الإصلاح العراقي العميق يتطلب استئناف تأسيس الدولة باتفاق وطني شامل يتجاوز الانتخابات والمحاصصة ويحمي قرار التحديث من التجاذب السياسي الحاد.
في الأساس، كان “ائتلاف ادارة الدولة” الذي انبثق نهاية العام ٢٠٢٢ تحالفاً لتشكيل الحكومة أعقب تفتت التحالف الثلاثي “انقاذ وطن” الذي تشكّل نهاية العام ٢٠٢١ للغرض ذاته، وعلى رغم ان العنوانين لهما دلالاتهما السياسية في خضم الاحداث، فان مصطلح “ادارة الدولة” يحمل دلالات تتجاوز العمل الحكومي الى ما يشبه محاولة ايجاد فضاء ما وسط الخلافات المستفحلة لحل بعض القضايا الأكثر إثارة للجدل والاستقطابات السياسية والتدافعات الانتخابية، ومنها أخيراً توفير الحماية المطلوبة للاتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان حول التمويل المالي، او توفير الغطاء السياسي للحكومة من اجل القيام بدورها في ادارة وتنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية، والامران استمرا يثيران اجتهادات يقارب عمرها عمر العملية السياسية نفسها.
“الاطار التنسيقي“
ومع ان هناك من يروق له نَسب حكومة السيد محمد شياع السوداني حصراً لقوى الشيعي فانها في الواقع نتاج القوى التي شكّلت “ائتلاف ادارة الدولة” الذي يجمع ابرز النخب والقيادات السياسية للقوى المهيمنة في مجلس النواب.
قد لا تكون هذه التجربة جديدة في العراق، فقد كانت ثمة اجتماعات لقادة الكتل في مراحل سابقة تحضرها الرئاسات لبحث القضايا الأكثر حساسية وقد نتج عنها مواقف هامة، لكنها لم تتحول الى سياق أكثر منهجية وتحديداً كما هي اليوم، وان ذلك قد يمثل نقطة انطلاق جديرة بالدراسة في جانبين متكاملين: احدها يتعلق بكل ضرورات الاصلاح الشامل في العراق ومعالجة أخطاء التأسيس من خلال التفكير بمنهجية “إعادة التأسيس” وتجاوز التحديات التي تواجه الدولة، والثاني يخص ايجاد مساحة فهم أكثر نصوعاً وشفافية لمنع الخلط بين “ادارة الدولة” بمعنى العمل على حمايتها، بالمعنى المعروف في العراق من تحاصصٍ في المواقع “تقاسم الحكومة” وتعبيد المسار العام لها والحكومية.
يمكن الخوض في مكاشفة حول مايمكن ان يتعرض له هذا الطرح من اتهام بتكريس “التوافق” باعتباره صنو “المحاصصة” التي ارهقت الدولة ومؤسساتها، وايضاً ربما الاتهام بتقويض المسار الديمقراطي وطمس دور الانتخابات في تحقيق التمثيل ومن ثم التغيير المنتظر.
ولكن.. للأسف، ليس متوقعاً الكثير من الانتخابات (اية انتخابات) لتحقيقه في مسار الاصلاح السياسي العميق في العراق، فكثيراً ما اقترنت الانتخابات حتى الان بالانقسام والاحداث الدراماتيكية التي عصفت بالعراق ابتداء من الحرب الاهلية التي اعقبت النسخة الاولى لتصويت نهاية ٢٠٠٥ بشقيه النيابي والدستوري، فيما مازال الانقسام السياسي الشديد بعد انتخابات ٢٠١٠ يلقي بظلال ثقيلة على الوضع العراقي الذي شهد آحد اخطر مراحله ببروز تنظيم “داعش” مباشرة بعد انتخابات ٢٠١٤، وهو الحدث الأكثر قسوة على الذات العراقية والأكثر تأثيراً في مسيرة العملية السياسية برمتها. ولا يمكن فهم تظاهرات “تشرين” ٢٠١٩ بمعزل عن ارتدادات تلك الاحداث، فيما تشير بعض دلالاتها المباشرة الى نتائج انتخابات ٢٠١٨ التي دفعت قوة سياسية هامة مثل تيار “الحكمة” للاعلان عن معارضة برلمانية صريحة، ولم تكن انتخابات ٢٠٢١ افضل حالاً حيث شهدت بدورها انقساماً سياسياً شديد الخطورة انتهى بانسحاب التيار الصدري من العملية السياسية برمتها.
سيكون من غير المنصف وصم الانتخابات بانها من اسباب الازمات في العراق، بل ان الاسئلة التأسيسية العراقية غير المجاب عنها منذ ٢٠٠٣ هي الجاني الحقيقي، وكاضافة قاتمة فرضت تلك الاسئلة العائمة ان لا تتخادم الانتخابات وتتكامل مع الاصلاح الاقتصادي والتطوير الاداري والشفاء الديمقراطي الذاتي كما جدير بها ان تفعل.
“الضمور الولادي” في العملية السياسية
وليس ذلك فحسب، بل ان ما يمكن وصفه بـ”الضمور الولادي” في العملية السياسية الذي لم يسمح للانتخابات بان تأخذ دورها الطبيعي في ضمان الشفاء، لم يسمح ايضاً للحكومات المتعاقبة في تنفيذ اصلاحات عميقة يمكن التأسيس عليها مستقبلاً، لان الاصلاح العميق يحتاج الى اجراءات عميقة واحياناً ثورية، وبالضرورة صعبة ومؤلمة، وبعضها خارج اختصاص الحكومة، فيما بعضها الآخر لن يكون بمقدور اية حكومة احتمال نتائجه في ظل حالة الانقسام والتزاحم التي تحوّل كل خطوة على هذا الصعيد الى مايشبه “الانتحار السياسي”.
