سيناريوهات ما بعد النظام الإيراني حسابات واشنطن وارتداداتها على العراق

يتناول المقال سيناريوهات انهيار النظام الإيراني، ومخاطرها الإقليمية، داعيًا العراق لاستعداد سيادي مرن مسبق وفاعل

 

تزايدت خلال الأعوام الأخيرة – وبوتيرة أعلى في الأشهر الماضية – النقاشات الدولية حول مستقبل إيران في حال انهيار منظومة الحكم القائمة. وتتكرر التحذيرات من أن التحدّي الأكبر ليس “سقوط النظام” بحدّ ذاته، بل إدارة مرحلة ما بعده ومنع تحوّلها إلى فراغ سلطة واسع يفتح الباب أمام الفوضى.

ضمن هذا السياق، يبرز سؤالان متلازمان: ما السيناريوهات الواقعية لمرحلة ما بعد الانهيار؟ وهل تمتلك واشنطن تصوّرًا عمليًا متماسكًا للتعامل مع كل مسار؟

الخلفيات المباشرة: ضغوط داخلية وتآكل شبكات النفوذ

تجمع قراءات بحثية وإعلامية على أن البيئة الداخلية الإيرانية باتت أكثر هشاشة بفعل تداخل ثلاثة مسارات ضاغطة: موجات احتجاج متكررة، أزمة اقتصادية عميقة، وتصلّب أمني يجعل أي تفكك مفاجئ في البنية القسرية مدخلًا للفوضى بدل الانتقال المنظّم.

اقتصاديًا، تشير مؤسسة “رند” إلى تدهور العملة بما يزيد على 60% خلال عام، مع تضخم يتجاوز 40% وتوقع استمرار الضغوط في 2026.

سياسيًا وأمنيًا، يبرز الحرس الثوري بوصفه فاعلًا محتملًا في المرحلة الانتقالية، باعتباره المؤسسة الأكثر تماسكًا وقدرة تنظيمية مقارنة ببقية الفاعلين. وفي المقابل، تؤكد التحليلات نفسها غياب مؤشرات موثوقة على وجود قيادة معارضة موحدة قادرة على إدارة دولة بحجم إيران فورًا في حال وقوع انهيار مفاجئ.

جميع الاحتمالات المطروحة

تتوزع “احتمالات اليوم التالي” في الأدبيات التي تناقش إيران إلى حزمة سيناريوهات متقاطعة، ويمكن تلخيصها في ثمانية عناوين كبرى (مع وجود تقاطعات بينها):

  1. سيطرة عسكرية مباشرة/”جمهورية الحرس” (نموذج باكستاني – مصري أو حكم عسكري طويل).
  2. “قبضة أمنية” بنسخة بوتينية/نموذج روسي: نخبة أمنية تعيد تعريف الشرعية على قاعدة قومية – عسكرية بدل الأيديولوجيا الدينية.
  3. انفتاح براغماتي/نموذج صيني: قمع سياسي مع إعادة توجيه الشرعية نحو الاقتصاد والمصلحة الوطنية.
  4. تشدد نووي وعزلة/نموذج كوري شمالي: مزيد من الأيديولوجيا والقمع وربط البقاء برادع نووي. وهذا يعني بقاء النظام.
  5. فوضى/تفكك/حرب أهلية (نموذج سوري-ليبي) مع صدام مراكز قوة وتوترات قومية-مناطقية؛ وقد يصل إلى تفكك جزئي أو صعود كيانات محلية.
  6. انتقال مُدار/منظّم: إزاحة رأس السلطة وتشكيل ترتيبات انتقالية تحفظ الدولة المركزية دون ضمان ديمقراطية فورية.
  7. انتقال ديمقراطي هش: حكومة مدنية تواجه خطر ابتلاع “الدولة العميقة” للتجربة الوليدة.
  8. إصلاح جزئي/”استمرار أضعف”: ينجو النظام ويستمر عبر قمع وتعديلات محدودة دون تحول جذري.

