مصطفى الكاظمي.. عندما يكون العراق ممكناً

“العراقُ ممكنٌ حين تتقدّم الدولة الهادئة على الخوف، ويتحوّل التفاؤل السياسي إلى إدارة للأزمات لا إلى إنكارٍ لها أو تبريرها”

 

“اطمئنوا!”، كلمة رددها رئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي (‎2022-2020‎) في خطاباته إلى الجمهور وإلى النخب السياسية وانتشرت على نطاق واسع.

من دون الانشغال بحسابات دقيقة لطبيعة ومناسبات ورود رسائل الاطمئنان المتكررة تلك، فإنها في سياقها العام قد عكست نمطاً يكاد يكون مفقوداً تاريخياً في الخطاب السياسي العراقي الميال إلى الحماسة والتهويل والتحذير والتشاؤم.

لم يتلق الجميع خطاب الكاظمي بالإيجابية التي كان يقصد إيصالها إلى الناس وسط العواصف الاقتصادية والأمنية والسياسية التي خاضتها حكومته في فترة قصيرة، بل اعتبرها البعض كأنها محاولة لتقديم صورة نموذجية لوضع كارثي.

واقع الحال، لا يمكن إنكار الطبيعة الخطيرة للأحداث التي شُكّلت حكومة الكاظمي في ظلها، وتلك التي رافقتها، ابتداءً من أحداث “تشرين” الدامية وضغوط جائحة “كورونا” وانهيار الاقتصاد الدولي، وفي المقدمة أسعار النفط التي يعتمد العراق على موارد بيعه بشكل كامل، وصولاً إلى المواجهات المتكررة التي خاضها الكاظمي مع المليشيات عندما كشفت الأخيرة للجميع عن مستوى تغلغلها في صميم الدولة، لدرجة محاصرتها القصر الحكومي أو قصف منزل رئيس الوزراء بالمسيّرات، وليس انتهاءً بالانتخابات التي رعاها الكاظمي بنزاهة وأغضبت نتائجها قوى متنفذة قررت تحميله مسؤولية الخسارة.

 

قدر بديل

وسط كل تلك الأحداث الحافلة، كان غريباً أن يخرج رئيس شرق أوسطي ليقول لشعبه “اطمئنوا”.. غضب بعض المثقفين في العراق بالتزامن مع غضب المليشيات، وإن اختلفت الدوافع، فهناك من كان ينتظر من الكاظمي ما انتظره من عبد الكريم قاسم (‎1963-1958‎) قبل عقود: “أن أعدم!”، وكأن الموت هو قدر العراق الوحيد الممكن، والدم هو المسار الفريد المؤدي إلى عرش العراق، وهذا لم يكن مصدر انزعاج المسلحين وبعض قيادات السياسة حينها، فليس من ضمن حسابات هؤلاء أن يكون الشعب “مطمئناً” بل عليه أن يستمر متوتراً، خائفاً، وقلقاً على غده، وذلك كفيل بانصياعه إلى حكم محفل الدم والفساد.

من حيث الشكل قد يكون الكاظمي حاكماً مغايراً، وربما لم يطرح نفسه حاكماً في الأساس ليكون مشغولاً بتطمين السكان بدل إرعابهم، لكن الأمر كان مغايراً لدى القريبين منه، فذلك نسق شخصي عميق في ذاته استدعى كل المواقف التي تم تأويلها اعتباطاً، فالكاظمي كان مؤمناً في الأساس بأن العراق ممكن، في وقت كان الجميع، سواء من يتعاركون على مقاعد البرلمان، أو من يتفرجون من خارج المسرح، أو من احترفوا إطلاق الدعابة المرة، مؤمنين بعمق بأن العراق “غير ممكن” وقد شُيّدت كل السياسات والمواقف على أساس الإحباط الجماعي هذا.

