“ظريف” حين يطلب الثقة من الجوار بلغة غير ظريفة

 

دعوة ظريف للثقة الإقليمية تخفي ابتزازًا إيرانيًا؛ تطلب من الجوار العربي الاطمئنان، بينما تلوّح بالتهديد وتنتقي السيادة والتاريخ وفق طهران

 

أولًا: هل يحقّ لمن أضرم النار في بيت الجار أن يحاضره في أصول الجوار؟

هذا هو السؤال الذي تستدعيه مقالة وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، المنشورة في “الجزيرة نت” في السادس من أيار/مايو 2026. ففيها يقدّم ظريف نفسه معلّماً يشرح لدول الخليج العربي “دروس الحرب”، بينما يمارس في العمق لعبة مألوفة: قلب المنطق، وتحويل المعتدي إلى ضحية، والضحية إلى جانٍ. لسنا هنا أمام مراجعة إيرانية هادئة، بل أمام نسخة منمّقة من منطق الابتزاز؛ تبدأ بلغة المصالحة، وتنتهي إلى منطق الإكراه. فالثقة، في تصور ظريف، ليست علاقة متبادلة بين دول ذات سيادة، بل قبول مسبق بحق إيران في تعريف الأمن، وتحديد العدو، وتوزيع صكوك البراءة والإدانة على الآخرين.

وقبل الدخول في متن الحجة، تستحق ثلاث قرائن صغيرة وقفةً خاصة، لأنها تكشف عقيدة الكاتب أكثر مما تفعل ادعاءاته. الأولى أنّ ظريف يوقع مقاله العربي باسم: محمد جواد ظريف، بينما يكتب اسمه بالإنكليزية على منصة “إكس”: Javad Zarif، حاذفاً “محمد”. قد يبدو التفصيل شكلياً، لكنه دال: ثمة جمهور غربي يخاطبه بهوية منزوعة الإحالة الإسلامية، وجمهور عربي وإسلامي يخاطبه بهوية مكتملة الرموز. الثانية أنّ صورته الشخصية على المنصة نفسها تعلوها خريطة لإيران تمتدّ بصرياً لتبتلع سواحل الخليج العربي الثلاثة: الشرقي والشمالي والغربي، لا الساحل الإيراني وحده. وهذه رسالة بصرية تسبق أي نقاش نظري عن “الأمن الإقليمي”. أما الثالثة، فتتمثل في الفجوة بين النص الفارسي الذي نشره ظريف على موقعه الرسمي، والنص العربي الذي نشرته “الجزيرة”. ففي النص الفارسي يضع عبارة “جيراننا العرب وقفوا باستمرار على الجانب الخاطئ من التاريخ” عنواناً صريحاً، بينما ترد في النص العربي داخل المتن من دون تخصيصها بعنوان مستقل. ويتحدث في الفارسية عن دولته بوصفها “دولة حضارية تمتد لآلاف السنين بشكل متواصل”، بينما تأتي الترجمة العربية أكثر تلطيفاً، فتحوّل “آلاف السنين” إلى “ألف” وهي ايضًا مزحة حيث كانت آنذاك تحت وطأة المغول وبعدهم القبائل التركمانية المهاجرة.

ثانياً: بنية الحجة: مصالحة في الواجهة، وابتزاز في الجوهر

تبدأ مقالة ظريف باستدعاء “الأخوّة الإسلامية” و”المصير المشترك”، وتنتهي بعبارة ذات نبرة وجدانية: “مقدَّر لنا أن نعيش معاً حتى يوم القيامة”. غير أنّ ما يجري بين الفاتحة والخاتمة شيء مختلف تماماً. فحين يتحدث عن مضيق هرمز و”الأسواق العالمية” و”العواقب الوخيمة”، فهو لا يشرح الجغرافيا بقدر ما يذكّر الآخرين بأنّ إيران قادرة على تحويل موقعها إلى أداة ضغط. وحين يصف نموذج الأمن والتنمية الخليجي بأنه “معيب للغاية”، فهو لا يفتح نقاشاً تنموياً جاداً، بل يحاول نزع الشرعية عن نموذجٍ نجح في بناء مدن واقتصادات واستقرار. وحين يخاطب دول الجوار قائلاً: “فلا يلوموا إلا أنفسهم لتجاهلهم الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا”، فإنّ العبارة لا تعود نصيحة سياسية، بل تصبح تهديداً صريحاً. هكذا يتحول “الدرس” المعلن إلى وثيقة إدانة مضمرة، ويتبدل خطاب الثقة إلى لائحة شروط.