 

 

السيناريوهات الأرجح

عند دراسة السيناريوهات المحتملة، تبرز مجموعة مؤثرات حاكمة:

  • يصعب افتراض أن الولايات المتحدة قد تقبل – في حال ذهبت باتجاه إسقاط النظام – بوجود رادع نووي أو صاروخي بيد إيران؛ وإلا لما أصبح خيار “إسقاط النظام” مطروحًا أصلًا. وعليه، فإن أي مسار أمريكي نحو إسقاط النظام يفترض خطة موازية لإخراج الأسلحة “الأخطر” سريعًا قبل أن تقع في يد ميليشيات مسلحة قد تتكون من فلول الحرس الثوري أو غيرها، أو قبل أن تتدفق عناصر مسلحة من خارج إيران (مثل أفغانستان وباكستان).
  • النظام الإيراني نجح خلال عقود في إضعاف أي بديل جاهز داخل إيران وخارجها يمكنه تولّي السلطة فورًا. ويعزز ذلك سلوك النظام ذاته؛ إذ اعتقل قبل أيام اغلب قيادات التيار الإصلاحي – وهم جزء من النظام نفسه – على خلفية اجتماع مغلق تداولوا فيه إمكان مطالبة المرشد بالتنحي لصالح رموز من داخل النظام لـ”إنقاذ النظام من السقوط”. هذا النوع من الضبط السياسي يضيّق احتمال أن تقود جماعة سياسية “من داخل النظام” عملية تغيير سلسة.
  • القمع الدموي الذي أقدم عليه النظام الشهر الماضي للقضاء على الاحتجاجات الشعبية قلّص فرص قبول الشارع ببديل من داخل النظام، ورفع سقف المطالبة نحو العبور الكامل منه لا ترميمه.
  • التنوع العرقي والطائفي الكبير في إيران، وما يرافقه من حساسيات وشعور بالغبن لدى غير الفرس وغير الشيعة، قد يجعل لحظة التحول فرصة لرفع مطالب حقوقية وسياسية على نحو قد يتخذ أشكالًا حادة إذا غاب الضبط المركزي.

انطلاقًا من ذلك، تبدو المسارات التالية الأكثر احتمالًا:

المسار الأول: “جمهورية العسكر”

يفترض هذا السيناريو انتقال مركز الثقل من الشرعية الدينية إلى شرعية أمنية – عسكرية، عبر صعود مجموعة من القيادات الوسطى – غير المعروفة شعبيًا – من الجيش والحرس الثوري وأجهزة أمنية أخرى، لتتولى الحكم بواجهة سياسية أو من دونها، مع تقليص دور المؤسسة الدينية.

هذا المسار يضع واشنطن أمام مفارقة: نظام أقل أيديولوجية دينية بالضرورة، لكنه أكثر انضباطًا أمنيًا وقدرة على إدارة الردع والابتزاز الإقليمي.

الدلالة للعراق: احتمال إعادة “تكيّف” القوى المرتبطة بالنفوذ الإيراني داخل العراق بسرعة للحفاظ على مواقعها، عبر مزيد من التمحور المحلي وتخفيف الارتباط الأيديولوجي العابر للحدود.

المسار الثاني: “بوتينية إيرانية” بنخبة أمنية

في هذا المسار، لا تقتصر التحولات على “عسكرة الحكم”، بل تمتد إلى إعادة تعريف الهوية السياسية من “إسلامية ثورية” إلى “قومية أمنية” تستثمر خطاب المظلومية والعداء الخارجي كآلية شرعنة.

قد تميل واشنطن للتعامل معه باعتباره “أكثر قابلية للتفاوض” مقارنة بثيوقراطية ثورية، لكنها ستصطدم بأن بنيته الأمنية ترفع كلفة التنازلات الاستراتيجية داخليًا، وتحدّ من مساحة المناورة.

الدلالة للعراق: يرتفع احتمال “إدارة النفوذ” بدل “تصدير الأيديولوجيا”، بما قد يفتح نافذة محدودة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك داخل العراق، شرط امتلاك بغداد أدوات تفاوض سيادية ومتماسكة.