وكإشارة دلالية، فان الدولة من خلال مؤسساتها وخبرائها كانت تؤشر الى ازمات مركبة يعيشها العراق خصوصاً في المجالين السياسي والاقتصادي ناهيك عن ازماته الاجتماعية المتفاقمة، وباختلاف التوجهات حول طريقة مواجهة تلك الازمات فان جميعها بلا استثناء اصطدمت وتصطدم بجدران نسق سياسي قائم على التربص والتصيّد، فيما يحتاج الاصلاح العميق الى وقت طويل وجهود متواصلة، والاخطر انه قد يحتاج ما يقترب من “الاجماع” في نطاق فهم سياسي واجتماعي عام.
الوقت عندما يهدر
لايمكن للدول انتظار الفرص واهدار المتاح منها في عالمٍ يشهد ثورة تكنولوجية سريعة تشي بتغيير شامل في المفاهيم والاولويات ومستوى مختلف تماماً من التحديات عن تلك التي افرزتها الثورة الصناعية، ويكاد يكون هناك اجماعٌ على ان عشرينيات وثلاثينيات القرن الحالي تمثل فرصة متاحة قد تكون أخيرة لكل دول العالم من اجل التكيّف مع التحديات، وهذا التكيف لا يقتصر على البرامج الاقتصادية والانمائية، بل تكيّف سياسي واجتماعي وثقافي على صعيد مغادرة مرحلة واستقبال اخرى.
إن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة الاميركية والمجموعة الاوربية والصين وروسيا ومجموعة جنوب شرق اسيا، وبصرف النظر عن طبيعة نُظمها السياسية وآليات اتخاذ القرار فيها، قد شرعت منذ بداية الالفية الجديدة في احداث نقلات كبرى في آليات الانتاج الداخلي وادارة الموارد وفي اعادة فهم الدولة ودورها المستقبلي. وعندما يقال ان ضغوطاً اقتصادية كبيرة تمارسها تلك الدول على شعوبها لتغيير نمط الحياة وتفعيل الانتاج على حساب مستويات الدخول الفردية التي كانت سائدة، فان ذلك ينسجم مع مقتضيات مسؤولية الدولة في اعداد شعبها للتعاطي مع التحديات ومواجهتها.
وعلى مستوى الشرق الاوسط، فان دولة نفطية مثل الامارات العربية المتحدة لم تستسلم لدواعي الاسترخاء الذي توفره عائدات النفط ومضت مبكراً في ذلك التكيف المستمر واحياناً الصعب والمكلف، وتلك الدوافع نفسها نجدها لدى دولة اساسية في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية التي سارعت من خطاها في السنوات القليلة الماضية لمعالجة معوقات التغيير الداخلية وفتح الباب امام المجتمع لتقوية مناعته الذاتية.
وعلى رغم ان العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران تمثل من حيث المبدأ عامل تقويض اقتصادي، فان طهران ولا ريب حولت ذلك التحدي الى فرصة كبيرة على مستوى تغيير تقاليد الانتاج الداخلية، وقد فعلت تركيا الامر ذاته وكذلك مصر من دون عقوبات.
وكنقطة منهجية، فان الدول التي بدأت بالاصلاح العميق مبكراً او تأخرت مثل الارجنتين أخيراً قد عرّضت شعوبها الى ضغوط غير هينة وعانت وتعاني ازمات اقتصادية ورضوض في نظمها الاجتماعية والثقافية التقليدية، وانخفضت مستويات الدخل الفردي فيها عموماً قبل ان تعاود التشافي تدريجياً فتستعيد عافيتها او في الطريق الى ذلك او في الاقل لديها مقومات التعافي، وذلك امر لايبدو ان من الصعب ملاحظته في كل مكان وبصرف النظر عن الدوافع للتغيير ولا التحديات التي تدفع باتجاهه.
والامر لا يقتصر على ان العالم يتجه بخطى متسارعة لمصادر الطاقة البديلة مثلاً، بل ان آليات الانتاج وقوانينه وعلاقاته في كل المجالات تتطور وتتغير لتلهب منافسة كبرى غير رحيمة، وذلك أمرٌ اساسي استدعى ان تمارس الدول المزيد الضغط على بناها الاجتماعية والاقتصادية والادارية في هذه المرحلة للحاجة الفعلية الى المزيد من العمل والانتاج وفق الآليات والمعادلات الجديدة.
العراق.. والاصلاح العميق
كمعادلة بسيطة يتفق عليها معظم الخبراء الاقتصاديون، فان امام العراق ١٠ سنوات في ابعد تقدير لتقليل الاعتماد على وارداته النفطية التي تتجاوز اليوم ٩٠٪ لتصل الى ٣٠٪ وما دون تلك النسبة ايضاً.
ان توفير واردات غير نفطية تسد ٧٠٪ من موازنة العراق في الاقل خلال قرابة عقد واحد لا يعني فقط تنويع مصادر الانتاج بل إحداث تغيير شامل في فهم دور الدولة وواجباتها وعلاقتها بالمجتمع، والتخلص من معظم المؤسسات الحكومية غير المنتجة واحداث ثورة في النظام الاداري والقانوني، وتقليص عدد الموظفين الحكوميين الى مادون الربع من عددهم الحالي وتغيير ثقافة العمل عموماً لدى الناس.
كل ذلك لا يمكن القيام به في الوضع العراقي الحالي او المستقبلي على يد حكومة مهما كانت صادقة النية، وهو طريق لا يمكن المضي فيه قبل اعادة انتاج آليات اتخاذ القرار، وقبل ذلك حل الازمات الاجتماعية والسياسية الكبرى وترسيخ وحدة الدولة وقدرتها على فرض قرارها والتوصل الى نتيجة ذات مغزى واضح حول طريقة القيام بالاصلاح سواء كان وفق مفهوم الدولة الشمولية القائدة للاقتصاد على غرار التجربة الصينية، او وفق المنظور الليبرالي الغربي.