ثالثاً: الثنائية الزائفة و”الجانب الخاطئ من التاريخ”

تكمن خدعة المقال في ثنائية كاذبة: إمّا الانضواء في “الشبكة الأمنية” التي تريد طهران قيادتها، وإمّا الوقوف “على الجانب الخاطئ من التاريخ”. فالدول العربية التي استضافت قواعد أمريكية تُقدَّم بوصفها متواطئة في “جرائم الحرب”، بينما تُوصَف الصواريخ الإيرانية التي انطلقت نحو تلك الدول بأنها “رد محسوب ومقيّد”. هنا يصادر ظريف المطلوب مرتين: الأولى حين يجعل التاريخ محكمة إيرانية لا تُسأل، والثانية حين يحوّل الفعل إلى “ردّ”، والردّ إلى “اعتدال”. وكأنّ ذاكرة المنطقة تبدأ فقط من اللحظة التي تعرضت فيها إيران للهجوم، لا من عقود طويلة من التدخلات، والخطاب الثوري، والتهديد المتكرر للممرات البحرية، ومحاولة تحويل الجوار العربي إلى عمق أمني تابع. يريد ظريف من دول الخليج أن تعترف بخطئها قبل أن تناقش إيران خطأها، وأن يرى في القواعد الأجنبية تهديداً وجودياً لطهران، من دون أن يرى في الصواريخ والميليشيات والاختراقات السياسية تهديداً وجودياً لجيرانه.

رابعاً: مفارقة هرمز: التهديد الذي يثبت ضرورة العلاج المُدان

يقول ظريف إنّ “ضبط النفس الإيراني الطويل” خلق انطباعاً بأنّ مضيق هرمز “مفتوح للجميع بينما كانت إيران محرومة منه”. وهذه ليست لغة شريك في ممر بحري دولي يكفله القانون البحري، بل لغة من ينظر إلى المضيق بوصفه ورقة يمكن التلويح بها عند الحاجة. والمفارقة أنّ هذه اللغة نفسها تُغلق حلقة الحجة على صاحبها؛ فاستعمال هرمز أداة ضغط ضد الجيران، هو، في جوهره، ما يدفع دول الخليج إلى البحث عن تحالفات أمنية خارجية، وهي التحالفات نفسها التي يدعو ظريف إلى تفكيكها. بذلك، فإنّ التهديد الذي يُساق ذريعة للوعظ يثبت، في اللحظة ذاتها، ضرورة العلاج الذي يدينه. فمن يطالب الآخرين بالتخلّي عن مظلتهم الأمنية لا يستطيع، في الفقرة التالية، أن يلوّح بإمكان خنق ممرهم الاقتصادي. هذا ليس تعبيراً عابراً عن سوء تحرير، بل تناقض بنيوي في منطق المقال.

خامساً: السردية “الحضارية” وإخفاق مشروع “إيران 2025”

الجزء الأخطر في مقالة ظريف هو سرديتها الحضارية. فإيران، في النص، دولة “حضارية ممتدة”، وأمنها “محلي المنشأ”، أما الجيران فقد “بنوا ثرواتهم على البؤس غير القانوني المفروض على الإيرانيين”. هذه ليست فلسفة إقليمية، بل صياغة متأخرة لعقدة مشروع “إيران 2025” الذي وعد الإيرانيين بأن تصبح بلادهم القوة الأولى في غرب آسيا بحلول عام 2025. لكن ما حدث كان معاكساً: وجد الإيرانيون جيرانهم، الذين طالما نظرت إليهم طهران باستخفاف، يبنون اقتصادات متنوعة، ومدناً عالمية، ومنظومات حوكمة أكثر قدرة على العمل، بينما ظل النموذج الإيراني عاجزاً عن توفير أبسط متطلبات العيش الكريم لشعبه.

