فدرلة البصرة: «أقلمة» أم «تقليم»؟

تحذّر المقالة من فدرلة البصرة بوصفها هروبًا من فساد الحكم، قد يقود إلى تفكيك العراق وتعميق النفوذ الخارجي بدل الإصلاح

 

تعود فكرة تحويل البصرة إلى إقليم في كل مرة بوصفها استجابةً انفعالية لفشلٍ مزمن عجزت الدولة العراقية عن تجاوزه في إدارة واحدة من أهم محافظاتها وأكثرها ثراءً. ومع كل موجة احتجاج أو انسداد سياسي، تعود الفدرلة إلى الواجهة لا باعتبارها خيارًا إداريًا قابلاً للنقاش، بل كـ«حل جذري» يُقدَّم بوصفه الوصفة السحرية لإنهاء التهميش واستعادة الحقوق. غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه اليوم لا يتعلّق بحقّ البصرة الدستوري في التحول إلى إقليم، بل بطبيعة هذا الخيار نفسه: هل تمثّل فدرلة البصرة أقلمةً عقلانية داخل دولة اتحادية متماسكة، أم أنها خطوة باتجاه تقليم الدولة العراقية ذاتها في لحظة ضعف تاريخي؟

 

أولًا: من الفدرالية كنظام اتحادي إلى الفدرلة كأداة احتجاج

في التجارب المقارنة، نشأت الفدرالية غالبًا كصيغة اتحاد بين كيانات كانت مستقلة أو شبه مستقلة، ثم اختارت طوعًا أن تتوحد ضمن إطار دستوري جامع. الولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، وألمانيا، وسويسرا، جميعها أمثلة واضحة على هذا المسار الذي تحرّك من التعدد إلى الاتحاد، لا العكس.

في المقابل، جاءت الفدرالية إلى العراق بعد عام 2003 ضمن سياق الاحتلال الأميركي، لا كنتاج تطور سياسي داخلي أو تسوية تاريخية بين مكونات الدولة، بل كجزء من عملية إعادة هندسة شاملة فُرضت من الأعلى. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الفدرالية في الحالة العراقية لم تُطرح لتوحيد كيانات متفرقة، بل جرى توظيفها لتفكيك كيان قائم أصلًا.

هذا التحول البنيوي أفرغ فكرة «الإقليم» من مضمونها الاتحادي، وحوّلها في الوعي العام إلى أداة للهروب من فشل المركز، لا مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة. وهو ما ينعكس بوضوح في الخطاب الشعبي والإعلامي الداعم لفكرة إقليم البصرة، حيث يُختزل الإشكال كله في «المركزية»، وتُقدَّم الفدرلة كعصا سحرية قادرة، بمجرد إعلانها، على تحويل البصرة إلى «كويت ثانية»، من دون مساءلة جدية لطبيعة النظام السياسي، أو بنية السلطة المحلية، أو شروط النجاح الفعلية لأي تجربة حكم جديدة.

 

ثانيًا: تسطيح النقاش، من السياسة و الاقتصاد إلى الخيال

أحد أكثر الملامح وضوحًا في الخطاب الداعم لتحويل البصرة إلى إقليم هو التسطيح المفرط للتعقيدات الاقتصادية والسياسية. إذ يروّج بعض دعاة الإقليم لفكرة مفادها أن أي محافظة تعلن نفسها إقليمًا ستتلقى تلقائيًا أضعاف ما كانت تحصل عليه من الموازنة العامة، وكأن المال موردٌ غير محدود، أو كما لو أن الدولة الاتحادية ستتحول فجأة إلى ماكينة توزيع سخية تعمل بلا قيود أو حسابات.

الأخطر من هذا التصور أنه يتجاوز السؤال الحاسم الذي لا يمكن القفز عليه: حتى لو تضاعفت الموارد، من يضمن مسارها ومآلاتها؟

فالتجربة العراقية منذ عام 2003 أثبتت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الأزمة لم تكن يومًا أزمة شحّ في الموارد، بل أزمة منظومة حكم، وشبكات فساد، وطبيعة قوى سياسية مهيمنة. فالبصرة اليوم، وهي ما تزال محافظة لا إقليمًا، تمتلك محافظًا ومجلسًا محليًا وصلاحيات واسعة وموارد معتبرة، من البترودولار إلى المنافذ الحدودية، ومع ذلك لم تتمكن من محاسبة الفاسدين، ولا من ضبط السلاح المنفلت، ولا من وقف تهريب النفط والمخدرات. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي سيتغير جوهريًا بمجرد تبديل الصفة الإدارية من محافظة إلى إقليم؟