تقف الدولة العراقية منذ ٢٠٠٣ امام سؤال مفصلي واحد سوف تتكفل الاجابة عنه اليوم بتقليل التكلفة غداً، مفاده: “ايهما اسبق بالاولوية اكمال بناء المؤسسات الدستورية وحل الازمات السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية قبل البدء باجراءات الاصلاح العميق خوفاً من تمزق الدولة وتعرضها في وضع هش الى الغضب الداخلي وبالتالي الاستثمار الخارجي في هذا الغضب، ام البدء فوراً وترك آليات الاصلاح تتخذ مساراتها وتفرض انماطها على الحياة السياسية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية في العراق لتتكيف مع الازمات التي سيخلقها الاصلاح؟”
واقع الحال انه لايمكن انتظار عقود قادمة لتحديد اين يضع العراقيون اقدامهم، وكما لايمكن المغامرة في اجراءات اصلاحية جادة من دون استعداد اجتماعي مسبق، فان هذا الاستعداد لايجب ان يكون ضمنه دفع حكومات تحت الضغط الى مغامرات اصلاحية لا يتم تحملها وتبنيها والدفاع عنها من قبل الجميع بلا استثناء، وبما يضمن منع استثمار اي طرف للآثار الجانبية السلبية المتوقعة حتماً في تفعيل ارتدادات اجتماعية تهدد البلاد برمتها.
وعلى ذلك، كانت الاشارة الى “ائتلاف ادارة الدولة” باعتباره يمكن ان يكون لبنة صالحة للاجابة عن تلك الاسئلة المعلقة في حال توفر فيه شرطان اساسيان:
لاول: ان يكرس عمله لتأسيس القرارات المصيرية التي يتطلبها الاصلاح العميق ومن ضمن ذلك الاصلاحات الدستورية.
الثاني: ان يتسع مجال تمثيله ليشمل القوى المؤثرة بصرف النظر عن مشاركتها في الحكومة من عدمه.
ان فلسفة مجلس النواب في جوهرها تنطبق على الاشتراطات السابقة، لكن التجربة النيابية العراقية لم تكن نموذجية في اداء هذا الدور على امتداد عقدين ماضيين ولا يتوقع فعلاً ان يحدث تغيير جذري في مسار عمل البرلمان خلال الاعوام المقبلة. في المقابل، فان التجربة العراقية افرزت زعامات سياسية خارج العمل البرلماني والحكومي، وهذه الزعامات تقرر عملياً مسارات الدولة، وبصرف النظر عن صحة او خطأ ذلك فان هذه هي المعادلة الموجودة اليوم في العراق. وامامنا خيار انتظار تغييرها للعودة الى المسار الطبيعي وقد يتطلب ذلك عدة عقود قادمة، او استثمار هذه الزعامات ودفعها الى ان تساهم مجتمعة عن اجراءات الاصلاح العميق والدفاع عنها ومواجهة ارتداداتها.
يمكن الاشارة الى ان المحكمة الاتحادية العراقية وبمعزل عن ردود الفعل السياسية حول قراراتها ابتداء من قضية جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وصولاً الى توطين مرتبات موظفي اقليم كردستان، كانت قد ألقت حجراً ثقيلاً في البركة الراكدة ودفعت الجميع للتفكير العلني بحثاً عن حلول. ولسان حالها يقول: ان اي وضع قد يعتبره البعض غير صحيح او قابل للتأويل او مصدر خلاف يجب ان تتم معالجته من خلال “اتفاق وطني” مهما تطلب من جهود واثمان، ومن ضمن ذلك تعديل الدستور او اجراء مراجعات شاملة لو تطلب الامر. ومع ذلك تحملت المحكمة مسؤولية وانتقادات واتهامات لانها تقدمت خطوة للاجابة عن اسئلة اعتاد القادة السياسيون تجنب التطرق اليها او العمل بمعزل عنها بطريقة دفع العجلة مهما كان الضرر فيها فادحاً.
اياً كانت صيغة الاتفاق بين بغداد واقليم كردستان حول القضية المالية اليوم مثلاً، فانه يكشف عن نجاح “ائتلاف ادارة الدولة” في حماية الاتفاق ومنع التلاعب به اعلامياً او استثماره سياسياً من جهة، ويؤشر من جهة ثانية ان الاتفاق تم في قضية جزئية لاتصل لحدود الخلاف الأكبر وان الحلول الحالية وقتية في نهاية المطاف، ومثل هذا الامر يمكن قياسه على مستويات اكثر اتساعاً.
الصدر.. والاصلاح
الدرس الأكثر بلاغة الذي يمكن استنتاجه من تخلي التيار الصدري عن الاشتراك في الحكومة، والانسحاب من العملية السياسية برمتها ملخصه ان الاصلاح في المقاربة العراقية يحتاج الى اتفاق شامل يتم اقراره والدفاع عنه وتكلف الحكومة بتنفيذه وفق مسؤولية مشتركة. ويمكن تذكر ان سماحة السيد مقتدى الصدر قد انسحب فعلياً من المشاركة في انتخابات تشرين الاول ٢٠٢١ ولكنه عاد بعد اقرار قادة القوى السياسية الرئيسية ورقة اصلاحية اُطلق عليها حينها “الوثيقة الوطنية” تضمنت من ضمن فقراتها اجراء تعديلات دستورية بعد حوار وطني شفاف واصلاحات لم يتم العودة اليها لاحقاً.
لا يُعرف بالضبط ماذا فهم زعماء التحالف الثلاثي الذي تشكل بعد تلك الانتخابات من نمط تفكير الصدر نفسه، فعلى مايبدو ويُنقل عن بعضهم انهم لم يَفهموا اسباب انسحابه ولا الدوافع التي اوجدت بيئة قرار الانسحاب.