لذلك تبدو “عقدة دبي” أكثر حضوراً في النص من أي نظرية جدية للأمن الإقليمي. فالمشكلة عند ظريف ليست فقط أنّ الخليج اشترى أمنه من الخارج، بل أنّه بنى نموذجاً جاذباً، في الوقت الذي واصلت فيه إيران بيع خطاب الصمود لشعبها بدل الرفاه. وحين يُترجَم الإحباط من فشل النموذج إلى رصاص على البنى التحتية الخليجية، كما تكشف الضربات الموثقة على “أرامكو” عام 2019، وأبوظبي عام 2022، وحقول كردستان والبصرة عام 2025، يغدو حديث ظريف عن “الأخوّة الإسلامية” تعليقاً جانبياً على فعل ناطق. فالسردية “الحضارية” ليست بريئة؛ إنها اللغة التي تُغلَّف بها الهيمنة حين تعجز عن فرض نفسها بالقوة المباشرة.

سادساً: السيادة مبدأ لا يتجزأ

تظهر نقطة التناقض الأوضح حين يتحدث ظريف عن السيادة. فهو يصوّر الوجود الأمريكي في المنطقة بوصفه انتهاكاً للسيادة العربية، لكنه يتجاهل التدخل الإيراني في أربع عواصم عربية، ذلك التدخل الذي طالما تباهى به زملاؤه في الحكومة الإيرانية. السيادة، في منطقه، مبدأ انتقائي: تُطلب من الآخرين، وتُستثنى منها إيران. والحقيقة أنّ من يدير وكلاء مسلحين في أربع عواصم لا يستطيع أن يعظ الآخرين في احترام السيادة، ومن يصف الجوار العربي بأنه وقف “على الجانب الخاطئ من التاريخ” طوال خمسة عقود، لا يملك في الفقرة التالية أن يطلب منه شراكة ندية. وحين يدعو ظريف دول الخليج إلى التخلي عن “الأمن المستورد”، فهو لا يقدّم تصوراً لسيادة إقليمية مشتركة، بل يطالب عملياً بحق فيتو إيراني على خيارات السيادة لدى الآخرين.

سابعاً: الذاكرة الانتقائية

يذكّر ظريف دول الخليج العربي، أكثر من مرة، بـ”الأيام الحزينة” حين وقفت مع صدام حسين، متجاهلاً سياقين أساسيين. الأول أنّ سياسات إيران في تصدير الثورة بالقوة إلى العراق هي التي أحرقت المنطقة، وأنّ الحرب التي أوجعت الجميع أصرّت طهران على استمرارها سنوات تحت شعار “تحرير القدس عبر كربلاء”. والثاني أنّ النظام الإيراني، منذ أيامه الأولى، عمل على بناء جماعات مسلحة تابعة له داخل دول المنطقة، ثم توسعت هذه الشبكة لاحقاً لتشكّل الفصائل في العراق، وحزب الله في لبنان، والحوثيين الذين قصفوا الرياض وأبوظبي وأنابيب النفط السعودية، فضلاً عن الدور الإيراني الموثق في قصف الشعب السوري الذي شرّد ملايين السوريين.

كل ذلك يغيب عن ذاكرة ظريف الانتقائية. فهو يدعو إلى “أخوّة إقليمية” تبدو، في حقيقتها، أقرب إلى حضن مشروط بالاستسلام. أما مبادرات حكومته، التي يستحضرها بوصفها فرصاً ضائعة، فقد قُدّمت فعلياً إلى شركاء محتملين في اللحظة نفسها التي كانت الجماعات المسلحة المرتبطة بايران تستهدف أمنهم. وهذه صيغة قد تنفع في سوق الخردة السياسية، لكنها لا تصلح أساساً لأمن إقليمي جاد.

خاتمة: قلب المعادلة

الرد الواقعي على ظريف لا يبدأ من التشكيك في نوايا إيران؛ فقد أعفانا هو من هذا العبء. الرد الأبلغ هو قلب المعادلة نفسها: لا نقاش جدياً حول “هندسة أمنية إقليمية” قبل أن تنطبق هذه الهندسة على إيران أولاً، عبر ضبط الفصائل المسلحة العابرة للحدود، ووقف المسيّرات عن البنى التحتية الخليجية، وتجريد خطاب “الحضارة” من نزعته الإمبراطورية الناعمة.

