العراق ومحددات الإصلاح: خلل بنيوي بين السياسة والإدارة

  إصلاح العراق يفشل بسبب تناقض بنيوي بين نظام برلماني لامركزي وإدارة مركزية متكلسة تحتاج تحديثاً شاملاً ومؤسسياً

 

المدخل

يتداول العراقيون مفهوم “الإصلاح” كنوع من الانشغال الجماعي، وربما يكون من النادر أن يجتمع شعب بأكمله على أن بلاده بحاجة إلى إصلاح حقيقي وعميق وربما جذري، غير أن العلة تكمن دائماً في ترجمة تلك النزعة الجماعية إلى تفصيلات عمل دقيقة وخريطة طريق واضحة تفضي في نهاية المطاف إلى إحداث تغيير نوعي يكسر الحلقة المغلقة التي دخل فيها العراق منذ سنوات من الافتراضات والاجتهادات حول الإصلاح وطبيعته وحدوده.

تتناول هذه الورقة الإصلاح من المنظور الإداري وتحاول كشف الخلل البنيوي الذي يحيل تجارب الإصلاح في العراق إلى الإخفاق أو نقص التنفيذ أو سوء التقدير.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن إخفاق الإصلاح في العراق لا يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الإرادة السياسية، وإنما إلى عدم التوافق البنيوي بين النظام السياسي البرلماني الذي أُنشئ بعد عام 2003، والنظام الإداري المركزي الذي ورثته الدولة.

 

تصميم غير مكتمل للنظام السياسي

يعرّف الدستور (المادة 1) العراق بأنه: “دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي”. إن هذا التعريف يفرض نفسه باعتباره إطاراً عاماً لا يمكن تجاوزه لفهم طبيعة الدولة، كما أنه يضع قواعد كونكريتية الطابع لنظام الحكم المحدد باعتباره نظاماً نيابياً برلمانياً، من دون أن يعير اهتماماً جاداً، حتى في نصوصه الأخرى، لكيفية تحقيق الشروط الموضوعية اللازمة لبناء نظام برلماني عميق الجذور بإمكانه ليس فقط الصمود في مهمته كعمود فقري لوحدة الدولة وفاعليتها، بل وقبل ذلك إنتاج محفزات تراكمية يمكنها الحفاظ على الدولة.

ليس جديداً القول إن النظام البرلماني ولد يتيماً في العراق، فهو مصمم كما تشير نصوص الدستور بشكل نموذجي على صعد نظرية مختلفة، لكنه بعيد تماماً عن سياق الثقافة العامة، وعن فهم الجمهور للدولة، وعن فهم الدولة من خلال مؤسساتها لنفسها، ولذلك ليس مبالغة القول إن النظام البرلماني في ضوء التجربة العراقية فشل في معظم مهامه المتوقعة وتحوّل خلال ست تجارب انتخابية متتالية إلى أحد قيود الدولة بديلاً من أن يكون سبباً في تحريرها من قيودها التاريخية.

ومعلوم أن العراق الذي عاش لقرن من الزمان تحت حكم ملكي ومن ثم جمهوري شديد المركزية لم يتمكن من تعريف طبيعته “الاتحادية” التي أقرها الدستور، ولأن “اتحاديته” جاءت كتسوية أكثر منها منهج عمل، لم ينجح العراقيون في تحديد حدودها وطبيعتها وكيفية انسجامها مع مفهوم الدولة الحديثة.

“النظام البرلماني” باعتباره نموذج حكم لا يشوبه خلل منهجي، كان عليه في النسخة العراقية ألا يكتفي بتأطير وسائل تداول السلطة والعلاقة بين السلطات، بل أن يؤسس فعلياً للدولة، وأن تصاغ العلاقات في نطاق الدولة وفق نموذجه، وهذا ما لم يحدث.

ولا جديد في القول إن أنظمة الحكم المعروفة ليست اختراعاً أو اجتهاداً نخبوياً، بل إن ولادتها تتم في الغالب طبيعية ومنبثقة من صميم التجارب الاجتماعية والاقتصادية التاريخية للأمم، ولذلك فإنها تطور نفسها وتعالج أخطاءها وتسد ثغراتها بالتجارب والخبرات.