 

فعل سياسي يحتمل التفاؤل

نقطة الصدام الأكيدة التي حدثت بين الكاظمي والمسلحين ومن خلفهم طبقة سياسية تشكّل وعاء فاعليتهم، انطلقت من مبدأ أساسي تحدث عنه الكاظمي بصيغ مختلفة، مفاد جوهره أن العراق ليس بلداً معقداً، رغم أنه يوصف بالتعقيد، وأن بساطة العراق هي سر قدرته على الاستمرار والنهوض من عثراته مراراً، والمعادلة كما رآها الكاظمي واضحة، فالتدافع البشري الكبير عبر العصور، الذي انتخبت فيه الأمم أحاديةً للعيش على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو المعتقد، لم يكن عصياً أمام الفهم الحديث؛ بل أن مراحل فادحة من التصفية على أسس الصراع قد انتهت إلى ما انتهت إليه معظم الدول اليوم، وأن يكون العراق، الذي يقع في قلب الصدامات الكبرى بين الصفائح التكتونية والبشرية والعقائدية، قد نجا بتنوعه الفريد، فذلك مكمن بساطته، ومعنى أن يتم تفسيره كبلد اختبر فيه الجميع عبر العصور فعل الإفناء وفشلوا فيه، واختاروا في النهاية معادلة العيش متسلحين بإدراك جيني لمعاني الاختلاف وضروراته.

فَهمَ الكاظمي أن وجوده في قلب حدث تاريخي كصراع المجتمع المدرك لاختلافه مع السلطة غير المدركة في “تشرين”، لم يكن قدراً إلهياً، بل انعكاساً لمعادلة العراق البسيطة، حيث تكون أكثر الأزمات تعقيداً هي أكثرها قرباً للحل.

عرّف الرجل المسلحين الخطرين بأنهم غير معقدين في تكوينهم إلا عندما يسلّمون خبرات جيناتهم للغرباء، وأن بيئة سليمة كفيلة بتوفير الحلول لهذه الأزمة، لم يختر الصدام معهم في الأساس، بل أراد أن يشعرهم بأن الدولة قدر نهائي في هذه المساحة الصغيرة من الكوكب، وكان مؤمناً بأن الدولة عندما تبزغ، فإنهم سوف يصبحون من أبناء هذا البزوغ.

 

حلول بيضاء

يمتلك العراق ثروات كبيرة ومتنوعة، لكن سياقاً تاريخياً امتد لعقود وليس بالضرورة لمرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي أنتج تفككاً في تفسير الاقتصاد الاجتماعي، واقتصاد الدولة، ومعنى الريع ونقطة البداية في استثماره. ردد الكاظمي في وقت كان النفط يباع بأبخس الأثمان، و”كورونا” تفتك بالعالم وتهدد بنسف كل منجز البشرية، أن الحلول الاقتصادية للعراق أسهل من معظم دول العالم، وأن هذه البلاد بإمكانها عبر منهجية رشيدة أن تتجاوز أزماتها وتفعّل قواها الإنتاجية الداخلية وتعكس مسار الريع النفطي إلى ريع إنتاجي.

كانت المعادلة الاقتصادية بالنسبة للكاظمي غير معقدة أيضاً، فالشعب الذي حشرته الحكومات منذ عقود في زاوية الوظيفة الحكومية، وعزلته الحروب والحصارات الدولية عن مسيرة تطور العالم من حوله، يجب ألا يتم لومه على ما آل إليه اقتصاده، بل يجب إعداد “حلول بيضاء” تدفع العراق تدريجياً للانسجام مع الاقتصاد العالمي، وتفتح الأبواب لقدوم استثمارات متعطشة للعمل داخل العراق وإنتاج ملايين الوظائف البديلة للوظيفة الحكومية.

داري

عندما تحدث عن مشروع كبير لإسكان الناس بعنوان “داري” كان يردد للمحيطين به: “لماذا تخدم الدولة كادر مؤسساتها فقط؟ لماذا لا نساوي صاحب الوظيفة بالعاطل عن العمل وبصاحب العمل الحر في حق الحصول على سكن لائق؟ فسياسة الرعاية المفرطة للموظفين على حساب الناس أنتجت أكداساً من الموظفين العاطلين، وأخرى على أبواب المؤسسات طلباً للتوظيف الذي بات مستحيلاً؟”

أسئلة الكاظمي تلك كانت بدورها بديهية، غير أنها خطيرة أيضاً، فللمرة الأولى منذ عقود يعتنق رئيس الحكومة المساواة بين كادر دولته، الذي يشكّل عماد أصوات الناخبين، والناس المهمشين الذين لم يتسنَّ لهم الانضمام إلى مشروع الدولة المترهل.