هل توقع القادة الكرد مثلاً ان يقوم التيار الصدري في اجراء فردي سريع بحل كل الازمات المتراكمة لعقود مع بغداد؟ هل كان سيواجه قرار المحكمة الاتحادية حول توطين الرواتب مثلاً؟ ام كان سيلغي القرارات الخاصة بتصدير النفط وانتخابات الاقليم؟ وهل فهمت القيادات السنية ان الصدر سوف يمنح تفويضاً غير مشروط للعفو العام او حل ازمات المناطق المحررة او حل ازمة جرف الصخر؟ وهل اعتقد المدنيون ان التيار الصدري سوف يحقق بقرار واحد تطلعاتهم في احداث نقلات كبرى على مستوى تطوير الحياة المدنية او تبني العلمانية في نظام حكم العراق؟.
الحقيقة، لم يكن اي من ذلك وارداً في المدى المنظور، ولن يكون وارداً في حال عاد التيار الصدري الى العمل السياسي وحتى لو نجح في تشكيل تحالف حكومي، من دون ان تخضع الاصلاحات جميعها الى مراجعة دقيقة وشاملة وان يفتح الباب للمشاركين وغير المشاركين في الحكومة لتبنيها باعتبارها تمثل انتقالة مصيرية بالنسبة لكل الشعب العراقي.
بهذا المعنى، فان الاقرب الي الواقع والى المنهج الصدري عموماً هو تبني الصدر لاصلاحات حقيقية في بنية النظام الحالي تتيح له الصمود ومواجهة التحديات والمخاطر المستقبلية اذا كانت ستكون عامل “انقاذ” للعراق وتحصين لشعبه اسوة بسلوك كل اغلبية الدول الشقيقة والصديقة، على ان يكتفي بتشكيل حكومة سيكون من الصعب عليها تنفيذ مهمة الاصلاح من دون زخمٍ سياسي وشعبي وديني وثقافي واسع النطاق لدعم خطواتها.
ان العمل على بحث طبيعة الاصلاح العميق وتوجهاته واولوياته وآليات تطبيقه، هو الهاجس الأكثر قرباً للزعيم الصدري من قيادة الحكومة او التحكم بخياراتها، وكان الانسحاب من البرلمان من دلالات هذا التوجه. فحتى مجلس النواب نفسه ومهما تغيرت وتنوعت معادلاته لن يكون بمقدوره ان يترجم رؤية الاصلاح العميق ويحميها، والانسحاب منه لن يكون خسارة كبرى.
“مجلس اعلى للاصلاح“
كل ما سبق لا يعني اعادة تفعيل منظومة “التوافق” باعتبارها بوتقة تقاسم للحكومة ومسؤولياتها، بل ايجاد حيز زمني قد يصل الى دورتين انتخابيتين في نطاق اتفاق سياسي شامل للفصل بين العمل الحكومي التنفيذي الذي يمكن ان يمضي في حكومة اغلبية سياسية واسعة او حكومة وحدة وطنية او اي خيار آخر، وبين مقتضيات الاصلاح العميق الذي يتطلب جمع زعماء القوى السياسية الرئيسية في “مجلس اعلى للاصلاح” مهمته بحث مفردات الاصلاح المقدمة من الحكومة ومن مجلس النواب ومن المختصين خارجهما وبعناية القضاء، والتعهد العلني بدعمها ومنع عرقلتها، وفصل ارتداداتها عن الحكومة اذا كانت تحتاج الى اجراءات حكومية، وفصل نتائجها عن الدعايات والتدافعات الانتخابية اذا كانت تتطلب قوانين او تعديلات دستورية.
ان مجرد البحث الجاد في العلاقة غير المرنة وقد تكون “المرضية” بين النظام الاداري العراقي الذي ينتمي الى الحقبة الاشتراكية ويعتمد الهياكل الهرمية والبيروقراطية الصارمة في عمله، وبين النظام البرلماني الذي يفكك مصادر القرار ويحيلها الى اكثر من نقطة محورية جدير بان يكون مثار الهام لمفهوم “التأسيس”.
وباختصار، فان من الضرورة الوطنية الاستفادة من الفرصة الحالية لبحث مشروع استئناف التأسيس للدولة في العراق بشكل محدّث عن لحظة ٢٠٠٣ التأسيسية غير المكتملة، وبالضرورة عن لحظة ١٩٢٠ وانبثاق الدولة الحديثة غير المكتملة ايضاً، او لحظة ١٩٥٨ التي لاتختلف كثيراً عنهما في اهميتها وفي عيوبها الخطيرة.
ان المعنى الأكثر فصاحة لمقتضيات الاصلاح العراقي هو ان لا يكون ابناً لأحد (قوى سياسية او زعماء)، ان لا يتحمل سلبياته أحد، ولا يحتكر ايجابياته أحد، بل ان يُدرس ويُقر ويتم تحمل نتائجه والحصول على ايجابياته من قبل الجميع في نطاق المسؤولية المشتركة.
لا مفر من مصارحة النخب الحالية للشعب بحقيقة الامور ومخاطر التحديات القادمة، وهي تحديات تمس حياتهم واعمالهم وتغير نمط الانتاج في البلد عموماً بكل ما يكتنف ذلك من صعوبات، وان التحديث الشجاع اليوم وحده يمكنه ان يكون الخزين الاستراتيجي للاجيال القادمة التي يجب ان يتحمل الجميع المسؤولية الاخلاقية لعدم اثقالها بتبعات عجز الاجيال السابقة عن المضي في اصلاح الدولة، وجمودها امام قراءات قصيرة الأمد تصوغها اقطاب سياسية تقيس النجاح او الفشل آنياً وفق معادلات انتخابية وحزبية واعلامية محدودة.