والعراق لن يكون استثناءً، فالتجربة البرلمانية العراقية ما بعد 2003 كان متوقعاً لها أن تسد ثغراتها بالتجارب لا أن تتحول بدورها إلى ثغرة مستدامة في جسد الدولة.

هل يعني هذا أن خلل التجربة العراقية يكمن في طبيعة النظام السياسي “البرلماني” وأن معالجة الخلل تتطلب تغييراً في النظام نفسه مثل الانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي؟

الواقع أن النظام البرلماني على الورق هو الأكثر ملاءمة لطبيعة المجتمع العراقي والتحديات التي آلت إليها سياسات وتجليات قرون سبقت، كما أنه مؤهل ليصبح ضماناً مستداماً لوحدة الدولة وانسجام مجتمعاتها، لولا أنه مصمم على جسد نظام إداري منافر له، أنتج وينتج الأزمات والعراقيل.

 

أزمة بنيوية

النظام الإداري المركزي العراقي لم يخضع لأي تطوير وتحديث على امتداد عقود، وتم تصميم النظام السياسي البرلماني بعد عام 2003 على خريطة المؤسسات المركزية وليس العكس كما يفترض الدستور نفسه، والأمر على أية حال تم بشكل خاطئ وغير منتج، وهنا بعض ملامح الأزمة على هذا الصعيد:

أولاً: النظام الإداري المركزي العراقي اصطدم بعنف باللامركزية التي تشكل جوهر النظام الاتحادي العراقي، والتي تنسجم من حيث القواعد الفلسفية مع النظام البرلماني، فالبنى الإدارية العراقية قاومت بضراوة أية نزعة تجاه تقليص صلاحياتها المركزية.

ثانياً: تم إثقال النظام الإداري العراقي بملايين الموظفين وعشرات الوزارات والدوائر والهيئات والمؤسسات والشركات الحكومية، وكان ذلك نمطاً موروثاً من تجربة مركزية تعاني اختلالًا بنيويًا في الاقتصاد وريعية شديدة تقتل التنافس والإبداع والابتكار والتنمية المستدامة، وبيروقراطية متكلسة بالنظم والتعليمات الورقية، أصبحت مع التجارب تمثل جوهر الدولة وهي في الوقت نفسه قيدها الأساسي.

ثالثاً: تم بعد 2003 تقسيم الموظفين الكبار في الدولة إثنياً وطائفياً وحزبياً، في نطاق أنظمة “المحاصصة” وكانعكاس للخريطة البرلمانية التي أنتجتها الانتخابات، وكانت تلك المحاولة الأكثر خطورة لمؤسسي النظام البرلماني في محاولة إيجاد الانسجام بشكل ما مع النظام الإداري، وفي النهاية أثبتت هذه المهمة فشلها وقادت إلى تشويه النظام الإداري كانعكاس لتشوه النظام السياسي البرلماني. فطبيعة الهيكل الإداري العراقي القادم من فلسفة شمولية عمودية تحصر الصلاحيات في المؤسسات، لا تنسجم مع النظام البرلماني الذي يقوم على فلسفة توزيع الصلاحيات أفقياً.

رابعاً: سمح النظام البرلماني عندما تم إسقاط خريطته على الهرم الإداري العراقي بنقل أمراضه التقليدية إلى مؤسسات الدولة. فحيث يعاني النظام البرلماني العراقي من بطء في اتخاذ القرار وسيولة في المواقف، وتضارب في مراكز القوى، انتهت مؤسسات الدولة العراقية إلى تشوه إداري مزمن وتنازع بين أنظمة لامركزية مستحدثة (الحكومات المحلية وحكومة الإقليم) ونظام بيروقراطي تقليدي شديد المركزية (الحكومة الاتحادية) ومراكز قوى تنشأ وتنمو داخل جسد المؤسسات وتصيبها بالمزيد من العجز وانعدام الفاعلية.

