في 14 تموز/يوليو 2026، استقبل البيت الأبيض رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي. غير أن الرجل الذي رتّب هذه الزيارة وصاغ شروطها ليس دبلوماسياً محترفاً، بل مستثمر سابق في الأصول المتعثرة يتولى اليوم إدارة ملفات ثلاث دول من مقرّه في أنقرة. ومن هنا، لم يعد فهم الطريقة التي يفكّر بها توم برّاك مسألة ثانوية، بل شرطاً لفهم الخيارات التي ستُطرح أمام هذه البلدان.
لم يعد برّاك مجرد سفير للولايات المتحدة في أنقرة. فمنذ أن وسّع الرئيس دونالد ترامب مهمته في 31 أيار/مايو 2026، وعيّنه مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق مع احتفاظه بمنصبه في تركيا، أصبح نقطة الاتصال الأميركية الرئيسية في مساحة تمتد من الأناضول إلى الخليج العربي، مروراً بدمشق وبغداد.
وبالنسبة إلى العراق، يعني هذا التعيين عملياً أن مجمل العلاقة مع واشنطن، بما يشمله ذلك من سلاح الفصائل والطاقة والاستثمار وحدود النفوذ الإيراني، بات يمر بدرجة كبيرة عبر عقل رجل واحد، له طريقة محددة في قراءة السياسة وإدارة التفاوض، ويمكن تفكيك منطقه واستشراف المسارات التي قد يذهب إليها.
ولم يكن اختيار برّاك لهذه المهمة تفصيلاً إدارياً عابراً. فهو لا ينتمي إلى السلك الدبلوماسي، ولم يتدرج داخل مؤسسات صناعة السياسة الخارجية، بل جاء من عالم الاستثمار العقاري والأسواق المتعثرة وشبكات المال العابرة للحدود. كما جاء تعيينه في الملف العراقي خلفاً للمبعوث السابق مارك سافايا، الذي غادر منصبه في ظروف غامضة بعد عجزه عن منع عودة اسم نوري المالكي إلى دائرة الترشح لرئاسة الحكومة.
ومن هذه الزاوية، تمثل تجربة برّاك اختباراً لنمط مختلف من الدبلوماسية؛ نمط ينظر إلى المنطقة بوصفها مساحة قابلة لإعادة التركيب من خلال المصالح والاستثمارات والضمانات الشخصية، أكثر مما يتعامل معها باعتبارها منظومة دول مستقرة تحكمها المؤسسات والقواعد. وفي هذه النقطة تحديداً تكمن قوته ومشكلته في آن واحد، وعندها أيضاً ستتحدد قدرة العراق على التعامل معه والاستفادة من مقاربته أو الحد من مخاطرها.
تقوم دبلوماسية توم برّاك على الثقة المباشرة بترامب، وتفضيل الصفقة السريعة على المسارات المؤسسية الطويلة، وربط الأمن بالاستثمار والطاقة. غير أن نجاحه في العراق يواجه تعقيدات الفصائل وتعدد مراكز القوة. وستتحدد فاعليته بقدرته على تحويل الضغوط الخارجية إلى تسوية عراقية مشروعة ومستدامة تحمي السيادة وتمنع الهيمنة وتبني مؤسسات قابلة للبقاء.
من زحلة إلى وول ستريت: تكوين رجل الصفقات
وُلد توماس جوزيف برّاك عام 1947 في كاليفورنيا، لأسرة مسيحية تعود جذورها إلى مدينة زحلة اللبنانية. وكان جدّاه قد هاجرا إلى الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين، فيما نشأ هو في متجر عائلي صغير بمدينة كلفر سيتي. وفي شهادة ترشيحه أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قدّم هذه الخلفية بوصفها نقطة التقاء بين “الحلم الأميركي” والإرث المتعدد لبلاد الشام، وربطها مبكراً بفكرة التسامح والقدرة على العبور بين الثقافات.
بعد دراسته القانون، انتقل عام 1973 إلى السعودية للعمل في تمويل مشاريع النفط والغاز. وهناك احتكّ بمجالس النخب المحلية وتعرّف إلى البنية الاجتماعية الخليجية في ذروة الصعود النفطي. ولم تكن تلك التجربة عابرة؛ إذ فتحت أمامه مبكراً أبواب العائلات الحاكمة ورؤوس الأموال السيادية، وأكسبته ما يصفه بـ”الحاسة الثقافية السادسة”: القدرة على التقاط المصالح غير المعلنة، وبناء الثقة قبل الانتقال إلى التفاوض.
