من نقطة الاختناق الى المعابر البديلة.. ايران لن تكون شرطيَّ “هرمز”

فرض التهديد على نقطة عبور بحرية استمرت حرة على امتداد القرون قد يراها صانع القرار الإيراني من أدوات الهيمنة، الا انه يجبر الجميع دول المنطقة والعالم على التفكير ببدائل مستقبلية

لم تكسر سفن العثمانيين عام 1453 سلسلة القسطنطينية في خليج القرن الذهبي، بل عبرت نقطة الاختناق البحري براً، ليس لأن اغلاق المضيق لحماية المدينة حينها كانت فكرة حربية سيئة، بل لأن الحارس الذي افترض نفسه قد احكم عنق البحر قد غاب عنه ان الجغرافيا كمصدر قوة يمكنها ان تكون نقطة ضعف.

لا تتكرر الوقائع التاريخية بالطريقة نفسها، عندما يتم الحديث اليوم عن محاولة ايران تحويل مضيق هرمز الى نقطة اختناق دائمة لحركة التجارة الدولية، ووسيلة ابتزاز في حربها ضد الولايات المتحدة، لكن منطق الجغرافيا يفرض نفسه. ففرض التهديد على نقطة عبور بحرية استمرت حرة على امتداد القرون قد يراها صانع القرار الإيراني من أدوات الحرب والهيمنة، الا انه وهو يفعل ذلك يجبر الجميع دول المنطقة والعالم على التفكير ببدائل مستقبلية، سواء انتهى التهديد الإيراني او تجدد، فأزمة مضيق هرمز هي بداية لمراجعة جادة طويلة الأمد لوظيفة واستقرار طرق التجارة الدولية ونقاط عبورها.

 

فرضية مختلفة

ينصرف معظم النقاش حول “هرمز” إلى سؤال السيطرة، هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟ وكم تستطيع الاستمرار؟ ومن يملك القدرة العسكرية على إعادة فتحه؟ وهي أسئلة ضرورية في إدارة الأزمة الحالية، لكنها لا تفسر النتائج التي يمكن أن تنتجها الأزمة حتى بعد نهايتها.

معلوم ان “هرمز” لن يُترك لإيران. هذه بديهية لا تفرضها فقط اعتبارات القانون الدولي وأهمية الممر وموازين القوى الدولية، بل حقائق التاريخ وإرادة الدول المتشاطئة على الخليج العربي صاحبة الحق الأصيل في استخدامه، بل والإرادة الدولية ايضاً بعد ان ساهم سلوك ايران في الاضرار بمجمل الاقتصاد العالمي.

ان التسوية السياسية بصرف النظر عن مساراتها سوف تضمن في نهاية المطاف رفع يد ايران عن المضيق الدولي وعودة الملاحة، لكن حتى ذلك قد لا يؤمن عودة المضيق إلى موقعه السابق في معايير الاستراتيجية الإقليمية والدولية. فالمشكلة التي كشفتها الأزمة الأخيرة ليست فقط في قدرة إيران على التعطيل والتهديد، بل في حجم الاعتماد الإقليمي والدولي على نقطة اختناق واحدة.

في 2024 مر عبر هرمز نحو 20.7 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، وبقي التدفق عند نحو 20.9 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025. وتقدر الأمم المتحدة أن المضيق حمل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إلى جانب أحجام مهمة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة ونسبة هائلة من البضائع المصدرة والمستوردة. هذه الأرقام تُستخدم عادة لإثبات الأهمية الاستراتيجية لهرمز. لكنها، من زاوية أخرى، تقيس حجم المخاطر المتراكمة، وبالتالي حجم الحافز الاقتصادي والأمني لإنشاء بدائل.

بهذا المعنى، ليست نهاية أهمية مضيق هرمز الذي سيستمر كمعبر استراتيجي دولي، بل بداية تنويع البدائل له.