تحتاج المنطقة فعلاً إلى أمن إقليمي، لكن أول شروطه أن تكفّ إيران عن مطالبة الآخرين بالثقة بها وهي تخاطبهم بلغة التهديد. وحتى يحدث ذلك، ينبغي قراءة كل دعوة إيرانية إلى “الثقة” كما هي: اعتراف يطلب صك غفران سابقاً لأوانه.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

“ظريف” حين يطلب الثقة من الجوار بلغة غير ظريفة

 

دعوة ظريف للثقة الإقليمية تخفي ابتزازًا إيرانيًا؛ تطلب من الجوار العربي الاطمئنان، بينما تلوّح بالتهديد وتنتقي السيادة والتاريخ وفق طهران

 

أولًا: هل يحقّ لمن أضرم النار في بيت الجار أن يحاضره في أصول الجوار؟

هذا هو السؤال الذي تستدعيه مقالة وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، المنشورة في “الجزيرة نت” في السادس من أيار/مايو 2026. ففيها يقدّم ظريف نفسه معلّماً يشرح لدول الخليج العربي “دروس الحرب”، بينما يمارس في العمق لعبة مألوفة: قلب المنطق، وتحويل المعتدي إلى ضحية، والضحية إلى جانٍ. لسنا هنا أمام مراجعة إيرانية هادئة، بل أمام نسخة منمّقة من منطق الابتزاز؛ تبدأ بلغة المصالحة، وتنتهي إلى منطق الإكراه. فالثقة، في تصور ظريف، ليست علاقة متبادلة بين دول ذات سيادة، بل قبول مسبق بحق إيران في تعريف الأمن، وتحديد العدو، وتوزيع صكوك البراءة والإدانة على الآخرين.

وقبل الدخول في متن الحجة، تستحق ثلاث قرائن صغيرة وقفةً خاصة، لأنها تكشف عقيدة الكاتب أكثر مما تفعل ادعاءاته. الأولى أنّ ظريف يوقع مقاله العربي باسم: محمد جواد ظريف، بينما يكتب اسمه بالإنكليزية على منصة “إكس”: Javad Zarif، حاذفاً “محمد”. قد يبدو التفصيل شكلياً، لكنه دال: ثمة جمهور غربي يخاطبه بهوية منزوعة الإحالة الإسلامية، وجمهور عربي وإسلامي يخاطبه بهوية مكتملة الرموز. الثانية أنّ صورته الشخصية على المنصة نفسها تعلوها خريطة لإيران تمتدّ بصرياً لتبتلع سواحل الخليج العربي الثلاثة: الشرقي والشمالي والغربي، لا الساحل الإيراني وحده. وهذه رسالة بصرية تسبق أي نقاش نظري عن “الأمن الإقليمي”. أما الثالثة، فتتمثل في الفجوة بين النص الفارسي الذي نشره ظريف على موقعه الرسمي، والنص العربي الذي نشرته “الجزيرة”. ففي النص الفارسي يضع عبارة “جيراننا العرب وقفوا باستمرار على الجانب الخاطئ من التاريخ” عنواناً صريحاً، بينما ترد في النص العربي داخل المتن من دون تخصيصها بعنوان مستقل. ويتحدث في الفارسية عن دولته بوصفها “دولة حضارية تمتد لآلاف السنين بشكل متواصل”، بينما تأتي الترجمة العربية أكثر تلطيفاً، فتحوّل “آلاف السنين” إلى “ألف” وهي ايضًا مزحة حيث كانت آنذاك تحت وطأة المغول وبعدهم القبائل التركمانية المهاجرة.

ثانياً: بنية الحجة: مصالحة في الواجهة، وابتزاز في الجوهر

تبدأ مقالة ظريف باستدعاء “الأخوّة الإسلامية” و”المصير المشترك”، وتنتهي بعبارة ذات نبرة وجدانية: “مقدَّر لنا أن نعيش معاً حتى يوم القيامة”. غير أنّ ما يجري بين الفاتحة والخاتمة شيء مختلف تماماً. فحين يتحدث عن مضيق هرمز و”الأسواق العالمية” و”العواقب الوخيمة”، فهو لا يشرح الجغرافيا بقدر ما يذكّر الآخرين بأنّ إيران قادرة على تحويل موقعها إلى أداة ضغط. وحين يصف نموذج الأمن والتنمية الخليجي بأنه “معيب للغاية”، فهو لا يفتح نقاشاً تنموياً جاداً، بل يحاول نزع الشرعية عن نموذجٍ نجح في بناء مدن واقتصادات واستقرار. وحين يخاطب دول الجوار قائلاً: “فلا يلوموا إلا أنفسهم لتجاهلهم الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا”، فإنّ العبارة لا تعود نصيحة سياسية، بل تصبح تهديداً صريحاً. هكذا يتحول “الدرس” المعلن إلى وثيقة إدانة مضمرة، ويتبدل خطاب الثقة إلى لائحة شروط.