 

ثالثًا: إقليم كردستان، النموذج الذي يُساء فهمه

غالبًا ما تُستدعى تجربة إقليم كردستان بوصفها الدليل القاطع على نجاح الفدرالية في العراق، غير أن هذا القياس يغفل جملة من الفوارق البنيوية التي تجعل المقارنة مضلِّلة. فالإقليم الكردي نشأ في ظروف تاريخية وسياسية استثنائية، وتحديدًا في ظل حماية دولية منذ عام 1991، أي قبل قيام النظام السياسي العراقي الحالي وقبل إقرار الدستور نفسه.

إلى جانب ذلك، تتميز الأحزاب الكردية بطابع قومي علماني نسبيًا، يختلف جذريًا عن طبيعة الأحزاب المهيمنة في جنوب العراق. كما حظي الإقليم بدعم أميركي وغربي مباشر وفر له هامشًا من الاستقرار السياسي والأمني غير متاح للبصرة لأن الغالبية في البصرة هم لا يريدون المضلة الامريكية. يضاف إلى ذلك أن تحالف الإقليم مع أنقرة أسهم، إلى حدّ كبير، في إعادة بناء بنيته التحتية ودفع عملية الإعمار، في حين أن تحالف جنوب العراق مع إيران قاد، عمليًا، إلى إعادة إنتاج النموذج الإيراني في الجنوب، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

ورغم كل هذه الخصوصيات، انتهت التجربة الكردية نفسها إلى مآلات مأزومة، تمثلت في استفتاء انفصال فاشل، ثم في انقسامات داخلية حادة وصلت إلى حدّ تداول فكرة تقسيم الإقليم ذاته. وبهذا المعنى، تحوّل إقليم كردستان من «نموذج مُلهِم» يُستشهد به، إلى «حالة تحذيرية» تُظهر كيف يمكن للفدرالية، إذا طُبّقت في سياق هشّ ومأزوم، أن تُنتج كيانات شبه مستقلة تتحول سريعًا إلى ساحات صراع داخلي وإقليمي، بدل أن تكون رافعة للاستقرار والتنمية.

 

رابعًا: البصرة والجوار، سؤال الجغرافيا السياسية

لا يمكن مقاربة مشروع تحويل البصرة إلى إقليم بمعزل عن موقعها الجيوسياسي بالغ الحساسية. فالبصرة ليست محافظة داخلية معزولة يمكن التعامل معها بمنطق إداري صرف، بل تمثّل عقدة استراتيجية في معادلة الدولة العراقية: فهي المنفذ البحري الوحيد للبلاد، والقلب النفطي للاقتصاد الوطني، ونقطة تماس مباشر مع إيران والكويت وعمق الخليج العربي.

منذ عام 2003، تعاظم النفوذ الإيراني في البصرة بشكل تدريجي، عبر مزيج متداخل من الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية والدينية. وتمكّنت طهران، خلال هذه السنوات، من اختراق مفاصل الإدارة المحلية، ودعم فصائل مسلحة فاعلة، وربط البصرة بشبكات تجارية ولوجستية تخدم مصالحها الإقليمية. في هذا السياق، يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاهله: هل سيؤدي تحويل البصرة إلى إقليم إلى تقليص هذا النفوذ، أم أنه سيوفّر له إطارًا أوسع وأكثر تحررًا من قيود الدولة الاتحادية؟

كثير من المراقبين يذهبون إلى أن إقليمًا بصلاحيات أوسع وحدود إدارية أوضح قد يكون أسهل اختراقًا، لا أصعب، لا سيما في ظل ضعف الدولة الاتحادية، وتفكك القرار السيادي، وغياب نخبة محلية مستقلة قادرة على مقاومة الضغوط الخارجية. وما نشهده اليوم من حضور علني ومباشر لمكاتب إيرانية فاعلة في البصرة، قادرة على حشد الشارع أو تعطيل فعاليات مدنية وفنية بحجج أيديولوجية لا تمتّ للقرار المحلي بصلة، يفتح الباب أمام تساؤل مقلق: إذا كان هذا هو حجم التأثير في ضل الوضع الإداري الراهن، فكيف سيكون الحال إذا تحوّل هذا النفوذ إلى عامل حاسم داخل كيان إقليمي يتمتع بسلطات أوسع؟