لم يكن الحديث عن بدائل “هرمز” مطروحاً جدياً قبل الحرب الأخيرة، فلم يسع أكثر السياسيين تشاؤماً افتراض ان ايران قد تتلاعب في ثوابت التاريخ بهذه الطريقة حتى على حساب مصالحها، او قد تلجأ الى خيارات انتحارية سترتب نتائج طويلة الأمد، وحتى لو كان البحث عن بدائل هرمز مطروحاً وجرى العمل عليه فعلياً في عدد من دول المنطقة مثل السعودية في خطوط النقل الاستراتيجية الى البحر الأحمر، والامارات في تطوير موانئها على بحر العرب، وحتى العراق في تنويع خطوط نقل النفط في مشاريع سابقة عبر تركيا وسوريا والسعودية، فان مضيق “هرمز” استمر وسوف يستمر على المدى القادم باعتباره الممر البحري الأقل تكلفة والأكثر فائدة اقتصادية مقارنة بكل البدائل المطروحة، ولهذا لم يكن جدل “بدائل هرمز” يتلقى الزخم المطلوب.

 

المغامرة الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز لم تقلل تلك التكلفة، لكنها أجبرت الجميع على تحمل تلك التكلفة

تغيّر حساب التكلفة

يعرف منتجو الطاقة والمستوردون والأساطيل وشركات التأمين أن ايران يمكنها تهديد أمن الممر المائي، حدثت مثل هذه التهديدات خلال الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988)، لكن ذلك لا يتعلق بإيران وحدها، فأية مجموعة قراصنة يمكنهم تهديد نقاط الاختناق البحرية، وحصل ذلك مراراً عبر التاريخ، ولهذا جاءت القوانين الدولية التي حررت ممرات الاختناق البحرية وحيدتها من الصراعات، بل وجعلت الاضرار بها او تهديدها بمثابة عمل عدواني يجب مواجهته دولياً.

بحساب التكلفة، لماذا تتخذ الدول العربية المطلة على الخليج العربي استراتيجيات البدائل، في حال كان الحفاظ على حرية الملاحة في هرمز كحال باقي الممرات البحرية مهمة دولية وليست مهمة هذه الدول.

كما ان إيجاد ممرات نقل بري او بحري جديدة تأخذ في الحسبان تكرر اغلاق مضيق هرمز لأي سبب ليس قراراً يسيراً، بل يحمل الدول المعنية تكاليف باهظة لإنشاء بنى تحتية جديدة وممرات وسكك حديد وخطوط نقل بري وبحري وموانئ وعقد شحن وتحميل والمزيد من الاتفاقات لإيجاد خطوط نقل فاعلة.

المغامرة الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز لم تقلل تلك التكلفة، لكنها أجبرت الجميع على تحمل تلك التكلفة، فالقوة الكامنة تدفع الدول إلى حساب كلفة المواجهة. أما الخطر المتكرر فيدفع إلى حساب كلفة البدائل.

وقد يكون هذا التحول هو الأهم ليس كنتائج مباشرة للحرب بل باعتباره من النتائج المستدامة لسعي الدول الطبيعي لتأمين وضعها الدفاعي أمام الاعتداءات العسكرية وأمام المخاطر والتحديات الاقتصادية.

في يوليو/تموز 2026، وبعد تجدد الهجمات الإيرانية على السفن، ارتفعت أقساط مخاطر الحرب في المنطقة من نحو 2% إلى قرابة 3% من قيمة السفينة، مع تقديرات بإمكان وصولها إلى 5%.

 

يتغير السؤال فتتغير الخريطة

بدأ التغير قبل أن تنتهي الأزمة. فالسعودية بدأت فعلياً في توسيع قدرة خط الشرق–الغرب باتجاه البحر الأحمر بما يصل إلى مليوني برميل يومياً إضافية، وقد تدخل الكويت والبحرين في سياق هذا الخط ليس فقط باعتباره خطاً نفطياً بل مساراً بديلاً للتجارة. ودولة الإمارات سرّعت مشروع خط جديد إلى الفجيرة، خارج هرمز، بعد أن أتاح لها الخط القائم المحافظة على جزء مهم من صادراتها خلال الاضطراب، والاتجاه الاقتصادي العام يتجه الى استثمار إمكانات الموانئ الإماراتية على بحر العرب لتصبح نقطة ارتكاز إضافية لحركة التجارة الدولية البرية عبر الجزيرة العربية والبحرية عبر الخليج بديناميكية تعوض أي خلل مستقبلي في مضيق هرمز.