ثالثاً: الثنائية الزائفة و”الجانب الخاطئ من التاريخ”

تكمن خدعة المقال في ثنائية كاذبة: إمّا الانضواء في “الشبكة الأمنية” التي تريد طهران قيادتها، وإمّا الوقوف “على الجانب الخاطئ من التاريخ”. فالدول العربية التي استضافت قواعد أمريكية تُقدَّم بوصفها متواطئة في “جرائم الحرب”، بينما تُوصَف الصواريخ الإيرانية التي انطلقت نحو تلك الدول بأنها “رد محسوب ومقيّد”. هنا يصادر ظريف المطلوب مرتين: الأولى حين يجعل التاريخ محكمة إيرانية لا تُسأل، والثانية حين يحوّل الفعل إلى “ردّ”، والردّ إلى “اعتدال”. وكأنّ ذاكرة المنطقة تبدأ فقط من اللحظة التي تعرضت فيها إيران للهجوم، لا من عقود طويلة من التدخلات، والخطاب الثوري، والتهديد المتكرر للممرات البحرية، ومحاولة تحويل الجوار العربي إلى عمق أمني تابع. يريد ظريف من دول الخليج أن تعترف بخطئها قبل أن تناقش إيران خطأها، وأن يرى في القواعد الأجنبية تهديداً وجودياً لطهران، من دون أن يرى في الصواريخ والميليشيات والاختراقات السياسية تهديداً وجودياً لجيرانه.

رابعاً: مفارقة هرمز: التهديد الذي يثبت ضرورة العلاج المُدان

يقول ظريف إنّ “ضبط النفس الإيراني الطويل” خلق انطباعاً بأنّ مضيق هرمز “مفتوح للجميع بينما كانت إيران محرومة منه”. وهذه ليست لغة شريك في ممر بحري دولي يكفله القانون البحري، بل لغة من ينظر إلى المضيق بوصفه ورقة يمكن التلويح بها عند الحاجة. والمفارقة أنّ هذه اللغة نفسها تُغلق حلقة الحجة على صاحبها؛ فاستعمال هرمز أداة ضغط ضد الجيران، هو، في جوهره، ما يدفع دول الخليج إلى البحث عن تحالفات أمنية خارجية، وهي التحالفات نفسها التي يدعو ظريف إلى تفكيكها. بذلك، فإنّ التهديد الذي يُساق ذريعة للوعظ يثبت، في اللحظة ذاتها، ضرورة العلاج الذي يدينه. فمن يطالب الآخرين بالتخلّي عن مظلتهم الأمنية لا يستطيع، في الفقرة التالية، أن يلوّح بإمكان خنق ممرهم الاقتصادي. هذا ليس تعبيراً عابراً عن سوء تحرير، بل تناقض بنيوي في منطق المقال.

خامساً: السردية “الحضارية” وإخفاق مشروع “إيران 2025”

الجزء الأخطر في مقالة ظريف هو سرديتها الحضارية. فإيران، في النص، دولة “حضارية ممتدة”، وأمنها “محلي المنشأ”، أما الجيران فقد “بنوا ثرواتهم على البؤس غير القانوني المفروض على الإيرانيين”. هذه ليست فلسفة إقليمية، بل صياغة متأخرة لعقدة مشروع “إيران 2025” الذي وعد الإيرانيين بأن تصبح بلادهم القوة الأولى في غرب آسيا بحلول عام 2025. لكن ما حدث كان معاكساً: وجد الإيرانيون جيرانهم، الذين طالما نظرت إليهم طهران باستخفاف، يبنون اقتصادات متنوعة، ومدناً عالمية، ومنظومات حوكمة أكثر قدرة على العمل، بينما ظل النموذج الإيراني عاجزاً عن توفير أبسط متطلبات العيش الكريم لشعبه.