في ملف العلاقات الخارجية، كانت الاتهامات تنهال على الكاظمي، لم يكن لها مبرر معقول سوى أن مشهد الترحيب الإقليمي والدولي بالكاظمي كشخص وكرئيس ليس مألوفاً بعد 2003، والغارقون تحت عباءات التأويل لم يكن أمامهم من فرضيات سوى تلك التي تستدعي المؤامرات الكونية.

المشهد كما ينقله المقربون من الكاظمي كان خالياً من التعقيد كالعادة، فالكاظمي كشخص يعتنق التفاؤل والصدق، وكرئيس يمثل بلداً تاريخياً، عليه أن يتشبع بكل معاني الامتلاء ليتحدث مع الآخرين بيسر وثقة وصدر رحب و”بساطة”، ولهذا كان حضوره حقيقياً وليس مشوهاً، وكانت كلماته ومحادثاته صادقة وليست ملغزة ومغلفة بمصطلحات دبلوماسية عمياء، فالعرب عمق للعراق، وإيران وتركيا جيران تاريخيون، وللعراق صداقات يجب ان ينميها عبر العالم، هكذا قرأ الجميع التاريخ وصيروراته، وإن أخفق بعض العراقيين في قراءته.

 

غادر الكاظمي منصب الرئيس التنفيذي الأعلى، كما قدم إليه، متصالحاً مع قناعاته. لم يلتفت عندما رمى المتلبّسون بالانتصارات الزائفة خلف خطواته الحجارة والاتهامات، وإن تراجعوا لاحقاً وبعضهم قدّم الاعتذارات، ربما اعتراه الحزن كما يُفترض، غير أن التفاؤل لم يفارقه، كما يوثّق أحدهم؛ إذ إنه في لحظة المغادرة التفت إلى سائق سيارته وصديق يجلس إلى جواره، وقال: “اطمئنوا”.

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

مصطفى الكاظمي.. عندما يكون العراق ممكناً

“العراقُ ممكنٌ حين تتقدّم الدولة الهادئة على الخوف، ويتحوّل التفاؤل السياسي إلى إدارة للأزمات لا إلى إنكارٍ لها أو تبريرها”

 

“اطمئنوا!”، كلمة رددها رئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي (‎2022-2020‎) في خطاباته إلى الجمهور وإلى النخب السياسية وانتشرت على نطاق واسع.

من دون الانشغال بحسابات دقيقة لطبيعة ومناسبات ورود رسائل الاطمئنان المتكررة تلك، فإنها في سياقها العام قد عكست نمطاً يكاد يكون مفقوداً تاريخياً في الخطاب السياسي العراقي الميال إلى الحماسة والتهويل والتحذير والتشاؤم.

لم يتلق الجميع خطاب الكاظمي بالإيجابية التي كان يقصد إيصالها إلى الناس وسط العواصف الاقتصادية والأمنية والسياسية التي خاضتها حكومته في فترة قصيرة، بل اعتبرها البعض كأنها محاولة لتقديم صورة نموذجية لوضع كارثي.

واقع الحال، لا يمكن إنكار الطبيعة الخطيرة للأحداث التي شُكّلت حكومة الكاظمي في ظلها، وتلك التي رافقتها، ابتداءً من أحداث “تشرين” الدامية وضغوط جائحة “كورونا” وانهيار الاقتصاد الدولي، وفي المقدمة أسعار النفط التي يعتمد العراق على موارد بيعه بشكل كامل، وصولاً إلى المواجهات المتكررة التي خاضها الكاظمي مع المليشيات عندما كشفت الأخيرة للجميع عن مستوى تغلغلها في صميم الدولة، لدرجة محاصرتها القصر الحكومي أو قصف منزل رئيس الوزراء بالمسيّرات، وليس انتهاءً بالانتخابات التي رعاها الكاظمي بنزاهة وأغضبت نتائجها قوى متنفذة قررت تحميله مسؤولية الخسارة.