وفي العراق، وافق مجلس الوزراء في يوليو/تموز 2026 على اتفاقات أولية لدراسة مسارات استراتيجية من البصرة عبر حديثة وكركوك إلى جيهان التركية، ومن البصرة عبر حديثة إلى بانياس السورية، ومشاريع ومسارات نوقشت خلال السنوات الماضية باتجاه الأردن والعقبة، وإمكانات إعادة تشغيل أو توسيع البنية المرتبطة بتركيا والبحر المتوسط.

ليست جميع هذه المشروعات سريعة التنفيذ كبدائل جاهزة، وبعضها يواجه تحديات سياسية وأمنية وتمويلية، لكن قيمتها لا تكمن في افتراض تنفيذها قريباً، بل في كونها أصبحت اتجاهاً استراتيجياً، فالمنطقة والعالم معها سيبحث عن تنويع شبكات النقل عبر دول المنطقة، ليس لإنهاء دور مضيق “هرمز” بل لتقويض استخدامه مستقبلاً كنقطة اختناق بأيد متهورة.

لن يحدث هذا التحول في خمس أو عشر سنوات، ولا توجد أرقام تسمح بالقول إن هرمز سيفقد أهميته على اية حال لصالح طرق بديلة للتجارة. لكن ذلك سيحدث حتماً على المدى الطويل

احتياجات تتجاوز التكلفة

في يوليو/تموز 2026 قدّر قطاع الشحن أن نحو 350 ألف حاوية أُزيحت عن مساراتها بسبب الاضطراب، بينما أظهرت التجربة ان حدود النقل البري الطارئة لا تتميز بالإمكانات والسرعة والكفاءة لتعويض اضطراب “هرمز”، وهذا ما يجعل البدائل طويلة المدى مختلفة عن إجراءات الطوارئ كما انها حاسمة لجهة تغييرها لمقتضيات حركة التجارة الدولية.

هذه ليست فرضية بعيدة عن سلوك التجارة. الطرق التجارية لم تكن ثابتة تاريخياً. حفرت قناة السويس بتكاليف هائلة في وقتها لأن طريق رأس الرجاء الصالح. وشُقت قناة بنما للأسباب والاعتبارات والتكاليف ذاتها.

ان الأثر الأبعد لأزمة هرمز قد يظهر في نماذج المخاطر لا في خرائط الجيوش فقط. فشركات التأمين وخطوط الشحن والمصارف وصناديق البنية التحتية ومديرو سلاسل الإمداد لا يعيدون الحساب من الصفر بعد انتهاء كل أزمة. فالخطر الذي وقع بات يدخل في التسعير والعقود وخطط الاستمرارية وتنويع الموردين والمسارات.

مثل الآليات الدفاعية في جسم الانسان، سيتم تعريف مضيق هرمز على المدى الطويل باعتباره نقطة اختناق قلقة حتى لو تغير سلوك ايران نفسها او تبدل نظامها السياسي، فانتهاء التهديد الإيراني على هرمز لا ينهي المشكلة التي صنعتها إيران. فقد يكون سلوك ايران قد أُدخل المضيق، في سجلات المخاطر الهيكلية للتجارة الدولية على المدى الطويل، وهذا ما تدركه دول المنطقة قبل غيرها.

لن يحدث هذا التحول في خمس أو عشر سنوات، ولا توجد أرقام تسمح بالقول إن هرمز سيفقد أهميته على اية حال لصالح طرق بديلة للتجارة. لكن ذلك سيحدث حتماً على المدى الطويل.

اولت ايران التلاعب بثوابت التاريخ ومقتضيات الاستقرار الدولي، على امل ان تظفر في نهاية المطاف بجائزة ما مثل “هرمز”

الخاسر الأكبر

قد تنتهي الحرب باعتراف أكبر بأن أمن الممرات الدولية يحتاج الى مزيد من العمل الدولي المشترك، والى رؤية جديدة وربما تحديث للاتفاقات والمعاهدات تفرض التزامات أكثر قسوة على الدول التي تهدد حركة الملاحة.