المسار الثالث: الفوضى والتفكك/حرب أهلية

هو السيناريو الأعلى كلفة على الإقليم. يقوم على تفكك السلطة المركزية وتنازع مراكز القوة، مع اندفاع توترات قومية – مناطقية إلى صدام مفتوح، بما ينتج موجات نزوح واضطرابًا عابرًا للحدود.

هذا السيناريو يفضح الفارق بين امتلاك “تصورات” وامتلاك “خطة لإدارة الفراغ”: ففوضى بحجم إيران ترفع مخاطر الانتشار والتفلت الأمني إلى ما يتجاوز قدرة أي تدخل محدود على الضبط.

الدلالة للعراق: مخاطر حدود رخوة، تبعات اقتصادية، وعودة تنشيط شبكات تهريب وسلاح. مخاطر تتصاعد عادةً مع انهيار الدول، من دون إمكانية الجزم بمستواها قبل وقوع الحدث.

أين تقف واشنطن؟ فجوة بين “معرفة السيناريوهات” وامتلاك استراتيجية

تشير تحليلات منشورة إلى أن واشنطن تتعامل مع احتمال التغيير عبر “سيناريوهات متعددة” من دون ترجيح واضح أو خطة معلنة لليوم التالي، ما يجعل السياسة أقرب إلى إدارة أزمة بالحد الأدنى بدل هندسة انتقال.

ومن زاوية أخرى، يلفت تقرير صادر عن “خدمة أبحاث الكونغرس” إلى أن النقاش الأمريكي يتطرق إلى سيناريوهات التدخل وتداعياتها، بما يعكس حضور الملف داخل المؤسسة التشريعية، لكنه لا يحسم سؤال: كيف يُدار الفراغ إذا تعاظمت الفوضى؟

المنظور العراقي: سيادة مرنة بدل الارتهان للمحاور

بالنسبة لصنّاع القرار في بغداد، أياً كان المسار الإيراني الأقرب، فالعراق سيكون في قلب الموجة الارتدادية. لذلك تبرز ثلاث أولويات عملية:

  1. تحويل العلاقة إلى “سيادة مرنة/استقلالية مرنة” عبر تقوية أدوات الدولة في الحدود والاقتصاد واحتكار القرار الأمني، بدل انتظار “من يحكم طهران”.
  2. إعادة تموضع الفاعلين المسلحين والسياسيين: في سيناريو العسكرة أو “البوتينية” أو حتى التفكك، سترتفع دوافع “التكيّف” الداخلي للحفاظ على الصدارة، ما يخلق لحظة اختبار لتوازن الدولة والمجتمع والسياسة.
  3. فتح نافذة لإنهاء الاغتراب السياسي: تراجع النفوذ الأيديولوجي العابر للحدود – إن حدث – قد يتيح للنخب العراقية، بما فيها القوى المدنية والعلمانية، توسيع المشاركة

والتأثير ضمن أفق واقعي غير إقصائي.

الخلاصة

اليوم التالي في إيران – إذا وقع انهيار أو تفكك مفاجئ – ليس “سيناريو واحدًا”، بل حزمة مسارات تتراوح بين عسكرة الحكم بأشكالها المختلفة، وتشدد تحصّني، أو انفلات إلى فوضى، فيما يبقى الانتقال المدني المنظم احتمالًا قائمًا من حيث المبدأ، لكنه الأصعب ترجمةً على الأرض: إذ يتطلب حدًّا أدنى من توافقٍ سياسي جامع، وقيادة انتقالية ذات شرعية، وخريطة طريق متفقًا عليها تضمن استمرار الدولة وأجهزتها ومنع انزلاق الأمن. غير أن هذا المسار يصطدم بواقعين متلازمين؛ أولهما أن مؤسسات الدولة، حتى لو اهتزت، ما تزال تُظهر مؤشرات تماسك تجعل مفاتيح “الانتقال السلس” أقل قابلية للانتزاع خارج ترتيبات فوقية أو تفاهمات داخل النخبة الحاكمة. وثانيهما غياب بديل موحّد قادر على ملء الفراغ بسرعة، سواء داخل المعارضة أو بين الفاعلين الاجتماعيين، بما يضعف فرص إنتاج سلطة مدنية انتقالية تتمتع بقدرة الضبط والإدارة.