 

قدر بديل

وسط كل تلك الأحداث الحافلة، كان غريباً أن يخرج رئيس شرق أوسطي ليقول لشعبه “اطمئنوا”.. غضب بعض المثقفين في العراق بالتزامن مع غضب المليشيات، وإن اختلفت الدوافع، فهناك من كان ينتظر من الكاظمي ما انتظره من عبد الكريم قاسم (‎1963-1958‎) قبل عقود: “أن أعدم!”، وكأن الموت هو قدر العراق الوحيد الممكن، والدم هو المسار الفريد المؤدي إلى عرش العراق، وهذا لم يكن مصدر انزعاج المسلحين وبعض قيادات السياسة حينها، فليس من ضمن حسابات هؤلاء أن يكون الشعب “مطمئناً” بل عليه أن يستمر متوتراً، خائفاً، وقلقاً على غده، وذلك كفيل بانصياعه إلى حكم محفل الدم والفساد.

من حيث الشكل قد يكون الكاظمي حاكماً مغايراً، وربما لم يطرح نفسه حاكماً في الأساس ليكون مشغولاً بتطمين السكان بدل إرعابهم، لكن الأمر كان مغايراً لدى القريبين منه، فذلك نسق شخصي عميق في ذاته استدعى كل المواقف التي تم تأويلها اعتباطاً، فالكاظمي كان مؤمناً في الأساس بأن العراق ممكن، في وقت كان الجميع، سواء من يتعاركون على مقاعد البرلمان، أو من يتفرجون من خارج المسرح، أو من احترفوا إطلاق الدعابة المرة، مؤمنين بعمق بأن العراق “غير ممكن” وقد شُيّدت كل السياسات والمواقف على أساس الإحباط الجماعي هذا.

 

فعل سياسي يحتمل التفاؤل

نقطة الصدام الأكيدة التي حدثت بين الكاظمي والمسلحين ومن خلفهم طبقة سياسية تشكّل وعاء فاعليتهم، انطلقت من مبدأ أساسي تحدث عنه الكاظمي بصيغ مختلفة، مفاد جوهره أن العراق ليس بلداً معقداً، رغم أنه يوصف بالتعقيد، وأن بساطة العراق هي سر قدرته على الاستمرار والنهوض من عثراته مراراً، والمعادلة كما رآها الكاظمي واضحة، فالتدافع البشري الكبير عبر العصور، الذي انتخبت فيه الأمم أحاديةً للعيش على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو المعتقد، لم يكن عصياً أمام الفهم الحديث؛ بل أن مراحل فادحة من التصفية على أسس الصراع قد انتهت إلى ما انتهت إليه معظم الدول اليوم، وأن يكون العراق، الذي يقع في قلب الصدامات الكبرى بين الصفائح التكتونية والبشرية والعقائدية، قد نجا بتنوعه الفريد، فذلك مكمن بساطته، ومعنى أن يتم تفسيره كبلد اختبر فيه الجميع عبر العصور فعل الإفناء وفشلوا فيه، واختاروا في النهاية معادلة العيش متسلحين بإدراك جيني لمعاني الاختلاف وضروراته.

فَهمَ الكاظمي أن وجوده في قلب حدث تاريخي كصراع المجتمع المدرك لاختلافه مع السلطة غير المدركة في “تشرين”، لم يكن قدراً إلهياً، بل انعكاساً لمعادلة العراق البسيطة، حيث تكون أكثر الأزمات تعقيداً هي أكثرها قرباً للحل.

عرّف الرجل المسلحين الخطرين بأنهم غير معقدين في تكوينهم إلا عندما يسلّمون خبرات جيناتهم للغرباء، وأن بيئة سليمة كفيلة بتوفير الحلول لهذه الأزمة، لم يختر الصدام معهم في الأساس، بل أراد أن يشعرهم بأن الدولة قدر نهائي في هذه المساحة الصغيرة من الكوكب، وكان مؤمناً بأن الدولة عندما تبزغ، فإنهم سوف يصبحون من أبناء هذا البزوغ.