لذلك تبدو “عقدة دبي” أكثر حضوراً في النص من أي نظرية جدية للأمن الإقليمي. فالمشكلة عند ظريف ليست فقط أنّ الخليج اشترى أمنه من الخارج، بل أنّه بنى نموذجاً جاذباً، في الوقت الذي واصلت فيه إيران بيع خطاب الصمود لشعبها بدل الرفاه. وحين يُترجَم الإحباط من فشل النموذج إلى رصاص على البنى التحتية الخليجية، كما تكشف الضربات الموثقة على “أرامكو” عام 2019، وأبوظبي عام 2022، وحقول كردستان والبصرة عام 2025، يغدو حديث ظريف عن “الأخوّة الإسلامية” تعليقاً جانبياً على فعل ناطق. فالسردية “الحضارية” ليست بريئة؛ إنها اللغة التي تُغلَّف بها الهيمنة حين تعجز عن فرض نفسها بالقوة المباشرة.

سادساً: السيادة مبدأ لا يتجزأ

تظهر نقطة التناقض الأوضح حين يتحدث ظريف عن السيادة. فهو يصوّر الوجود الأمريكي في المنطقة بوصفه انتهاكاً للسيادة العربية، لكنه يتجاهل التدخل الإيراني في أربع عواصم عربية، ذلك التدخل الذي طالما تباهى به زملاؤه في الحكومة الإيرانية. السيادة، في منطقه، مبدأ انتقائي: تُطلب من الآخرين، وتُستثنى منها إيران. والحقيقة أنّ من يدير وكلاء مسلحين في أربع عواصم لا يستطيع أن يعظ الآخرين في احترام السيادة، ومن يصف الجوار العربي بأنه وقف “على الجانب الخاطئ من التاريخ” طوال خمسة عقود، لا يملك في الفقرة التالية أن يطلب منه شراكة ندية. وحين يدعو ظريف دول الخليج إلى التخلي عن “الأمن المستورد”، فهو لا يقدّم تصوراً لسيادة إقليمية مشتركة، بل يطالب عملياً بحق فيتو إيراني على خيارات السيادة لدى الآخرين.

سابعاً: الذاكرة الانتقائية

يذكّر ظريف دول الخليج العربي، أكثر من مرة، بـ”الأيام الحزينة” حين وقفت مع صدام حسين، متجاهلاً سياقين أساسيين. الأول أنّ سياسات إيران في تصدير الثورة بالقوة إلى العراق هي التي أحرقت المنطقة، وأنّ الحرب التي أوجعت الجميع أصرّت طهران على استمرارها سنوات تحت شعار “تحرير القدس عبر كربلاء”. والثاني أنّ النظام الإيراني، منذ أيامه الأولى، عمل على بناء جماعات مسلحة تابعة له داخل دول المنطقة، ثم توسعت هذه الشبكة لاحقاً لتشكّل الفصائل في العراق، وحزب الله في لبنان، والحوثيين الذين قصفوا الرياض وأبوظبي وأنابيب النفط السعودية، فضلاً عن الدور الإيراني الموثق في قصف الشعب السوري الذي شرّد ملايين السوريين.

كل ذلك يغيب عن ذاكرة ظريف الانتقائية. فهو يدعو إلى “أخوّة إقليمية” تبدو، في حقيقتها، أقرب إلى حضن مشروط بالاستسلام. أما مبادرات حكومته، التي يستحضرها بوصفها فرصاً ضائعة، فقد قُدّمت فعلياً إلى شركاء محتملين في اللحظة نفسها التي كانت الجماعات المسلحة المرتبطة بايران تستهدف أمنهم. وهذه صيغة قد تنفع في سوق الخردة السياسية، لكنها لا تصلح أساساً لأمن إقليمي جاد.

خاتمة: قلب المعادلة

الرد الواقعي على ظريف لا يبدأ من التشكيك في نوايا إيران؛ فقد أعفانا هو من هذا العبء. الرد الأبلغ هو قلب المعادلة نفسها: لا نقاش جدياً حول “هندسة أمنية إقليمية” قبل أن تنطبق هذه الهندسة على إيران أولاً، عبر ضبط الفصائل المسلحة العابرة للحدود، ووقف المسيّرات عن البنى التحتية الخليجية، وتجريد خطاب “الحضارة” من نزعته الإمبراطورية الناعمة.

تحتاج المنطقة فعلاً إلى أمن إقليمي، لكن أول شروطه أن تكفّ إيران عن مطالبة الآخرين بالثقة بها وهي تخاطبهم بلغة التهديد. وحتى يحدث ذلك، ينبغي قراءة كل دعوة إيرانية إلى “الثقة” كما هي: اعتراف يطلب صك غفران سابقاً لأوانه.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025