خامساً: الطبقة العميقة الحقيقية في النظام الإداري العراقي، مثّلها الموظفون الوسطيون البيروقراطيون، وهؤلاء حاولوا صيانة الدولة وما تبقى من هيكلية مؤسساتها وسط العواصف السياسية الموسمية وتقلبات الانتخابات التي تغيّر، كل أربع سنوات أو حتى سنتين، الوزراء والوكلاء والمديرين العامين ورؤساء الأقسام على أساس المتغيرات في الخريطة الانتخابية. هؤلاء الموظفون استخدموا تعقيدات القانون البيروقراطي في الدولة العراقية وتشعباته لحماية المؤسسات من التقلبات الحزبية والتنازعات في الوزارات والدوائر والهيئات، لكنهم وهم يقومون بذلك مرغمين قيدوا مؤسسات الدولة وشلّوا من دون إرادتهم قدرتها وديناميكيتها وإمكانات تكيفها مع التحديثات والإصلاحات.

سادساً: شعرت الطبقة الوسطية بالتهديد من تغيير الحكومات، وما يتبع ذلك عادة من تصفيات إدارية مع تغيير الوزراء والوكلاء موسمياً، فكان نمط التعليمات والقوانين والمكاتب القانونية هو المسيطر والسائد والأكثر حضوراً في جسد المؤسسات.

سابعاً: إن اعتماد وزراء ووكلاء ومدراء من خارج البنية الإدارية وعلى أساس حزبي لكل مؤسسة بشكل مستمر، سيتطلب منح المزيد من الوقت لاندماج هؤلاء في البيئة الجديدة، ومن ضرورات الاندماج محاولة المسؤولين الجدد تجنب الأخطاء من خلال الاعتماد على الكادر الوسطي الثابت وصاحب الخبرة الإدارية والقانونية، وسوف تصبح الأقسام القانونية في المؤسسات الأكثر تأثيراً وفاعلية فيها، ومعلوم في تاريخ الدولة العراقية أن ثمة تنافساً وتدافعاً مفهوماً وديناميكياً ومتوازناً ومطلوباً بين الأقسام الإدارية والقانونية في المؤسسات، والأخيرة حسمت هذا التدافع الداخلي لصالحها مستثمرة تعقيدات اللوائح القانونية، وهي بذلك ساهمت، على الأقل، في تثبيت بنية المؤسسات، لكنها لم تحمِها في المجمل من التشوّه والتصادم والفساد.

ثامناً: إن أنظمة الحوكمة الإلكترونية لم تنسجم مع النظام الورقي التقليدي المعتمد عموماً في مؤسسات الدولة العراقية، وكان تطبيق نماذج الحكومات الإلكترونية صعباً ومعقداً واستسلم للفشل، ليس فقط بسبب بيئة الفساد والمحسوبية التي تتضارب مصالحها مع متطلبات الحوكمة والشفافية، بل لأن طبيعة المؤسسات وآليات عملها والقواعد البيروقراطية الموروثة من عهود سابقة لا تنسجم مع الحوكمة، التي من شأنها ليس فقط تنظيم العمل وإضفاء الشفافية على تعاملات الدولة، بل قبل ذلك ترشيقها ودفع مئات الآلاف من موظفيها إلى خارجها لانتفاء الحاجة إليهم.

تاسعاً: لم يلحق العراق بسبب الحصار الاقتصادي 1990-2003 بالنهضة الإدارية والمصرفية والقانونية العالمية التي أفرزتها أنظمة الحوسبة، وعندما حاول من 2003-2024 اللحاق وسط الأزمات والممانعات، كانت دول العالم تتجه نحو الثورة التكنولوجية وتتبنى أنظمة الحوكمة الشاملة وتطور أنظمتها الإدارية على أساس التطورات الدولية، واليوم وهو يحاول أن يتبنى مفاهيم الحوكمة، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي تبشر بتغيير جذري في الأنظمة الإدارية والمالية العالمية ينقلها إلى مستوى مختلف تماماً.