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
“استئناف التأسيس” في العراق.. “الانتخابات” ليست بالضرورة وصفة “الاصلاح العميق”
الإصلاح العراقي العميق يتطلب استئناف تأسيس الدولة باتفاق وطني شامل يتجاوز الانتخابات والمحاصصة ويحمي قرار التحديث من التجاذب السياسي الحاد.
في الأساس، كان “ائتلاف ادارة الدولة” الذي انبثق نهاية العام ٢٠٢٢ تحالفاً لتشكيل الحكومة أعقب تفتت التحالف الثلاثي “انقاذ وطن” الذي تشكّل نهاية العام ٢٠٢١ للغرض ذاته، وعلى رغم ان العنوانين لهما دلالاتهما السياسية في خضم الاحداث، فان مصطلح “ادارة الدولة” يحمل دلالات تتجاوز العمل الحكومي الى ما يشبه محاولة ايجاد فضاء ما وسط الخلافات المستفحلة لحل بعض القضايا الأكثر إثارة للجدل والاستقطابات السياسية والتدافعات الانتخابية، ومنها أخيراً توفير الحماية المطلوبة للاتفاق بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان حول التمويل المالي، او توفير الغطاء السياسي للحكومة من اجل القيام بدورها في ادارة وتنظيم العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية، والامران استمرا يثيران اجتهادات يقارب عمرها عمر العملية السياسية نفسها.
“الاطار التنسيقي“
ومع ان هناك من يروق له نَسب حكومة السيد محمد شياع السوداني حصراً لقوى الشيعي فانها في الواقع نتاج القوى التي شكّلت “ائتلاف ادارة الدولة” الذي يجمع ابرز النخب والقيادات السياسية للقوى المهيمنة في مجلس النواب.
قد لا تكون هذه التجربة جديدة في العراق، فقد كانت ثمة اجتماعات لقادة الكتل في مراحل سابقة تحضرها الرئاسات لبحث القضايا الأكثر حساسية وقد نتج عنها مواقف هامة، لكنها لم تتحول الى سياق أكثر منهجية وتحديداً كما هي اليوم، وان ذلك قد يمثل نقطة انطلاق جديرة بالدراسة في جانبين متكاملين: احدها يتعلق بكل ضرورات الاصلاح الشامل في العراق ومعالجة أخطاء التأسيس من خلال التفكير بمنهجية “إعادة التأسيس” وتجاوز التحديات التي تواجه الدولة، والثاني يخص ايجاد مساحة فهم أكثر نصوعاً وشفافية لمنع الخلط بين “ادارة الدولة” بمعنى العمل على حمايتها، بالمعنى المعروف في العراق من تحاصصٍ في المواقع “تقاسم الحكومة” وتعبيد المسار العام لها والحكومية.
يمكن الخوض في مكاشفة حول مايمكن ان يتعرض له هذا الطرح من اتهام بتكريس “التوافق” باعتباره صنو “المحاصصة” التي ارهقت الدولة ومؤسساتها، وايضاً ربما الاتهام بتقويض المسار الديمقراطي وطمس دور الانتخابات في تحقيق التمثيل ومن ثم التغيير المنتظر.
ولكن.. للأسف، ليس متوقعاً الكثير من الانتخابات (اية انتخابات) لتحقيقه في مسار الاصلاح السياسي العميق في العراق، فكثيراً ما اقترنت الانتخابات حتى الان بالانقسام والاحداث الدراماتيكية التي عصفت بالعراق ابتداء من الحرب الاهلية التي اعقبت النسخة الاولى لتصويت نهاية ٢٠٠٥ بشقيه النيابي والدستوري، فيما مازال الانقسام السياسي الشديد بعد انتخابات ٢٠١٠ يلقي بظلال ثقيلة على الوضع العراقي الذي شهد آحد اخطر مراحله ببروز تنظيم “داعش” مباشرة بعد انتخابات ٢٠١٤، وهو الحدث الأكثر قسوة على الذات العراقية والأكثر تأثيراً في مسيرة العملية السياسية برمتها. ولا يمكن فهم تظاهرات “تشرين” ٢٠١٩ بمعزل عن ارتدادات تلك الاحداث، فيما تشير بعض دلالاتها المباشرة الى نتائج انتخابات ٢٠١٨ التي دفعت قوة سياسية هامة مثل تيار “الحكمة” للاعلان عن معارضة برلمانية صريحة، ولم تكن انتخابات ٢٠٢١ افضل حالاً حيث شهدت بدورها انقساماً سياسياً شديد الخطورة انتهى بانسحاب التيار الصدري من العملية السياسية برمتها.
سيكون من غير المنصف وصم الانتخابات بانها من اسباب الازمات في العراق، بل ان الاسئلة التأسيسية العراقية غير المجاب عنها منذ ٢٠٠٣ هي الجاني الحقيقي، وكاضافة قاتمة فرضت تلك الاسئلة العائمة ان لا تتخادم الانتخابات وتتكامل مع الاصلاح الاقتصادي والتطوير الاداري والشفاء الديمقراطي الذاتي كما جدير بها ان تفعل.
“الضمور الولادي” في العملية السياسية
وليس ذلك فحسب، بل ان ما يمكن وصفه بـ”الضمور الولادي” في العملية السياسية الذي لم يسمح للانتخابات بان تأخذ دورها الطبيعي في ضمان الشفاء، لم يسمح ايضاً للحكومات المتعاقبة في تنفيذ اصلاحات عميقة يمكن التأسيس عليها مستقبلاً، لان الاصلاح العميق يحتاج الى اجراءات عميقة واحياناً ثورية، وبالضرورة صعبة ومؤلمة، وبعضها خارج اختصاص الحكومة، فيما بعضها الآخر لن يكون بمقدور اية حكومة احتمال نتائجه في ظل حالة الانقسام والتزاحم التي تحوّل كل خطوة على هذا الصعيد الى مايشبه “الانتحار السياسي”.