 

خامسًا: بين اللامركزية والأقلمة، خيط رفيع

من أبرز الإشكالات في النقاش الدائر حول مستقبل البصرة ذلك الخلط الشائع بين اللامركزية الإدارية والأقلمة السياسية. فاللامركزية تعني نقل الصلاحيات وتحسين كفاءة الإدارة المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة، وهي مطلب مشروع وملحّ لمعالجة الاختناقات الخدمية والإدارية. أما الأقلمة، فهي خطوة مختلفة جذريًا، تقوم على إعادة تشكيل بنية الدولة نفسها، بما يترتب عليها من تبعات دستورية وسيادية وأمنية عميقة.

تكمن الخطورة في أن فتح باب الأقلمة قد يكون سهلًا، بينما إغلاقه شبه مستحيل. فإذا تحولت البصرة إلى إقليم، فما الذي يمنع محافظات أخرى من السير في الاتجاه ذاته؟ ومع كل إقليم جديد، ستزداد الدولة الاتحادية ضعفًا، وتتحول تدريجيًا من إطار جامع إلى مظلة اسمية لكيانات متنافسة، في بلد يعاني أصلًا من محدودية مساحته وعدد نفوسه قياسًا بجواره الإقليمي.

التاريخ العراقي حافل بتجارب مريرة مع الاحتلالات الفارسية والتركية، وكان أحد أسباب هشاشته الدائمة صغر حجمه السكاني والجغرافي مقارنة بجيرانه الأقوياء. فكيف سيكون الحال إذا تفكك هذا البلد أكثر؟ وأي ضمانة تحول دون أن ينتهي مصير البصرة، في سياق تفكك الدولة وتدويل الأقاليم، إلى مسار شبيه بمصير إقليم الأهواز العربي؟

 

سادسًا: هل الإقليم حلّ أم هروب؟

جوهر الاعتراض على فدرلة البصرة لا ينطلق من حنينٍ إلى المركزية الفاشلة أو دفاعٍ عنها، بل من التشكيك العميق في منطق القفز على الأسئلة الأصعب. ففي كثير من الأحيان، تبدو الدعوة إلى الإقليم وكأنها هروب إلى الأمام: بدل مواجهة منظومة الفساد المتجذّرة، يجري تغيير الخريطة الإدارية؛ وبدل العمل على بناء أحزاب محلية رشيدة ونخب قادرة على الحكم، يُستعاض عن ذلك بتغيير اسم الكيان؛ وبدل إصلاح الدولة ومعالجة اختلالاتها البنيوية، يُدفع باتجاه تجزئتها.

قبل الخوض في خيار الإقليم، ثمة استحقاقات لا يمكن تجاوزها: تنمية سياسية واجتماعية واقتصادية حقيقية، بناء مؤسسات محلية قادرة وفاعلة، وإثبات الجدارة في إدارة ما هو متاح أصلًا من صلاحيات وموارد. من دون تحقيق هذه الشروط، ستظل الوعود المؤجلة إلى ما بعد «الأقلمة» مجرد شعارات جذابة تفتقر إلى أي ضمانات عملية.

 

خاتمة: أقلمة أم تقليم؟

السؤال المطروح إذن ليس سؤالًا نظريًا أو تقنيًا، بل سؤال وجود ومصير. فدرلة البصرة يمكن أن تكون «أقلمة» عقلانية إذا جاءت ضمن مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة العراقية، وتحت شروط صارمة من النزاهة، والتوازن، والضمانات السيادية الواضحة. غير أنها، في الواقع العراقي الراهن، تبدو أقرب إلى «تقليم» للدولة: اقتطاع جزء حيوي منها في لحظة ضعف تاريخي، وتحت ضغط الغضب واليأس، ومن دون ضمانات حقيقية للنجاح.

البصرة تستحق أكثر من حلّ انفعالي، وأكثر من مغامرة كبرى غير محسوبة العواقب. إنها تستحق دولة عادلة، وإدارة رشيدة، ومحاسبة فعلية، سواء بقيت محافظة أم تحولت إلى إقليم. أما تحويل الإقليم إلى بديل عن التفكير العميق والإصلاح الجاد، فلن يكون سوى مضاعفة للأزمة وتعقيدٍ إضافي لمسارٍ مأزوم أصلًا.