 

مسؤولية شاملة

تحدث رئيس الحكومة العراقي علي الزيدي مؤخراً عن ضرورة تغيير وتحديث الأنظمة الإدارية والمالية العراقية التي اعتبرها تنتمي إلى الحقبة الاشتراكية، وقد نال تعليق الزيدي انتقادات على يد مثقفين وباحثين تركز جلها على استخدامه المقاربة “الاشتراكية” التي لا يمكنها توصيف الوضع الحالي للدولة العراقية.

واقع الحال، إن تعريف الدولة يُعدّ ضرورة فعلية للبدء في عملية تغيير ذات طابع منهجي. وسواء كانت مؤسسات الدولة تحتكم إلى قوانين “اشتراكية”، أم كانت تمثل حالة خاصة من الاختلال والفوضى التي أنتجتها عقود من التخبط، فإن الأمر سيّان في نهاية المطاف من حيث حاجتها إلى عملية تغيير وتحديث مؤسسي واسعة النطاق.

إن ما ينبغي أن ينال قدراً وافراً من النقاش الأكاديمي والسياسي في هذه المرحلة يتعلق بالمحددات التي تحكم ديناميكيات التغيير، وهنا يجب أن يتم طرح التساؤل المفصلي عن الرابط الذي لا يمكن إهماله بين النظام السياسي والنظام الإداري للدولة.

فقبل المضي إلى تبني الأنظمة الرأسمالية الحديثة بكل صورها ونماذجها المتاحة، يجب أن تطرح الأسئلة حول إذا كان النظام البرلماني العراقي ملائماً خلال 50 سنة القادمة لإحداث التغيير والانسجام مع النظام الإداري، بعد أن فشل في ذلك خلال 20 عاماً مضت.

وهنا يمكن طرح خيارين:

الأول: إعادة النظر بالنظام السياسي، وتبنّي شكل جديد للحكم والتمثيل السياسي يتضمن حلاً شاملاً لموضوع صلاحيات إقليم كردستان وفق أسس كونفدرالية بما يضمن نظاماً سياسياً وإدارياً مركزياً في باقي أنحاء العراق وتحديد صلاحيات حكومات المحافظات أو ربطها مباشرة بالحكومة المركزية.

الثاني: إعادة النظر بالنظام الإداري، عبر تبني لامركزية شاملة تضعف المؤسسات المركزية وتقلصها إلى وزارات سيادية اتحادية (الخارجية، الدفاع، النفط، التخطيط، والمالية، والأمن القومي) وتوزع صلاحيات المؤسسات الموروثة مثل التعليم والصحة والإسكان والصناعة والاتصالات والأمن الداخلي وغيرها على الحكومات المحلية، بما في ذلك إعداد خطط لتوزيع الزخم الوظيفي المتركز في بغداد على المحافظات والأقاليم.

يمكن الافتراض نظرياً أن القيادات المؤسسة للعملية السياسية في العراق ربما اصطدمت بهذه المفارقة سواء عند كتابة الدستور أو في مراحل تطبيقاته اللاحقة، وربما تكون اعتمدت إمكانية تطبيق النظام اللامركزي بدليل أنها أقرّت قانون “المحافظات غير المنتظمة في إقليم” عام 2008، لكنها لم تتمكن من تطبيقه في كل المراحل اللاحقة، بسبب طبيعة الدولة نفسها، والمخاوف من تفتتها وتحول الوحدات الإدارية ذات الصلاحيات شبه الكاملة إلى دول جديدة داخل الدولة.