 

حلول بيضاء

يمتلك العراق ثروات كبيرة ومتنوعة، لكن سياقاً تاريخياً امتد لعقود وليس بالضرورة لمرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي أنتج تفككاً في تفسير الاقتصاد الاجتماعي، واقتصاد الدولة، ومعنى الريع ونقطة البداية في استثماره. ردد الكاظمي في وقت كان النفط يباع بأبخس الأثمان، و”كورونا” تفتك بالعالم وتهدد بنسف كل منجز البشرية، أن الحلول الاقتصادية للعراق أسهل من معظم دول العالم، وأن هذه البلاد بإمكانها عبر منهجية رشيدة أن تتجاوز أزماتها وتفعّل قواها الإنتاجية الداخلية وتعكس مسار الريع النفطي إلى ريع إنتاجي.

كانت المعادلة الاقتصادية بالنسبة للكاظمي غير معقدة أيضاً، فالشعب الذي حشرته الحكومات منذ عقود في زاوية الوظيفة الحكومية، وعزلته الحروب والحصارات الدولية عن مسيرة تطور العالم من حوله، يجب ألا يتم لومه على ما آل إليه اقتصاده، بل يجب إعداد “حلول بيضاء” تدفع العراق تدريجياً للانسجام مع الاقتصاد العالمي، وتفتح الأبواب لقدوم استثمارات متعطشة للعمل داخل العراق وإنتاج ملايين الوظائف البديلة للوظيفة الحكومية.

داري

عندما تحدث عن مشروع كبير لإسكان الناس بعنوان “داري” كان يردد للمحيطين به: “لماذا تخدم الدولة كادر مؤسساتها فقط؟ لماذا لا نساوي صاحب الوظيفة بالعاطل عن العمل وبصاحب العمل الحر في حق الحصول على سكن لائق؟ فسياسة الرعاية المفرطة للموظفين على حساب الناس أنتجت أكداساً من الموظفين العاطلين، وأخرى على أبواب المؤسسات طلباً للتوظيف الذي بات مستحيلاً؟”

أسئلة الكاظمي تلك كانت بدورها بديهية، غير أنها خطيرة أيضاً، فللمرة الأولى منذ عقود يعتنق رئيس الحكومة المساواة بين كادر دولته، الذي يشكّل عماد أصوات الناخبين، والناس المهمشين الذين لم يتسنَّ لهم الانضمام إلى مشروع الدولة المترهل.

في ملف العلاقات الخارجية، كانت الاتهامات تنهال على الكاظمي، لم يكن لها مبرر معقول سوى أن مشهد الترحيب الإقليمي والدولي بالكاظمي كشخص وكرئيس ليس مألوفاً بعد 2003، والغارقون تحت عباءات التأويل لم يكن أمامهم من فرضيات سوى تلك التي تستدعي المؤامرات الكونية.

المشهد كما ينقله المقربون من الكاظمي كان خالياً من التعقيد كالعادة، فالكاظمي كشخص يعتنق التفاؤل والصدق، وكرئيس يمثل بلداً تاريخياً، عليه أن يتشبع بكل معاني الامتلاء ليتحدث مع الآخرين بيسر وثقة وصدر رحب و”بساطة”، ولهذا كان حضوره حقيقياً وليس مشوهاً، وكانت كلماته ومحادثاته صادقة وليست ملغزة ومغلفة بمصطلحات دبلوماسية عمياء، فالعرب عمق للعراق، وإيران وتركيا جيران تاريخيون، وللعراق صداقات يجب ان ينميها عبر العالم، هكذا قرأ الجميع التاريخ وصيروراته، وإن أخفق بعض العراقيين في قراءته.

 

غادر الكاظمي منصب الرئيس التنفيذي الأعلى، كما قدم إليه، متصالحاً مع قناعاته. لم يلتفت عندما رمى المتلبّسون بالانتصارات الزائفة خلف خطواته الحجارة والاتهامات، وإن تراجعوا لاحقاً وبعضهم قدّم الاعتذارات، ربما اعتراه الحزن كما يُفترض، غير أن التفاؤل لم يفارقه، كما يوثّق أحدهم؛ إذ إنه في لحظة المغادرة التفت إلى سائق سيارته وصديق يجلس إلى جواره، وقال: “اطمئنوا”.

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025