وما يمكن احتسابه في معادلات المكاسب والخسائر ومقتضياتها الاستراتيجية، ان ايران بسلوكها نحو “هرمز” وافتراضاتها بإمكان الهيمنة على المضيق لم تقوض على المدى البعيد المضيق نفسه فقط، بل انها سمحت بانتقال الرؤية العالمية ورؤية دول المنطقة حول تنويع ممرات النقل الكبرى من أفكار تحت البحث الى اليات عمل يجري العمل عليها بجدية وسرعة.

حاولت ايران التلاعب بثوابت التاريخ ومقتضيات الاستقرار الدولي، على امل ان تظفر في نهاية المطاف بجائزة ما مثل “هرمز” وافترضت أن من يملك القدرة على تعطيل الممر الدولي لبعض الوقت يملك نفوذاً على من يعبر منه على المدى الطويل. لكنها أسست النظرية على أرضية رخوة، لن تصمد امام الحلول التي يمكنها افراغ فحوى الافتراض نفسه.

في 1453 بقيت سلسلة القسطنطينية مشدودة. لم يتم قطعها بل تم تجاوزها لان ذلك كان ضرورياً، كما ان تلك السلاسل استمرت بعد ذلك بقرون بكنها فقدت قيمتها كسلاح عسكري.

واقع الحال ان مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً أيضا، سوف تمر عبره السفن بحرية ومن دون قيود، لكنه سيفقد قيمته العسكرية ايضاً، فحين تنشغل طهران بمحاولة إيجاد طريقة لتهديد البوابة او التحكم بمن يمر منها، سينشغل الجميع بإعادة رسم طرق أخرى لتأمين الازدهار والتجارة والتبادل الثقافي والاقتصادي، وقد لا يتم وضع ايران ضمن حساباتها.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

من نقطة الاختناق الى المعابر البديلة.. ايران لن تكون شرطيَّ “هرمز”

فرض التهديد على نقطة عبور بحرية استمرت حرة على امتداد القرون قد يراها صانع القرار الإيراني من أدوات الهيمنة، الا انه يجبر الجميع دول المنطقة والعالم على التفكير ببدائل مستقبلية

لم تكسر سفن العثمانيين عام 1453 سلسلة القسطنطينية في خليج القرن الذهبي، بل عبرت نقطة الاختناق البحري براً، ليس لأن اغلاق المضيق لحماية المدينة حينها كانت فكرة حربية سيئة، بل لأن الحارس الذي افترض نفسه قد احكم عنق البحر قد غاب عنه ان الجغرافيا كمصدر قوة يمكنها ان تكون نقطة ضعف.

لا تتكرر الوقائع التاريخية بالطريقة نفسها، عندما يتم الحديث اليوم عن محاولة ايران تحويل مضيق هرمز الى نقطة اختناق دائمة لحركة التجارة الدولية، ووسيلة ابتزاز في حربها ضد الولايات المتحدة، لكن منطق الجغرافيا يفرض نفسه. ففرض التهديد على نقطة عبور بحرية استمرت حرة على امتداد القرون قد يراها صانع القرار الإيراني من أدوات الحرب والهيمنة، الا انه وهو يفعل ذلك يجبر الجميع دول المنطقة والعالم على التفكير ببدائل مستقبلية، سواء انتهى التهديد الإيراني او تجدد، فأزمة مضيق هرمز هي بداية لمراجعة جادة طويلة الأمد لوظيفة واستقرار طرق التجارة الدولية ونقاط عبورها.

 

فرضية مختلفة

ينصرف معظم النقاش حول “هرمز” إلى سؤال السيطرة، هل تستطيع إيران إغلاق المضيق؟ وكم تستطيع الاستمرار؟ ومن يملك القدرة العسكرية على إعادة فتحه؟ وهي أسئلة ضرورية في إدارة الأزمة الحالية، لكنها لا تفسر النتائج التي يمكن أن تنتجها الأزمة حتى بعد نهايتها.