وكإشارة دلالية، فان الدولة من خلال مؤسساتها وخبرائها كانت تؤشر الى ازمات مركبة يعيشها العراق خصوصاً في المجالين السياسي والاقتصادي ناهيك عن ازماته الاجتماعية المتفاقمة، وباختلاف التوجهات حول طريقة مواجهة تلك الازمات فان جميعها بلا استثناء اصطدمت وتصطدم بجدران نسق سياسي قائم على التربص والتصيّد، فيما يحتاج الاصلاح العميق الى وقت طويل وجهود متواصلة، والاخطر انه قد يحتاج ما يقترب من “الاجماع” في نطاق فهم سياسي واجتماعي عام.
الوقت عندما يهدر
لايمكن للدول انتظار الفرص واهدار المتاح منها في عالمٍ يشهد ثورة تكنولوجية سريعة تشي بتغيير شامل في المفاهيم والاولويات ومستوى مختلف تماماً من التحديات عن تلك التي افرزتها الثورة الصناعية، ويكاد يكون هناك اجماعٌ على ان عشرينيات وثلاثينيات القرن الحالي تمثل فرصة متاحة قد تكون أخيرة لكل دول العالم من اجل التكيّف مع التحديات، وهذا التكيف لا يقتصر على البرامج الاقتصادية والانمائية، بل تكيّف سياسي واجتماعي وثقافي على صعيد مغادرة مرحلة واستقبال اخرى.
إن دولاً كبرى مثل الولايات المتحدة الاميركية والمجموعة الاوربية والصين وروسيا ومجموعة جنوب شرق اسيا، وبصرف النظر عن طبيعة نُظمها السياسية وآليات اتخاذ القرار فيها، قد شرعت منذ بداية الالفية الجديدة في احداث نقلات كبرى في آليات الانتاج الداخلي وادارة الموارد وفي اعادة فهم الدولة ودورها المستقبلي. وعندما يقال ان ضغوطاً اقتصادية كبيرة تمارسها تلك الدول على شعوبها لتغيير نمط الحياة وتفعيل الانتاج على حساب مستويات الدخول الفردية التي كانت سائدة، فان ذلك ينسجم مع مقتضيات مسؤولية الدولة في اعداد شعبها للتعاطي مع التحديات ومواجهتها.
وعلى مستوى الشرق الاوسط، فان دولة نفطية مثل الامارات العربية المتحدة لم تستسلم لدواعي الاسترخاء الذي توفره عائدات النفط ومضت مبكراً في ذلك التكيف المستمر واحياناً الصعب والمكلف، وتلك الدوافع نفسها نجدها لدى دولة اساسية في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية التي سارعت من خطاها في السنوات القليلة الماضية لمعالجة معوقات التغيير الداخلية وفتح الباب امام المجتمع لتقوية مناعته الذاتية.
وعلى رغم ان العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران تمثل من حيث المبدأ عامل تقويض اقتصادي، فان طهران ولا ريب حولت ذلك التحدي الى فرصة كبيرة على مستوى تغيير تقاليد الانتاج الداخلية، وقد فعلت تركيا الامر ذاته وكذلك مصر من دون عقوبات.
وكنقطة منهجية، فان الدول التي بدأت بالاصلاح العميق مبكراً او تأخرت مثل الارجنتين أخيراً قد عرّضت شعوبها الى ضغوط غير هينة وعانت وتعاني ازمات اقتصادية ورضوض في نظمها الاجتماعية والثقافية التقليدية، وانخفضت مستويات الدخل الفردي فيها عموماً قبل ان تعاود التشافي تدريجياً فتستعيد عافيتها او في الطريق الى ذلك او في الاقل لديها مقومات التعافي، وذلك امر لايبدو ان من الصعب ملاحظته في كل مكان وبصرف النظر عن الدوافع للتغيير ولا التحديات التي تدفع باتجاهه.
والامر لا يقتصر على ان العالم يتجه بخطى متسارعة لمصادر الطاقة البديلة مثلاً، بل ان آليات الانتاج وقوانينه وعلاقاته في كل المجالات تتطور وتتغير لتلهب منافسة كبرى غير رحيمة، وذلك أمرٌ اساسي استدعى ان تمارس الدول المزيد الضغط على بناها الاجتماعية والاقتصادية والادارية في هذه المرحلة للحاجة الفعلية الى المزيد من العمل والانتاج وفق الآليات والمعادلات الجديدة.
العراق.. والاصلاح العميق
كمعادلة بسيطة يتفق عليها معظم الخبراء الاقتصاديون، فان امام العراق ١٠ سنوات في ابعد تقدير لتقليل الاعتماد على وارداته النفطية التي تتجاوز اليوم ٩٠٪ لتصل الى ٣٠٪ وما دون تلك النسبة ايضاً.
ان توفير واردات غير نفطية تسد ٧٠٪ من موازنة العراق في الاقل خلال قرابة عقد واحد لا يعني فقط تنويع مصادر الانتاج بل إحداث تغيير شامل في فهم دور الدولة وواجباتها وعلاقتها بالمجتمع، والتخلص من معظم المؤسسات الحكومية غير المنتجة واحداث ثورة في النظام الاداري والقانوني، وتقليص عدد الموظفين الحكوميين الى مادون الربع من عددهم الحالي وتغيير ثقافة العمل عموماً لدى الناس.
كل ذلك لا يمكن القيام به في الوضع العراقي الحالي او المستقبلي على يد حكومة مهما كانت صادقة النية، وهو طريق لا يمكن المضي فيه قبل اعادة انتاج آليات اتخاذ القرار، وقبل ذلك حل الازمات الاجتماعية والسياسية الكبرى وترسيخ وحدة الدولة وقدرتها على فرض قرارها والتوصل الى نتيجة ذات مغزى واضح حول طريقة القيام بالاصلاح سواء كان وفق مفهوم الدولة الشمولية القائدة للاقتصاد على غرار التجربة الصينية، او وفق المنظور الليبرالي الغربي.