وبالنسبة للعراق، لا يكفي حصر النقاش في سؤال “هل تدرك واشنطن؟”، بل الأهم تحويله إلى سياسة عراقية تنفيذية تُدار بعقل دولة لا بردّات فعل. جوهر التحدي هو بناء كوابح تمنع انتقال ارتدادات أي صدمة إيرانية إلى الداخل عبر قنوات الأمن والاقتصاد والسياسة، وحماية المؤسسات من الاستقطاب أو التفكك تحت ضغط الاصطفافات الإقليمية.

هذا يتطلب إعادة تعريف العراق من “ساحة” للصراعات إلى “فاعل” يمتلك هامش قرار عبر السيادة المرنة: سيادة عملية تقوم على المناورة وحماية المصالح دون قطع الجسور، وتُترجم إلى ضبط الحدود، وإدارة استباقية لملفات الطاقة والتجارة والعملة والتهريب، وتحصين الجبهة الداخلية كي لا يصبح العراق منصة لتصفية الحسابات أو ممرًا لانهيارات الآخرين.

وعليه، يصبح السؤال: ما حزمة الإجراءات التي تضمن استمرارية الدولة وقت الصدمات – خطة طوارئ اقتصادية تقلل الاعتماد والارتباك، وبروتوكول أمني يمنع انفلات السلاح وتعدد مراكز القرار، ومقاربة دبلوماسية تحفظ خطوط التواصل وتمنح العراق دور الوسيط عند الحاجة – لتحويله من متلقٍ للصدمة إلى لاعب يقلل كلفتها ويعيد توزيع مخاطرها بدل إعادة إنتاجها كأزمات متسلسلة.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

سيناريوهات ما بعد النظام الإيراني حسابات واشنطن وارتداداتها على العراق

يتناول المقال سيناريوهات انهيار النظام الإيراني، ومخاطرها الإقليمية، داعيًا العراق لاستعداد سيادي مرن مسبق وفاعل

 

تزايدت خلال الأعوام الأخيرة – وبوتيرة أعلى في الأشهر الماضية – النقاشات الدولية حول مستقبل إيران في حال انهيار منظومة الحكم القائمة. وتتكرر التحذيرات من أن التحدّي الأكبر ليس “سقوط النظام” بحدّ ذاته، بل إدارة مرحلة ما بعده ومنع تحوّلها إلى فراغ سلطة واسع يفتح الباب أمام الفوضى.

ضمن هذا السياق، يبرز سؤالان متلازمان: ما السيناريوهات الواقعية لمرحلة ما بعد الانهيار؟ وهل تمتلك واشنطن تصوّرًا عمليًا متماسكًا للتعامل مع كل مسار؟

الخلفيات المباشرة: ضغوط داخلية وتآكل شبكات النفوذ

تجمع قراءات بحثية وإعلامية على أن البيئة الداخلية الإيرانية باتت أكثر هشاشة بفعل تداخل ثلاثة مسارات ضاغطة: موجات احتجاج متكررة، أزمة اقتصادية عميقة، وتصلّب أمني يجعل أي تفكك مفاجئ في البنية القسرية مدخلًا للفوضى بدل الانتقال المنظّم.

اقتصاديًا، تشير مؤسسة “رند” إلى تدهور العملة بما يزيد على 60% خلال عام، مع تضخم يتجاوز 40% وتوقع استمرار الضغوط في 2026.

سياسيًا وأمنيًا، يبرز الحرس الثوري بوصفه فاعلًا محتملًا في المرحلة الانتقالية، باعتباره المؤسسة الأكثر تماسكًا وقدرة تنظيمية مقارنة ببقية الفاعلين. وفي المقابل، تؤكد التحليلات نفسها غياب مؤشرات موثوقة على وجود قيادة معارضة موحدة قادرة على إدارة دولة بحجم إيران فورًا في حال وقوع انهيار مفاجئ.