واقع الحال، إن العمل على إصلاح منهجي في مؤسسات الدولة العراقية، يجب أن يبدأ ويتزامن مع إصلاح النظام السياسي لتحقيق التكامل المطلوب، في نطاق خطط طويلة الأمد تحظى بمضمونية ومصداقية، ولا تخضع إلى متغيرات الخرائط السياسية، وتوفير الضمانات اللازمة لمثل هذا التغيير الشامل يستدعي مسؤولية جماعية كما يستدعي رؤية مؤسسية للدولة.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

العراق ومحددات الإصلاح: خلل بنيوي بين السياسة والإدارة

  إصلاح العراق يفشل بسبب تناقض بنيوي بين نظام برلماني لامركزي وإدارة مركزية متكلسة تحتاج تحديثاً شاملاً ومؤسسياً

 

المدخل

يتداول العراقيون مفهوم “الإصلاح” كنوع من الانشغال الجماعي، وربما يكون من النادر أن يجتمع شعب بأكمله على أن بلاده بحاجة إلى إصلاح حقيقي وعميق وربما جذري، غير أن العلة تكمن دائماً في ترجمة تلك النزعة الجماعية إلى تفصيلات عمل دقيقة وخريطة طريق واضحة تفضي في نهاية المطاف إلى إحداث تغيير نوعي يكسر الحلقة المغلقة التي دخل فيها العراق منذ سنوات من الافتراضات والاجتهادات حول الإصلاح وطبيعته وحدوده.

تتناول هذه الورقة الإصلاح من المنظور الإداري وتحاول كشف الخلل البنيوي الذي يحيل تجارب الإصلاح في العراق إلى الإخفاق أو نقص التنفيذ أو سوء التقدير.

تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن إخفاق الإصلاح في العراق لا يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الإرادة السياسية، وإنما إلى عدم التوافق البنيوي بين النظام السياسي البرلماني الذي أُنشئ بعد عام 2003، والنظام الإداري المركزي الذي ورثته الدولة.

 

تصميم غير مكتمل للنظام السياسي

يعرّف الدستور (المادة 1) العراق بأنه: “دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي”. إن هذا التعريف يفرض نفسه باعتباره إطاراً عاماً لا يمكن تجاوزه لفهم طبيعة الدولة، كما أنه يضع قواعد كونكريتية الطابع لنظام الحكم المحدد باعتباره نظاماً نيابياً برلمانياً، من دون أن يعير اهتماماً جاداً، حتى في نصوصه الأخرى، لكيفية تحقيق الشروط الموضوعية اللازمة لبناء نظام برلماني عميق الجذور بإمكانه ليس فقط الصمود في مهمته كعمود فقري لوحدة الدولة وفاعليتها، بل وقبل ذلك إنتاج محفزات تراكمية يمكنها الحفاظ على الدولة.

ليس جديداً القول إن النظام البرلماني ولد يتيماً في العراق، فهو مصمم كما تشير نصوص الدستور بشكل نموذجي على صعد نظرية مختلفة، لكنه بعيد تماماً عن سياق الثقافة العامة، وعن فهم الجمهور للدولة، وعن فهم الدولة من خلال مؤسساتها لنفسها، ولذلك ليس مبالغة القول إن النظام البرلماني في ضوء التجربة العراقية فشل في معظم مهامه المتوقعة وتحوّل خلال ست تجارب انتخابية متتالية إلى أحد قيود الدولة بديلاً من أن يكون سبباً في تحريرها من قيودها التاريخية.

ومعلوم أن العراق الذي عاش لقرن من الزمان تحت حكم ملكي ومن ثم جمهوري شديد المركزية لم يتمكن من تعريف طبيعته “الاتحادية” التي أقرها الدستور، ولأن “اتحاديته” جاءت كتسوية أكثر منها منهج عمل، لم ينجح العراقيون في تحديد حدودها وطبيعتها وكيفية انسجامها مع مفهوم الدولة الحديثة.

“النظام البرلماني” باعتباره نموذج حكم لا يشوبه خلل منهجي، كان عليه في النسخة العراقية ألا يكتفي بتأطير وسائل تداول السلطة والعلاقة بين السلطات، بل أن يؤسس فعلياً للدولة، وأن تصاغ العلاقات في نطاق الدولة وفق نموذجه، وهذا ما لم يحدث.

ولا جديد في القول إن أنظمة الحكم المعروفة ليست اختراعاً أو اجتهاداً نخبوياً، بل إن ولادتها تتم في الغالب طبيعية ومنبثقة من صميم التجارب الاجتماعية والاقتصادية التاريخية للأمم، ولذلك فإنها تطور نفسها وتعالج أخطاءها وتسد ثغراتها بالتجارب والخبرات.