تقف الدولة العراقية منذ ٢٠٠٣ امام سؤال مفصلي واحد سوف تتكفل الاجابة عنه اليوم بتقليل التكلفة غداً، مفاده: “ايهما اسبق بالاولوية اكمال بناء المؤسسات الدستورية وحل الازمات السياسية والاجتماعية الداخلية والخارجية قبل البدء باجراءات الاصلاح العميق خوفاً من تمزق الدولة وتعرضها في وضع هش الى الغضب الداخلي وبالتالي الاستثمار الخارجي في هذا الغضب، ام البدء فوراً وترك آليات الاصلاح تتخذ مساراتها وتفرض انماطها على الحياة السياسية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية في العراق لتتكيف مع الازمات التي سيخلقها الاصلاح؟”
واقع الحال انه لايمكن انتظار عقود قادمة لتحديد اين يضع العراقيون اقدامهم، وكما لايمكن المغامرة في اجراءات اصلاحية جادة من دون استعداد اجتماعي مسبق، فان هذا الاستعداد لايجب ان يكون ضمنه دفع حكومات تحت الضغط الى مغامرات اصلاحية لا يتم تحملها وتبنيها والدفاع عنها من قبل الجميع بلا استثناء، وبما يضمن منع استثمار اي طرف للآثار الجانبية السلبية المتوقعة حتماً في تفعيل ارتدادات اجتماعية تهدد البلاد برمتها.
وعلى ذلك، كانت الاشارة الى “ائتلاف ادارة الدولة” باعتباره يمكن ان يكون لبنة صالحة للاجابة عن تلك الاسئلة المعلقة في حال توفر فيه شرطان اساسيان:
لاول: ان يكرس عمله لتأسيس القرارات المصيرية التي يتطلبها الاصلاح العميق ومن ضمن ذلك الاصلاحات الدستورية.
الثاني: ان يتسع مجال تمثيله ليشمل القوى المؤثرة بصرف النظر عن مشاركتها في الحكومة من عدمه.
ان فلسفة مجلس النواب في جوهرها تنطبق على الاشتراطات السابقة، لكن التجربة النيابية العراقية لم تكن نموذجية في اداء هذا الدور على امتداد عقدين ماضيين ولا يتوقع فعلاً ان يحدث تغيير جذري في مسار عمل البرلمان خلال الاعوام المقبلة. في المقابل، فان التجربة العراقية افرزت زعامات سياسية خارج العمل البرلماني والحكومي، وهذه الزعامات تقرر عملياً مسارات الدولة، وبصرف النظر عن صحة او خطأ ذلك فان هذه هي المعادلة الموجودة اليوم في العراق. وامامنا خيار انتظار تغييرها للعودة الى المسار الطبيعي وقد يتطلب ذلك عدة عقود قادمة، او استثمار هذه الزعامات ودفعها الى ان تساهم مجتمعة عن اجراءات الاصلاح العميق والدفاع عنها ومواجهة ارتداداتها.
يمكن الاشارة الى ان المحكمة الاتحادية العراقية وبمعزل عن ردود الفعل السياسية حول قراراتها ابتداء من قضية جلسة انتخاب رئيس الجمهورية وصولاً الى توطين مرتبات موظفي اقليم كردستان، كانت قد ألقت حجراً ثقيلاً في البركة الراكدة ودفعت الجميع للتفكير العلني بحثاً عن حلول. ولسان حالها يقول: ان اي وضع قد يعتبره البعض غير صحيح او قابل للتأويل او مصدر خلاف يجب ان تتم معالجته من خلال “اتفاق وطني” مهما تطلب من جهود واثمان، ومن ضمن ذلك تعديل الدستور او اجراء مراجعات شاملة لو تطلب الامر. ومع ذلك تحملت المحكمة مسؤولية وانتقادات واتهامات لانها تقدمت خطوة للاجابة عن اسئلة اعتاد القادة السياسيون تجنب التطرق اليها او العمل بمعزل عنها بطريقة دفع العجلة مهما كان الضرر فيها فادحاً.
اياً كانت صيغة الاتفاق بين بغداد واقليم كردستان حول القضية المالية اليوم مثلاً، فانه يكشف عن نجاح “ائتلاف ادارة الدولة” في حماية الاتفاق ومنع التلاعب به اعلامياً او استثماره سياسياً من جهة، ويؤشر من جهة ثانية ان الاتفاق تم في قضية جزئية لاتصل لحدود الخلاف الأكبر وان الحلول الحالية وقتية في نهاية المطاف، ومثل هذا الامر يمكن قياسه على مستويات اكثر اتساعاً.
الصدر.. والاصلاح
الدرس الأكثر بلاغة الذي يمكن استنتاجه من تخلي التيار الصدري عن الاشتراك في الحكومة، والانسحاب من العملية السياسية برمتها ملخصه ان الاصلاح في المقاربة العراقية يحتاج الى اتفاق شامل يتم اقراره والدفاع عنه وتكلف الحكومة بتنفيذه وفق مسؤولية مشتركة. ويمكن تذكر ان سماحة السيد مقتدى الصدر قد انسحب فعلياً من المشاركة في انتخابات تشرين الاول ٢٠٢١ ولكنه عاد بعد اقرار قادة القوى السياسية الرئيسية ورقة اصلاحية اُطلق عليها حينها “الوثيقة الوطنية” تضمنت من ضمن فقراتها اجراء تعديلات دستورية بعد حوار وطني شفاف واصلاحات لم يتم العودة اليها لاحقاً.
لا يُعرف بالضبط ماذا فهم زعماء التحالف الثلاثي الذي تشكل بعد تلك الانتخابات من نمط تفكير الصدر نفسه، فعلى مايبدو ويُنقل عن بعضهم انهم لم يَفهموا اسباب انسحابه ولا الدوافع التي اوجدت بيئة قرار الانسحاب.