جميع الاحتمالات المطروحة

تتوزع “احتمالات اليوم التالي” في الأدبيات التي تناقش إيران إلى حزمة سيناريوهات متقاطعة، ويمكن تلخيصها في ثمانية عناوين كبرى (مع وجود تقاطعات بينها):

  1. سيطرة عسكرية مباشرة/”جمهورية الحرس” (نموذج باكستاني – مصري أو حكم عسكري طويل).
  2. “قبضة أمنية” بنسخة بوتينية/نموذج روسي: نخبة أمنية تعيد تعريف الشرعية على قاعدة قومية – عسكرية بدل الأيديولوجيا الدينية.
  3. انفتاح براغماتي/نموذج صيني: قمع سياسي مع إعادة توجيه الشرعية نحو الاقتصاد والمصلحة الوطنية.
  4. تشدد نووي وعزلة/نموذج كوري شمالي: مزيد من الأيديولوجيا والقمع وربط البقاء برادع نووي. وهذا يعني بقاء النظام.
  5. فوضى/تفكك/حرب أهلية (نموذج سوري-ليبي) مع صدام مراكز قوة وتوترات قومية-مناطقية؛ وقد يصل إلى تفكك جزئي أو صعود كيانات محلية.
  6. انتقال مُدار/منظّم: إزاحة رأس السلطة وتشكيل ترتيبات انتقالية تحفظ الدولة المركزية دون ضمان ديمقراطية فورية.
  7. انتقال ديمقراطي هش: حكومة مدنية تواجه خطر ابتلاع “الدولة العميقة” للتجربة الوليدة.
  8. إصلاح جزئي/”استمرار أضعف”: ينجو النظام ويستمر عبر قمع وتعديلات محدودة دون تحول جذري.

 

 

السيناريوهات الأرجح

عند دراسة السيناريوهات المحتملة، تبرز مجموعة مؤثرات حاكمة:

  • يصعب افتراض أن الولايات المتحدة قد تقبل – في حال ذهبت باتجاه إسقاط النظام – بوجود رادع نووي أو صاروخي بيد إيران؛ وإلا لما أصبح خيار “إسقاط النظام” مطروحًا أصلًا. وعليه، فإن أي مسار أمريكي نحو إسقاط النظام يفترض خطة موازية لإخراج الأسلحة “الأخطر” سريعًا قبل أن تقع في يد ميليشيات مسلحة قد تتكون من فلول الحرس الثوري أو غيرها، أو قبل أن تتدفق عناصر مسلحة من خارج إيران (مثل أفغانستان وباكستان).
  • النظام الإيراني نجح خلال عقود في إضعاف أي بديل جاهز داخل إيران وخارجها يمكنه تولّي السلطة فورًا. ويعزز ذلك سلوك النظام ذاته؛ إذ اعتقل قبل أيام اغلب قيادات التيار الإصلاحي – وهم جزء من النظام نفسه – على خلفية اجتماع مغلق تداولوا فيه إمكان مطالبة المرشد بالتنحي لصالح رموز من داخل النظام لـ”إنقاذ النظام من السقوط”. هذا النوع من الضبط السياسي يضيّق احتمال أن تقود جماعة سياسية “من داخل النظام” عملية تغيير سلسة.
  • القمع الدموي الذي أقدم عليه النظام الشهر الماضي للقضاء على الاحتجاجات الشعبية قلّص فرص قبول الشارع ببديل من داخل النظام، ورفع سقف المطالبة نحو العبور الكامل منه لا ترميمه.
  • التنوع العرقي والطائفي الكبير في إيران، وما يرافقه من حساسيات وشعور بالغبن لدى غير الفرس وغير الشيعة، قد يجعل لحظة التحول فرصة لرفع مطالب حقوقية وسياسية على نحو قد يتخذ أشكالًا حادة إذا غاب الضبط المركزي.