والعراق لن يكون استثناءً، فالتجربة البرلمانية العراقية ما بعد 2003 كان متوقعاً لها أن تسد ثغراتها بالتجارب لا أن تتحول بدورها إلى ثغرة مستدامة في جسد الدولة.

هل يعني هذا أن خلل التجربة العراقية يكمن في طبيعة النظام السياسي “البرلماني” وأن معالجة الخلل تتطلب تغييراً في النظام نفسه مثل الانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي؟

الواقع أن النظام البرلماني على الورق هو الأكثر ملاءمة لطبيعة المجتمع العراقي والتحديات التي آلت إليها سياسات وتجليات قرون سبقت، كما أنه مؤهل ليصبح ضماناً مستداماً لوحدة الدولة وانسجام مجتمعاتها، لولا أنه مصمم على جسد نظام إداري منافر له، أنتج وينتج الأزمات والعراقيل.

 

أزمة بنيوية

النظام الإداري المركزي العراقي لم يخضع لأي تطوير وتحديث على امتداد عقود، وتم تصميم النظام السياسي البرلماني بعد عام 2003 على خريطة المؤسسات المركزية وليس العكس كما يفترض الدستور نفسه، والأمر على أية حال تم بشكل خاطئ وغير منتج، وهنا بعض ملامح الأزمة على هذا الصعيد:

أولاً: النظام الإداري المركزي العراقي اصطدم بعنف باللامركزية التي تشكل جوهر النظام الاتحادي العراقي، والتي تنسجم من حيث القواعد الفلسفية مع النظام البرلماني، فالبنى الإدارية العراقية قاومت بضراوة أية نزعة تجاه تقليص صلاحياتها المركزية.

ثانياً: تم إثقال النظام الإداري العراقي بملايين الموظفين وعشرات الوزارات والدوائر والهيئات والمؤسسات والشركات الحكومية، وكان ذلك نمطاً موروثاً من تجربة مركزية تعاني اختلالًا بنيويًا في الاقتصاد وريعية شديدة تقتل التنافس والإبداع والابتكار والتنمية المستدامة، وبيروقراطية متكلسة بالنظم والتعليمات الورقية، أصبحت مع التجارب تمثل جوهر الدولة وهي في الوقت نفسه قيدها الأساسي.

ثالثاً: تم بعد 2003 تقسيم الموظفين الكبار في الدولة إثنياً وطائفياً وحزبياً، في نطاق أنظمة “المحاصصة” وكانعكاس للخريطة البرلمانية التي أنتجتها الانتخابات، وكانت تلك المحاولة الأكثر خطورة لمؤسسي النظام البرلماني في محاولة إيجاد الانسجام بشكل ما مع النظام الإداري، وفي النهاية أثبتت هذه المهمة فشلها وقادت إلى تشويه النظام الإداري كانعكاس لتشوه النظام السياسي البرلماني. فطبيعة الهيكل الإداري العراقي القادم من فلسفة شمولية عمودية تحصر الصلاحيات في المؤسسات، لا تنسجم مع النظام البرلماني الذي يقوم على فلسفة توزيع الصلاحيات أفقياً.

رابعاً: سمح النظام البرلماني عندما تم إسقاط خريطته على الهرم الإداري العراقي بنقل أمراضه التقليدية إلى مؤسسات الدولة. فحيث يعاني النظام البرلماني العراقي من بطء في اتخاذ القرار وسيولة في المواقف، وتضارب في مراكز القوى، انتهت مؤسسات الدولة العراقية إلى تشوه إداري مزمن وتنازع بين أنظمة لامركزية مستحدثة (الحكومات المحلية وحكومة الإقليم) ونظام بيروقراطي تقليدي شديد المركزية (الحكومة الاتحادية) ومراكز قوى تنشأ وتنمو داخل جسد المؤسسات وتصيبها بالمزيد من العجز وانعدام الفاعلية.