معلوم ان “هرمز” لن يُترك لإيران. هذه بديهية لا تفرضها فقط اعتبارات القانون الدولي وأهمية الممر وموازين القوى الدولية، بل حقائق التاريخ وإرادة الدول المتشاطئة على الخليج العربي صاحبة الحق الأصيل في استخدامه، بل والإرادة الدولية ايضاً بعد ان ساهم سلوك ايران في الاضرار بمجمل الاقتصاد العالمي.

ان التسوية السياسية بصرف النظر عن مساراتها سوف تضمن في نهاية المطاف رفع يد ايران عن المضيق الدولي وعودة الملاحة، لكن حتى ذلك قد لا يؤمن عودة المضيق إلى موقعه السابق في معايير الاستراتيجية الإقليمية والدولية. فالمشكلة التي كشفتها الأزمة الأخيرة ليست فقط في قدرة إيران على التعطيل والتهديد، بل في حجم الاعتماد الإقليمي والدولي على نقطة اختناق واحدة.

في 2024 مر عبر هرمز نحو 20.7 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، وبقي التدفق عند نحو 20.9 مليون برميل يومياً في النصف الأول من 2025. وتقدر الأمم المتحدة أن المضيق حمل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إلى جانب أحجام مهمة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة ونسبة هائلة من البضائع المصدرة والمستوردة. هذه الأرقام تُستخدم عادة لإثبات الأهمية الاستراتيجية لهرمز. لكنها، من زاوية أخرى، تقيس حجم المخاطر المتراكمة، وبالتالي حجم الحافز الاقتصادي والأمني لإنشاء بدائل.

بهذا المعنى، ليست نهاية أهمية مضيق هرمز الذي سيستمر كمعبر استراتيجي دولي، بل بداية تنويع البدائل له.

لم يكن الحديث عن بدائل “هرمز” مطروحاً جدياً قبل الحرب الأخيرة، فلم يسع أكثر السياسيين تشاؤماً افتراض ان ايران قد تتلاعب في ثوابت التاريخ بهذه الطريقة حتى على حساب مصالحها، او قد تلجأ الى خيارات انتحارية سترتب نتائج طويلة الأمد، وحتى لو كان البحث عن بدائل هرمز مطروحاً وجرى العمل عليه فعلياً في عدد من دول المنطقة مثل السعودية في خطوط النقل الاستراتيجية الى البحر الأحمر، والامارات في تطوير موانئها على بحر العرب، وحتى العراق في تنويع خطوط نقل النفط في مشاريع سابقة عبر تركيا وسوريا والسعودية، فان مضيق “هرمز” استمر وسوف يستمر على المدى القادم باعتباره الممر البحري الأقل تكلفة والأكثر فائدة اقتصادية مقارنة بكل البدائل المطروحة، ولهذا لم يكن جدل “بدائل هرمز” يتلقى الزخم المطلوب.

 

المغامرة الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز لم تقلل تلك التكلفة، لكنها أجبرت الجميع على تحمل تلك التكلفة

تغيّر حساب التكلفة

يعرف منتجو الطاقة والمستوردون والأساطيل وشركات التأمين أن ايران يمكنها تهديد أمن الممر المائي، حدثت مثل هذه التهديدات خلال الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988)، لكن ذلك لا يتعلق بإيران وحدها، فأية مجموعة قراصنة يمكنهم تهديد نقاط الاختناق البحرية، وحصل ذلك مراراً عبر التاريخ، ولهذا جاءت القوانين الدولية التي حررت ممرات الاختناق البحرية وحيدتها من الصراعات، بل وجعلت الاضرار بها او تهديدها بمثابة عمل عدواني يجب مواجهته دولياً.

بحساب التكلفة، لماذا تتخذ الدول العربية المطلة على الخليج العربي استراتيجيات البدائل، في حال كان الحفاظ على حرية الملاحة في هرمز كحال باقي الممرات البحرية مهمة دولية وليست مهمة هذه الدول.