انطلاقًا من ذلك، تبدو المسارات التالية الأكثر احتمالًا:

المسار الأول: “جمهورية العسكر”

يفترض هذا السيناريو انتقال مركز الثقل من الشرعية الدينية إلى شرعية أمنية – عسكرية، عبر صعود مجموعة من القيادات الوسطى – غير المعروفة شعبيًا – من الجيش والحرس الثوري وأجهزة أمنية أخرى، لتتولى الحكم بواجهة سياسية أو من دونها، مع تقليص دور المؤسسة الدينية.

هذا المسار يضع واشنطن أمام مفارقة: نظام أقل أيديولوجية دينية بالضرورة، لكنه أكثر انضباطًا أمنيًا وقدرة على إدارة الردع والابتزاز الإقليمي.

الدلالة للعراق: احتمال إعادة “تكيّف” القوى المرتبطة بالنفوذ الإيراني داخل العراق بسرعة للحفاظ على مواقعها، عبر مزيد من التمحور المحلي وتخفيف الارتباط الأيديولوجي العابر للحدود.

المسار الثاني: “بوتينية إيرانية” بنخبة أمنية

في هذا المسار، لا تقتصر التحولات على “عسكرة الحكم”، بل تمتد إلى إعادة تعريف الهوية السياسية من “إسلامية ثورية” إلى “قومية أمنية” تستثمر خطاب المظلومية والعداء الخارجي كآلية شرعنة.

قد تميل واشنطن للتعامل معه باعتباره “أكثر قابلية للتفاوض” مقارنة بثيوقراطية ثورية، لكنها ستصطدم بأن بنيته الأمنية ترفع كلفة التنازلات الاستراتيجية داخليًا، وتحدّ من مساحة المناورة.

الدلالة للعراق: يرتفع احتمال “إدارة النفوذ” بدل “تصدير الأيديولوجيا”، بما قد يفتح نافذة محدودة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك داخل العراق، شرط امتلاك بغداد أدوات تفاوض سيادية ومتماسكة.

المسار الثالث: الفوضى والتفكك/حرب أهلية

هو السيناريو الأعلى كلفة على الإقليم. يقوم على تفكك السلطة المركزية وتنازع مراكز القوة، مع اندفاع توترات قومية – مناطقية إلى صدام مفتوح، بما ينتج موجات نزوح واضطرابًا عابرًا للحدود.

هذا السيناريو يفضح الفارق بين امتلاك “تصورات” وامتلاك “خطة لإدارة الفراغ”: ففوضى بحجم إيران ترفع مخاطر الانتشار والتفلت الأمني إلى ما يتجاوز قدرة أي تدخل محدود على الضبط.

الدلالة للعراق: مخاطر حدود رخوة، تبعات اقتصادية، وعودة تنشيط شبكات تهريب وسلاح. مخاطر تتصاعد عادةً مع انهيار الدول، من دون إمكانية الجزم بمستواها قبل وقوع الحدث.

أين تقف واشنطن؟ فجوة بين “معرفة السيناريوهات” وامتلاك استراتيجية

تشير تحليلات منشورة إلى أن واشنطن تتعامل مع احتمال التغيير عبر “سيناريوهات متعددة” من دون ترجيح واضح أو خطة معلنة لليوم التالي، ما يجعل السياسة أقرب إلى إدارة أزمة بالحد الأدنى بدل هندسة انتقال.