خامساً: الطبقة العميقة الحقيقية في النظام الإداري العراقي، مثّلها الموظفون الوسطيون البيروقراطيون، وهؤلاء حاولوا صيانة الدولة وما تبقى من هيكلية مؤسساتها وسط العواصف السياسية الموسمية وتقلبات الانتخابات التي تغيّر، كل أربع سنوات أو حتى سنتين، الوزراء والوكلاء والمديرين العامين ورؤساء الأقسام على أساس المتغيرات في الخريطة الانتخابية. هؤلاء الموظفون استخدموا تعقيدات القانون البيروقراطي في الدولة العراقية وتشعباته لحماية المؤسسات من التقلبات الحزبية والتنازعات في الوزارات والدوائر والهيئات، لكنهم وهم يقومون بذلك مرغمين قيدوا مؤسسات الدولة وشلّوا من دون إرادتهم قدرتها وديناميكيتها وإمكانات تكيفها مع التحديثات والإصلاحات.

سادساً: شعرت الطبقة الوسطية بالتهديد من تغيير الحكومات، وما يتبع ذلك عادة من تصفيات إدارية مع تغيير الوزراء والوكلاء موسمياً، فكان نمط التعليمات والقوانين والمكاتب القانونية هو المسيطر والسائد والأكثر حضوراً في جسد المؤسسات.

سابعاً: إن اعتماد وزراء ووكلاء ومدراء من خارج البنية الإدارية وعلى أساس حزبي لكل مؤسسة بشكل مستمر، سيتطلب منح المزيد من الوقت لاندماج هؤلاء في البيئة الجديدة، ومن ضرورات الاندماج محاولة المسؤولين الجدد تجنب الأخطاء من خلال الاعتماد على الكادر الوسطي الثابت وصاحب الخبرة الإدارية والقانونية، وسوف تصبح الأقسام القانونية في المؤسسات الأكثر تأثيراً وفاعلية فيها، ومعلوم في تاريخ الدولة العراقية أن ثمة تنافساً وتدافعاً مفهوماً وديناميكياً ومتوازناً ومطلوباً بين الأقسام الإدارية والقانونية في المؤسسات، والأخيرة حسمت هذا التدافع الداخلي لصالحها مستثمرة تعقيدات اللوائح القانونية، وهي بذلك ساهمت، على الأقل، في تثبيت بنية المؤسسات، لكنها لم تحمِها في المجمل من التشوّه والتصادم والفساد.

ثامناً: إن أنظمة الحوكمة الإلكترونية لم تنسجم مع النظام الورقي التقليدي المعتمد عموماً في مؤسسات الدولة العراقية، وكان تطبيق نماذج الحكومات الإلكترونية صعباً ومعقداً واستسلم للفشل، ليس فقط بسبب بيئة الفساد والمحسوبية التي تتضارب مصالحها مع متطلبات الحوكمة والشفافية، بل لأن طبيعة المؤسسات وآليات عملها والقواعد البيروقراطية الموروثة من عهود سابقة لا تنسجم مع الحوكمة، التي من شأنها ليس فقط تنظيم العمل وإضفاء الشفافية على تعاملات الدولة، بل قبل ذلك ترشيقها ودفع مئات الآلاف من موظفيها إلى خارجها لانتفاء الحاجة إليهم.

تاسعاً: لم يلحق العراق بسبب الحصار الاقتصادي 1990-2003 بالنهضة الإدارية والمصرفية والقانونية العالمية التي أفرزتها أنظمة الحوسبة، وعندما حاول من 2003-2024 اللحاق وسط الأزمات والممانعات، كانت دول العالم تتجه نحو الثورة التكنولوجية وتتبنى أنظمة الحوكمة الشاملة وتطور أنظمتها الإدارية على أساس التطورات الدولية، واليوم وهو يحاول أن يتبنى مفاهيم الحوكمة، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي تبشر بتغيير جذري في الأنظمة الإدارية والمالية العالمية ينقلها إلى مستوى مختلف تماماً.