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

فدرلة البصرة: «أقلمة» أم «تقليم»؟

تحذّر المقالة من فدرلة البصرة بوصفها هروبًا من فساد الحكم، قد يقود إلى تفكيك العراق وتعميق النفوذ الخارجي بدل الإصلاح

 

تعود فكرة تحويل البصرة إلى إقليم في كل مرة بوصفها استجابةً انفعالية لفشلٍ مزمن عجزت الدولة العراقية عن تجاوزه في إدارة واحدة من أهم محافظاتها وأكثرها ثراءً. ومع كل موجة احتجاج أو انسداد سياسي، تعود الفدرلة إلى الواجهة لا باعتبارها خيارًا إداريًا قابلاً للنقاش، بل كـ«حل جذري» يُقدَّم بوصفه الوصفة السحرية لإنهاء التهميش واستعادة الحقوق. غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه اليوم لا يتعلّق بحقّ البصرة الدستوري في التحول إلى إقليم، بل بطبيعة هذا الخيار نفسه: هل تمثّل فدرلة البصرة أقلمةً عقلانية داخل دولة اتحادية متماسكة، أم أنها خطوة باتجاه تقليم الدولة العراقية ذاتها في لحظة ضعف تاريخي؟

 

أولًا: من الفدرالية كنظام اتحادي إلى الفدرلة كأداة احتجاج

في التجارب المقارنة، نشأت الفدرالية غالبًا كصيغة اتحاد بين كيانات كانت مستقلة أو شبه مستقلة، ثم اختارت طوعًا أن تتوحد ضمن إطار دستوري جامع. الولايات المتحدة، والإمارات العربية المتحدة، وألمانيا، وسويسرا، جميعها أمثلة واضحة على هذا المسار الذي تحرّك من التعدد إلى الاتحاد، لا العكس.

في المقابل، جاءت الفدرالية إلى العراق بعد عام 2003 ضمن سياق الاحتلال الأميركي، لا كنتاج تطور سياسي داخلي أو تسوية تاريخية بين مكونات الدولة، بل كجزء من عملية إعادة هندسة شاملة فُرضت من الأعلى. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الفدرالية في الحالة العراقية لم تُطرح لتوحيد كيانات متفرقة، بل جرى توظيفها لتفكيك كيان قائم أصلًا.

هذا التحول البنيوي أفرغ فكرة «الإقليم» من مضمونها الاتحادي، وحوّلها في الوعي العام إلى أداة للهروب من فشل المركز، لا مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الدولة. وهو ما ينعكس بوضوح في الخطاب الشعبي والإعلامي الداعم لفكرة إقليم البصرة، حيث يُختزل الإشكال كله في «المركزية»، وتُقدَّم الفدرلة كعصا سحرية قادرة، بمجرد إعلانها، على تحويل البصرة إلى «كويت ثانية»، من دون مساءلة جدية لطبيعة النظام السياسي، أو بنية السلطة المحلية، أو شروط النجاح الفعلية لأي تجربة حكم جديدة.

 

ثانيًا: تسطيح النقاش، من السياسة و الاقتصاد إلى الخيال

أحد أكثر الملامح وضوحًا في الخطاب الداعم لتحويل البصرة إلى إقليم هو التسطيح المفرط للتعقيدات الاقتصادية والسياسية. إذ يروّج بعض دعاة الإقليم لفكرة مفادها أن أي محافظة تعلن نفسها إقليمًا ستتلقى تلقائيًا أضعاف ما كانت تحصل عليه من الموازنة العامة، وكأن المال موردٌ غير محدود، أو كما لو أن الدولة الاتحادية ستتحول فجأة إلى ماكينة توزيع سخية تعمل بلا قيود أو حسابات.

الأخطر من هذا التصور أنه يتجاوز السؤال الحاسم الذي لا يمكن القفز عليه: حتى لو تضاعفت الموارد، من يضمن مسارها ومآلاتها؟

فالتجربة العراقية منذ عام 2003 أثبتت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الأزمة لم تكن يومًا أزمة شحّ في الموارد، بل أزمة منظومة حكم، وشبكات فساد، وطبيعة قوى سياسية مهيمنة. فالبصرة اليوم، وهي ما تزال محافظة لا إقليمًا، تمتلك محافظًا ومجلسًا محليًا وصلاحيات واسعة وموارد معتبرة، من البترودولار إلى المنافذ الحدودية، ومع ذلك لم تتمكن من محاسبة الفاسدين، ولا من ضبط السلاح المنفلت، ولا من وقف تهريب النفط والمخدرات. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي سيتغير جوهريًا بمجرد تبديل الصفة الإدارية من محافظة إلى إقليم؟