ومن زاوية أخرى، يلفت تقرير صادر عن “خدمة أبحاث الكونغرس” إلى أن النقاش الأمريكي يتطرق إلى سيناريوهات التدخل وتداعياتها، بما يعكس حضور الملف داخل المؤسسة التشريعية، لكنه لا يحسم سؤال: كيف يُدار الفراغ إذا تعاظمت الفوضى؟

المنظور العراقي: سيادة مرنة بدل الارتهان للمحاور

بالنسبة لصنّاع القرار في بغداد، أياً كان المسار الإيراني الأقرب، فالعراق سيكون في قلب الموجة الارتدادية. لذلك تبرز ثلاث أولويات عملية:

  1. تحويل العلاقة إلى “سيادة مرنة/استقلالية مرنة” عبر تقوية أدوات الدولة في الحدود والاقتصاد واحتكار القرار الأمني، بدل انتظار “من يحكم طهران”.
  2. إعادة تموضع الفاعلين المسلحين والسياسيين: في سيناريو العسكرة أو “البوتينية” أو حتى التفكك، سترتفع دوافع “التكيّف” الداخلي للحفاظ على الصدارة، ما يخلق لحظة اختبار لتوازن الدولة والمجتمع والسياسة.
  3. فتح نافذة لإنهاء الاغتراب السياسي: تراجع النفوذ الأيديولوجي العابر للحدود – إن حدث – قد يتيح للنخب العراقية، بما فيها القوى المدنية والعلمانية، توسيع المشاركة

والتأثير ضمن أفق واقعي غير إقصائي.

الخلاصة

اليوم التالي في إيران – إذا وقع انهيار أو تفكك مفاجئ – ليس “سيناريو واحدًا”، بل حزمة مسارات تتراوح بين عسكرة الحكم بأشكالها المختلفة، وتشدد تحصّني، أو انفلات إلى فوضى، فيما يبقى الانتقال المدني المنظم احتمالًا قائمًا من حيث المبدأ، لكنه الأصعب ترجمةً على الأرض: إذ يتطلب حدًّا أدنى من توافقٍ سياسي جامع، وقيادة انتقالية ذات شرعية، وخريطة طريق متفقًا عليها تضمن استمرار الدولة وأجهزتها ومنع انزلاق الأمن. غير أن هذا المسار يصطدم بواقعين متلازمين؛ أولهما أن مؤسسات الدولة، حتى لو اهتزت، ما تزال تُظهر مؤشرات تماسك تجعل مفاتيح “الانتقال السلس” أقل قابلية للانتزاع خارج ترتيبات فوقية أو تفاهمات داخل النخبة الحاكمة. وثانيهما غياب بديل موحّد قادر على ملء الفراغ بسرعة، سواء داخل المعارضة أو بين الفاعلين الاجتماعيين، بما يضعف فرص إنتاج سلطة مدنية انتقالية تتمتع بقدرة الضبط والإدارة.

وبالنسبة للعراق، لا يكفي حصر النقاش في سؤال “هل تدرك واشنطن؟”، بل الأهم تحويله إلى سياسة عراقية تنفيذية تُدار بعقل دولة لا بردّات فعل. جوهر التحدي هو بناء كوابح تمنع انتقال ارتدادات أي صدمة إيرانية إلى الداخل عبر قنوات الأمن والاقتصاد والسياسة، وحماية المؤسسات من الاستقطاب أو التفكك تحت ضغط الاصطفافات الإقليمية.

هذا يتطلب إعادة تعريف العراق من “ساحة” للصراعات إلى “فاعل” يمتلك هامش قرار عبر السيادة المرنة: سيادة عملية تقوم على المناورة وحماية المصالح دون قطع الجسور، وتُترجم إلى ضبط الحدود، وإدارة استباقية لملفات الطاقة والتجارة والعملة والتهريب، وتحصين الجبهة الداخلية كي لا يصبح العراق منصة لتصفية الحسابات أو ممرًا لانهيارات الآخرين.

وعليه، يصبح السؤال: ما حزمة الإجراءات التي تضمن استمرارية الدولة وقت الصدمات – خطة طوارئ اقتصادية تقلل الاعتماد والارتباك، وبروتوكول أمني يمنع انفلات السلاح وتعدد مراكز القرار، ومقاربة دبلوماسية تحفظ خطوط التواصل وتمنح العراق دور الوسيط عند الحاجة – لتحويله من متلقٍ للصدمة إلى لاعب يقلل كلفتها ويعيد توزيع مخاطرها بدل إعادة إنتاجها كأزمات متسلسلة.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025