 

مسؤولية شاملة

تحدث رئيس الحكومة العراقي علي الزيدي مؤخراً عن ضرورة تغيير وتحديث الأنظمة الإدارية والمالية العراقية التي اعتبرها تنتمي إلى الحقبة الاشتراكية، وقد نال تعليق الزيدي انتقادات على يد مثقفين وباحثين تركز جلها على استخدامه المقاربة “الاشتراكية” التي لا يمكنها توصيف الوضع الحالي للدولة العراقية.

واقع الحال، إن تعريف الدولة يُعدّ ضرورة فعلية للبدء في عملية تغيير ذات طابع منهجي. وسواء كانت مؤسسات الدولة تحتكم إلى قوانين “اشتراكية”، أم كانت تمثل حالة خاصة من الاختلال والفوضى التي أنتجتها عقود من التخبط، فإن الأمر سيّان في نهاية المطاف من حيث حاجتها إلى عملية تغيير وتحديث مؤسسي واسعة النطاق.

إن ما ينبغي أن ينال قدراً وافراً من النقاش الأكاديمي والسياسي في هذه المرحلة يتعلق بالمحددات التي تحكم ديناميكيات التغيير، وهنا يجب أن يتم طرح التساؤل المفصلي عن الرابط الذي لا يمكن إهماله بين النظام السياسي والنظام الإداري للدولة.

فقبل المضي إلى تبني الأنظمة الرأسمالية الحديثة بكل صورها ونماذجها المتاحة، يجب أن تطرح الأسئلة حول إذا كان النظام البرلماني العراقي ملائماً خلال 50 سنة القادمة لإحداث التغيير والانسجام مع النظام الإداري، بعد أن فشل في ذلك خلال 20 عاماً مضت.

وهنا يمكن طرح خيارين:

الأول: إعادة النظر بالنظام السياسي، وتبنّي شكل جديد للحكم والتمثيل السياسي يتضمن حلاً شاملاً لموضوع صلاحيات إقليم كردستان وفق أسس كونفدرالية بما يضمن نظاماً سياسياً وإدارياً مركزياً في باقي أنحاء العراق وتحديد صلاحيات حكومات المحافظات أو ربطها مباشرة بالحكومة المركزية.

الثاني: إعادة النظر بالنظام الإداري، عبر تبني لامركزية شاملة تضعف المؤسسات المركزية وتقلصها إلى وزارات سيادية اتحادية (الخارجية، الدفاع، النفط، التخطيط، والمالية، والأمن القومي) وتوزع صلاحيات المؤسسات الموروثة مثل التعليم والصحة والإسكان والصناعة والاتصالات والأمن الداخلي وغيرها على الحكومات المحلية، بما في ذلك إعداد خطط لتوزيع الزخم الوظيفي المتركز في بغداد على المحافظات والأقاليم.

يمكن الافتراض نظرياً أن القيادات المؤسسة للعملية السياسية في العراق ربما اصطدمت بهذه المفارقة سواء عند كتابة الدستور أو في مراحل تطبيقاته اللاحقة، وربما تكون اعتمدت إمكانية تطبيق النظام اللامركزي بدليل أنها أقرّت قانون “المحافظات غير المنتظمة في إقليم” عام 2008، لكنها لم تتمكن من تطبيقه في كل المراحل اللاحقة، بسبب طبيعة الدولة نفسها، والمخاوف من تفتتها وتحول الوحدات الإدارية ذات الصلاحيات شبه الكاملة إلى دول جديدة داخل الدولة.

واقع الحال، إن العمل على إصلاح منهجي في مؤسسات الدولة العراقية، يجب أن يبدأ ويتزامن مع إصلاح النظام السياسي لتحقيق التكامل المطلوب، في نطاق خطط طويلة الأمد تحظى بمضمونية ومصداقية، ولا تخضع إلى متغيرات الخرائط السياسية، وتوفير الضمانات اللازمة لمثل هذا التغيير الشامل يستدعي مسؤولية جماعية كما يستدعي رؤية مؤسسية للدولة.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025