 

ثالثًا: إقليم كردستان، النموذج الذي يُساء فهمه

غالبًا ما تُستدعى تجربة إقليم كردستان بوصفها الدليل القاطع على نجاح الفدرالية في العراق، غير أن هذا القياس يغفل جملة من الفوارق البنيوية التي تجعل المقارنة مضلِّلة. فالإقليم الكردي نشأ في ظروف تاريخية وسياسية استثنائية، وتحديدًا في ظل حماية دولية منذ عام 1991، أي قبل قيام النظام السياسي العراقي الحالي وقبل إقرار الدستور نفسه.

إلى جانب ذلك، تتميز الأحزاب الكردية بطابع قومي علماني نسبيًا، يختلف جذريًا عن طبيعة الأحزاب المهيمنة في جنوب العراق. كما حظي الإقليم بدعم أميركي وغربي مباشر وفر له هامشًا من الاستقرار السياسي والأمني غير متاح للبصرة لأن الغالبية في البصرة هم لا يريدون المضلة الامريكية. يضاف إلى ذلك أن تحالف الإقليم مع أنقرة أسهم، إلى حدّ كبير، في إعادة بناء بنيته التحتية ودفع عملية الإعمار، في حين أن تحالف جنوب العراق مع إيران قاد، عمليًا، إلى إعادة إنتاج النموذج الإيراني في الجنوب، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

ورغم كل هذه الخصوصيات، انتهت التجربة الكردية نفسها إلى مآلات مأزومة، تمثلت في استفتاء انفصال فاشل، ثم في انقسامات داخلية حادة وصلت إلى حدّ تداول فكرة تقسيم الإقليم ذاته. وبهذا المعنى، تحوّل إقليم كردستان من «نموذج مُلهِم» يُستشهد به، إلى «حالة تحذيرية» تُظهر كيف يمكن للفدرالية، إذا طُبّقت في سياق هشّ ومأزوم، أن تُنتج كيانات شبه مستقلة تتحول سريعًا إلى ساحات صراع داخلي وإقليمي، بدل أن تكون رافعة للاستقرار والتنمية.

 

رابعًا: البصرة والجوار، سؤال الجغرافيا السياسية

لا يمكن مقاربة مشروع تحويل البصرة إلى إقليم بمعزل عن موقعها الجيوسياسي بالغ الحساسية. فالبصرة ليست محافظة داخلية معزولة يمكن التعامل معها بمنطق إداري صرف، بل تمثّل عقدة استراتيجية في معادلة الدولة العراقية: فهي المنفذ البحري الوحيد للبلاد، والقلب النفطي للاقتصاد الوطني، ونقطة تماس مباشر مع إيران والكويت وعمق الخليج العربي.

منذ عام 2003، تعاظم النفوذ الإيراني في البصرة بشكل تدريجي، عبر مزيج متداخل من الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية والدينية. وتمكّنت طهران، خلال هذه السنوات، من اختراق مفاصل الإدارة المحلية، ودعم فصائل مسلحة فاعلة، وربط البصرة بشبكات تجارية ولوجستية تخدم مصالحها الإقليمية. في هذا السياق، يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاهله: هل سيؤدي تحويل البصرة إلى إقليم إلى تقليص هذا النفوذ، أم أنه سيوفّر له إطارًا أوسع وأكثر تحررًا من قيود الدولة الاتحادية؟

كثير من المراقبين يذهبون إلى أن إقليمًا بصلاحيات أوسع وحدود إدارية أوضح قد يكون أسهل اختراقًا، لا أصعب، لا سيما في ظل ضعف الدولة الاتحادية، وتفكك القرار السيادي، وغياب نخبة محلية مستقلة قادرة على مقاومة الضغوط الخارجية. وما نشهده اليوم من حضور علني ومباشر لمكاتب إيرانية فاعلة في البصرة، قادرة على حشد الشارع أو تعطيل فعاليات مدنية وفنية بحجج أيديولوجية لا تمتّ للقرار المحلي بصلة، يفتح الباب أمام تساؤل مقلق: إذا كان هذا هو حجم التأثير في ضل الوضع الإداري الراهن، فكيف سيكون الحال إذا تحوّل هذا النفوذ إلى عامل حاسم داخل كيان إقليمي يتمتع بسلطات أوسع؟

