أمريكي غير مسبوق على الحكومة العراقية. وقراءة هذه اللحظة بوصفها مجرد أزمة تشكيل حكومة، تغفل طبيعتها الأعمق بوصفها لحظة إعادة تعريف للدولة العراقية.

في هذا السياق، يبرز مقترح “وزارة الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي” كإطار محتمل للانتقال، شرط أن يُفهم بوصفه منصة تأسيسية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، لا كآلية جديدة لإعادة توزيع الحصص. وعندها، يمكن أن يشكّل هذا المسار مدخلًا تدريجيًا نحو عقد اجتماعي جديد، يقوم على المواطنة بدل الانتماءات الفرعية، ويستند إلى مقاربتي الاستقلالية المرنة والسيادة المرنة في إدارة العلاقة مع الداخل والخارج.

غير أن استعادة الدولة لا تتحقق عبر أدوات القوة أو النصوص القانونية وحدها، بل عبر إعادة بناء الثقة على أساس عملي، يُقنع المواطن بأن وجود الدولة يرتبط بحماية كرامته وتعزيز موقعه، لا بإعادة إنتاج أشكال الإخضاع.

ويتوقف نجاح هذه المبادرة على ثلاثة شروط حاسمة: تحييدها النسبي عن منطق المحاصصة، ومنحها صلاحيات واقعية قابلة للتنفيذ، وإدماجها ضمن مسار إصلاحي أشمل. وفي غياب هذه الشروط، قد تتحول من فرصة لإعادة التأسيس إلى أداة إضافية لإعادة إنتاج الأزمة.

 

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025