كما ان إيجاد ممرات نقل بري او بحري جديدة تأخذ في الحسبان تكرر اغلاق مضيق هرمز لأي سبب ليس قراراً يسيراً، بل يحمل الدول المعنية تكاليف باهظة لإنشاء بنى تحتية جديدة وممرات وسكك حديد وخطوط نقل بري وبحري وموانئ وعقد شحن وتحميل والمزيد من الاتفاقات لإيجاد خطوط نقل فاعلة.

المغامرة الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز لم تقلل تلك التكلفة، لكنها أجبرت الجميع على تحمل تلك التكلفة، فالقوة الكامنة تدفع الدول إلى حساب كلفة المواجهة. أما الخطر المتكرر فيدفع إلى حساب كلفة البدائل.

وقد يكون هذا التحول هو الأهم ليس كنتائج مباشرة للحرب بل باعتباره من النتائج المستدامة لسعي الدول الطبيعي لتأمين وضعها الدفاعي أمام الاعتداءات العسكرية وأمام المخاطر والتحديات الاقتصادية.

في يوليو/تموز 2026، وبعد تجدد الهجمات الإيرانية على السفن، ارتفعت أقساط مخاطر الحرب في المنطقة من نحو 2% إلى قرابة 3% من قيمة السفينة، مع تقديرات بإمكان وصولها إلى 5%.

 

يتغير السؤال فتتغير الخريطة

بدأ التغير قبل أن تنتهي الأزمة. فالسعودية بدأت فعلياً في توسيع قدرة خط الشرق–الغرب باتجاه البحر الأحمر بما يصل إلى مليوني برميل يومياً إضافية، وقد تدخل الكويت والبحرين في سياق هذا الخط ليس فقط باعتباره خطاً نفطياً بل مساراً بديلاً للتجارة. ودولة الإمارات سرّعت مشروع خط جديد إلى الفجيرة، خارج هرمز، بعد أن أتاح لها الخط القائم المحافظة على جزء مهم من صادراتها خلال الاضطراب، والاتجاه الاقتصادي العام يتجه الى استثمار إمكانات الموانئ الإماراتية على بحر العرب لتصبح نقطة ارتكاز إضافية لحركة التجارة الدولية البرية عبر الجزيرة العربية والبحرية عبر الخليج بديناميكية تعوض أي خلل مستقبلي في مضيق هرمز.

وفي العراق، وافق مجلس الوزراء في يوليو/تموز 2026 على اتفاقات أولية لدراسة مسارات استراتيجية من البصرة عبر حديثة وكركوك إلى جيهان التركية، ومن البصرة عبر حديثة إلى بانياس السورية، ومشاريع ومسارات نوقشت خلال السنوات الماضية باتجاه الأردن والعقبة، وإمكانات إعادة تشغيل أو توسيع البنية المرتبطة بتركيا والبحر المتوسط.

ليست جميع هذه المشروعات سريعة التنفيذ كبدائل جاهزة، وبعضها يواجه تحديات سياسية وأمنية وتمويلية، لكن قيمتها لا تكمن في افتراض تنفيذها قريباً، بل في كونها أصبحت اتجاهاً استراتيجياً، فالمنطقة والعالم معها سيبحث عن تنويع شبكات النقل عبر دول المنطقة، ليس لإنهاء دور مضيق “هرمز” بل لتقويض استخدامه مستقبلاً كنقطة اختناق بأيد متهورة.

لن يحدث هذا التحول في خمس أو عشر سنوات، ولا توجد أرقام تسمح بالقول إن هرمز سيفقد أهميته على اية حال لصالح طرق بديلة للتجارة. لكن ذلك سيحدث حتماً على المدى الطويل

احتياجات تتجاوز التكلفة

في يوليو/تموز 2026 قدّر قطاع الشحن أن نحو 350 ألف حاوية أُزيحت عن مساراتها بسبب الاضطراب، بينما أظهرت التجربة ان حدود النقل البري الطارئة لا تتميز بالإمكانات والسرعة والكفاءة لتعويض اضطراب “هرمز”، وهذا ما يجعل البدائل طويلة المدى مختلفة عن إجراءات الطوارئ كما انها حاسمة لجهة تغييرها لمقتضيات حركة التجارة الدولية.