 

خامسًا: بين اللامركزية والأقلمة، خيط رفيع

من أبرز الإشكالات في النقاش الدائر حول مستقبل البصرة ذلك الخلط الشائع بين اللامركزية الإدارية والأقلمة السياسية. فاللامركزية تعني نقل الصلاحيات وتحسين كفاءة الإدارة المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة، وهي مطلب مشروع وملحّ لمعالجة الاختناقات الخدمية والإدارية. أما الأقلمة، فهي خطوة مختلفة جذريًا، تقوم على إعادة تشكيل بنية الدولة نفسها، بما يترتب عليها من تبعات دستورية وسيادية وأمنية عميقة.

تكمن الخطورة في أن فتح باب الأقلمة قد يكون سهلًا، بينما إغلاقه شبه مستحيل. فإذا تحولت البصرة إلى إقليم، فما الذي يمنع محافظات أخرى من السير في الاتجاه ذاته؟ ومع كل إقليم جديد، ستزداد الدولة الاتحادية ضعفًا، وتتحول تدريجيًا من إطار جامع إلى مظلة اسمية لكيانات متنافسة، في بلد يعاني أصلًا من محدودية مساحته وعدد نفوسه قياسًا بجواره الإقليمي.

التاريخ العراقي حافل بتجارب مريرة مع الاحتلالات الفارسية والتركية، وكان أحد أسباب هشاشته الدائمة صغر حجمه السكاني والجغرافي مقارنة بجيرانه الأقوياء. فكيف سيكون الحال إذا تفكك هذا البلد أكثر؟ وأي ضمانة تحول دون أن ينتهي مصير البصرة، في سياق تفكك الدولة وتدويل الأقاليم، إلى مسار شبيه بمصير إقليم الأهواز العربي؟

 

سادسًا: هل الإقليم حلّ أم هروب؟

جوهر الاعتراض على فدرلة البصرة لا ينطلق من حنينٍ إلى المركزية الفاشلة أو دفاعٍ عنها، بل من التشكيك العميق في منطق القفز على الأسئلة الأصعب. ففي كثير من الأحيان، تبدو الدعوة إلى الإقليم وكأنها هروب إلى الأمام: بدل مواجهة منظومة الفساد المتجذّرة، يجري تغيير الخريطة الإدارية؛ وبدل العمل على بناء أحزاب محلية رشيدة ونخب قادرة على الحكم، يُستعاض عن ذلك بتغيير اسم الكيان؛ وبدل إصلاح الدولة ومعالجة اختلالاتها البنيوية، يُدفع باتجاه تجزئتها.

قبل الخوض في خيار الإقليم، ثمة استحقاقات لا يمكن تجاوزها: تنمية سياسية واجتماعية واقتصادية حقيقية، بناء مؤسسات محلية قادرة وفاعلة، وإثبات الجدارة في إدارة ما هو متاح أصلًا من صلاحيات وموارد. من دون تحقيق هذه الشروط، ستظل الوعود المؤجلة إلى ما بعد «الأقلمة» مجرد شعارات جذابة تفتقر إلى أي ضمانات عملية.

 

خاتمة: أقلمة أم تقليم؟

السؤال المطروح إذن ليس سؤالًا نظريًا أو تقنيًا، بل سؤال وجود ومصير. فدرلة البصرة يمكن أن تكون «أقلمة» عقلانية إذا جاءت ضمن مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة العراقية، وتحت شروط صارمة من النزاهة، والتوازن، والضمانات السيادية الواضحة. غير أنها، في الواقع العراقي الراهن، تبدو أقرب إلى «تقليم» للدولة: اقتطاع جزء حيوي منها في لحظة ضعف تاريخي، وتحت ضغط الغضب واليأس، ومن دون ضمانات حقيقية للنجاح.

البصرة تستحق أكثر من حلّ انفعالي، وأكثر من مغامرة كبرى غير محسوبة العواقب. إنها تستحق دولة عادلة، وإدارة رشيدة، ومحاسبة فعلية، سواء بقيت محافظة أم تحولت إلى إقليم. أما تحويل الإقليم إلى بديل عن التفكير العميق والإصلاح الجاد، فلن يكون سوى مضاعفة للأزمة وتعقيدٍ إضافي لمسارٍ مأزوم أصلًا.

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025