هل توقع القادة الكرد مثلاً ان يقوم التيار الصدري في اجراء فردي سريع بحل كل الازمات المتراكمة لعقود مع بغداد؟ هل كان سيواجه قرار المحكمة الاتحادية حول توطين الرواتب مثلاً؟ ام كان سيلغي القرارات الخاصة بتصدير النفط وانتخابات الاقليم؟ وهل فهمت القيادات السنية ان الصدر سوف يمنح تفويضاً غير مشروط للعفو العام او حل ازمات المناطق المحررة او حل ازمة جرف الصخر؟ وهل اعتقد المدنيون ان التيار الصدري سوف يحقق بقرار واحد تطلعاتهم في احداث نقلات كبرى على مستوى تطوير الحياة المدنية او تبني العلمانية في نظام حكم العراق؟.
الحقيقة، لم يكن اي من ذلك وارداً في المدى المنظور، ولن يكون وارداً في حال عاد التيار الصدري الى العمل السياسي وحتى لو نجح في تشكيل تحالف حكومي، من دون ان تخضع الاصلاحات جميعها الى مراجعة دقيقة وشاملة وان يفتح الباب للمشاركين وغير المشاركين في الحكومة لتبنيها باعتبارها تمثل انتقالة مصيرية بالنسبة لكل الشعب العراقي.
بهذا المعنى، فان الاقرب الي الواقع والى المنهج الصدري عموماً هو تبني الصدر لاصلاحات حقيقية في بنية النظام الحالي تتيح له الصمود ومواجهة التحديات والمخاطر المستقبلية اذا كانت ستكون عامل “انقاذ” للعراق وتحصين لشعبه اسوة بسلوك كل اغلبية الدول الشقيقة والصديقة، على ان يكتفي بتشكيل حكومة سيكون من الصعب عليها تنفيذ مهمة الاصلاح من دون زخمٍ سياسي وشعبي وديني وثقافي واسع النطاق لدعم خطواتها.
ان العمل على بحث طبيعة الاصلاح العميق وتوجهاته واولوياته وآليات تطبيقه، هو الهاجس الأكثر قرباً للزعيم الصدري من قيادة الحكومة او التحكم بخياراتها، وكان الانسحاب من البرلمان من دلالات هذا التوجه. فحتى مجلس النواب نفسه ومهما تغيرت وتنوعت معادلاته لن يكون بمقدوره ان يترجم رؤية الاصلاح العميق ويحميها، والانسحاب منه لن يكون خسارة كبرى.
“مجلس اعلى للاصلاح“
كل ما سبق لا يعني اعادة تفعيل منظومة “التوافق” باعتبارها بوتقة تقاسم للحكومة ومسؤولياتها، بل ايجاد حيز زمني قد يصل الى دورتين انتخابيتين في نطاق اتفاق سياسي شامل للفصل بين العمل الحكومي التنفيذي الذي يمكن ان يمضي في حكومة اغلبية سياسية واسعة او حكومة وحدة وطنية او اي خيار آخر، وبين مقتضيات الاصلاح العميق الذي يتطلب جمع زعماء القوى السياسية الرئيسية في “مجلس اعلى للاصلاح” مهمته بحث مفردات الاصلاح المقدمة من الحكومة ومن مجلس النواب ومن المختصين خارجهما وبعناية القضاء، والتعهد العلني بدعمها ومنع عرقلتها، وفصل ارتداداتها عن الحكومة اذا كانت تحتاج الى اجراءات حكومية، وفصل نتائجها عن الدعايات والتدافعات الانتخابية اذا كانت تتطلب قوانين او تعديلات دستورية.
ان مجرد البحث الجاد في العلاقة غير المرنة وقد تكون “المرضية” بين النظام الاداري العراقي الذي ينتمي الى الحقبة الاشتراكية ويعتمد الهياكل الهرمية والبيروقراطية الصارمة في عمله، وبين النظام البرلماني الذي يفكك مصادر القرار ويحيلها الى اكثر من نقطة محورية جدير بان يكون مثار الهام لمفهوم “التأسيس”.
وباختصار، فان من الضرورة الوطنية الاستفادة من الفرصة الحالية لبحث مشروع استئناف التأسيس للدولة في العراق بشكل محدّث عن لحظة ٢٠٠٣ التأسيسية غير المكتملة، وبالضرورة عن لحظة ١٩٢٠ وانبثاق الدولة الحديثة غير المكتملة ايضاً، او لحظة ١٩٥٨ التي لاتختلف كثيراً عنهما في اهميتها وفي عيوبها الخطيرة.
ان المعنى الأكثر فصاحة لمقتضيات الاصلاح العراقي هو ان لا يكون ابناً لأحد (قوى سياسية او زعماء)، ان لا يتحمل سلبياته أحد، ولا يحتكر ايجابياته أحد، بل ان يُدرس ويُقر ويتم تحمل نتائجه والحصول على ايجابياته من قبل الجميع في نطاق المسؤولية المشتركة.
لا مفر من مصارحة النخب الحالية للشعب بحقيقة الامور ومخاطر التحديات القادمة، وهي تحديات تمس حياتهم واعمالهم وتغير نمط الانتاج في البلد عموماً بكل ما يكتنف ذلك من صعوبات، وان التحديث الشجاع اليوم وحده يمكنه ان يكون الخزين الاستراتيجي للاجيال القادمة التي يجب ان يتحمل الجميع المسؤولية الاخلاقية لعدم اثقالها بتبعات عجز الاجيال السابقة عن المضي في اصلاح الدولة، وجمودها امام قراءات قصيرة الأمد تصوغها اقطاب سياسية تقيس النجاح او الفشل آنياً وفق معادلات انتخابية وحزبية واعلامية محدودة.
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025