هذه ليست فرضية بعيدة عن سلوك التجارة. الطرق التجارية لم تكن ثابتة تاريخياً. حفرت قناة السويس بتكاليف هائلة في وقتها لأن طريق رأس الرجاء الصالح. وشُقت قناة بنما للأسباب والاعتبارات والتكاليف ذاتها.

ان الأثر الأبعد لأزمة هرمز قد يظهر في نماذج المخاطر لا في خرائط الجيوش فقط. فشركات التأمين وخطوط الشحن والمصارف وصناديق البنية التحتية ومديرو سلاسل الإمداد لا يعيدون الحساب من الصفر بعد انتهاء كل أزمة. فالخطر الذي وقع بات يدخل في التسعير والعقود وخطط الاستمرارية وتنويع الموردين والمسارات.

مثل الآليات الدفاعية في جسم الانسان، سيتم تعريف مضيق هرمز على المدى الطويل باعتباره نقطة اختناق قلقة حتى لو تغير سلوك ايران نفسها او تبدل نظامها السياسي، فانتهاء التهديد الإيراني على هرمز لا ينهي المشكلة التي صنعتها إيران. فقد يكون سلوك ايران قد أُدخل المضيق، في سجلات المخاطر الهيكلية للتجارة الدولية على المدى الطويل، وهذا ما تدركه دول المنطقة قبل غيرها.

لن يحدث هذا التحول في خمس أو عشر سنوات، ولا توجد أرقام تسمح بالقول إن هرمز سيفقد أهميته على اية حال لصالح طرق بديلة للتجارة. لكن ذلك سيحدث حتماً على المدى الطويل.

اولت ايران التلاعب بثوابت التاريخ ومقتضيات الاستقرار الدولي، على امل ان تظفر في نهاية المطاف بجائزة ما مثل “هرمز”

الخاسر الأكبر

قد تنتهي الحرب باعتراف أكبر بأن أمن الممرات الدولية يحتاج الى مزيد من العمل الدولي المشترك، والى رؤية جديدة وربما تحديث للاتفاقات والمعاهدات تفرض التزامات أكثر قسوة على الدول التي تهدد حركة الملاحة.

وما يمكن احتسابه في معادلات المكاسب والخسائر ومقتضياتها الاستراتيجية، ان ايران بسلوكها نحو “هرمز” وافتراضاتها بإمكان الهيمنة على المضيق لم تقوض على المدى البعيد المضيق نفسه فقط، بل انها سمحت بانتقال الرؤية العالمية ورؤية دول المنطقة حول تنويع ممرات النقل الكبرى من أفكار تحت البحث الى اليات عمل يجري العمل عليها بجدية وسرعة.

حاولت ايران التلاعب بثوابت التاريخ ومقتضيات الاستقرار الدولي، على امل ان تظفر في نهاية المطاف بجائزة ما مثل “هرمز” وافترضت أن من يملك القدرة على تعطيل الممر الدولي لبعض الوقت يملك نفوذاً على من يعبر منه على المدى الطويل. لكنها أسست النظرية على أرضية رخوة، لن تصمد امام الحلول التي يمكنها افراغ فحوى الافتراض نفسه.

في 1453 بقيت سلسلة القسطنطينية مشدودة. لم يتم قطعها بل تم تجاوزها لان ذلك كان ضرورياً، كما ان تلك السلاسل استمرت بعد ذلك بقرون بكنها فقدت قيمتها كسلاح عسكري.

واقع الحال ان مضيق هرمز سيبقى مفتوحاً أيضا، سوف تمر عبره السفن بحرية ومن دون قيود، لكنه سيفقد قيمته العسكرية ايضاً، فحين تنشغل طهران بمحاولة إيجاد طريقة لتهديد البوابة او التحكم بمن يمر منها، سينشغل الجميع بإعادة رسم طرق أخرى لتأمين الازدهار والتجارة والتبادل الثقافي والاقتصادي، وقد لا يتم وضع ايران ضمن حساباتها.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025