وفي عام 1991، أسّس برّاك شركة “كولوني كابيتال”، متخصّصاً في شراء الأصول المتعثرة وإعادة هيكلتها. ثم توسعت الشركة لاحقاً في عشرات البلدان، ودخلت قطاعات العقارات والفنادق والإعلام والبنية الرقمية. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في فهم شخصيته السياسية؛ فرجل الاستثمار في الأصول المتعثرة لا يبدأ عادة بالسؤال عن الصيغة المثلى للمؤسسة، بل عن القيمة التي لا تزال قابلة للاستخراج، والأطراف التي يمكن جمعها، والثمن الذي يجعل الصفقة ممكنة.
وقد نقل برّاك هذا المنطق، بدرجات متفاوتة، إلى العمل الدبلوماسي. غير أن حدود هذه المقاربة تظهر بوضوح حين تُطبَّق على دولة مثل العراق؛ فهو ليس “أصلاً متعثراً” بلا مالك، بل شبكة مصالح راسخة تقف خلفها قوى وأطراف واضحة.
وترتبط علاقة برّاك بدونالد ترامب بعقود من المصالح التجارية والصلات الشخصية، تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. ثم أصبح من أبرز داعمي حملته الانتخابية عام 2016، وتولى رئاسة لجنة تنصيبه. وفي عام 2021، وُجهت إليه اتهامات بالعمل لمصلحة الإمارات من دون تسجيل قانوني، وعرقلة العدالة، والإدلاء بإفادات كاذبة، لكنه بُرئ من جميع التهم في تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
ولم تُنهِ البراءة الأسئلة المرتبطة بتداخل شبكاته التجارية والسياسية، لكنها أزالت العائق القانوني أمام عودته إلى المجال العام. وعندما رُشح لمنصب السفير في أنقرة، تعهّد بتصفية حصته في شركة “ديجيتال بريدج”، وبأن تكون المصالح الأميركية المرجعية الحاكمة لعمله.
تكوّنت رؤية برّاك السياسية في عالم الاستثمار والأصول المتعثرة؛ إذ ينظر إلى الأزمات بوصفها فرصاً لإعادة ترتيب المصالح وصناعة الصفقات.
صديق الرئیس: نفوذ مباشر وهشاشة مؤسسية
صادق مجلس الشيوخ على تعيين برّاك سفيراً لدى تركيا في 29 نيسان/أبريل 2025، بأغلبية 60 صوتاً مقابل 36. وبعد أسابيع قليلة، عيّنه ترامب مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، قبل أن يوسّع مهمته لاحقاً لتشمل العراق أيضاً. ويكشف هذا الانتقال السريع من سفير ثنائي إلى مبعوث يشرف على ملفات ثلاث دول عن المصدر الفعلي لنفوذه: علاقته المباشرة بالرئيس.
في الإدارات الأميركية التقليدية، يستمد المبعوث قوته من التفويض المؤسسي، ومن توافق البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع والكونغرس. أما برّاك، فيضيف إلى ذلك قدرته على الوصول المباشر إلى ترامب وإقناعه بالتحرك. وقد ظهر أثر هذا النفوذ في تبنّي الإدارة الأميركية خيار الانفتاح على حكومة أحمد الشرع في سوريا، ورفع القسم الأكبر من العقوبات، ثم الشروع في إجراءات شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب في تموز/يوليو 2026.
تمنح هذه الصلة الشخصية برّاك هامش حركة لا يتوافر لمعظم السفراء، وتتيح له تقديم تعهدات سياسية يثق المتلقون بأنها تصل مباشرة إلى الرئيس. لكنها تجعل نفوذه، في الوقت نفسه، مرهوناً باستمرار ثقة ترامب وبقدرة الرئيس على تمرير قراراته عبر المؤسسات الأميركية. فبرّاك قوي بقدر قربه من مركز القرار، لا بقدر رسوخ موقعه داخل جهاز الدولة. وهذه معطيات عملية ينبغي لأي فاعل عراقي يتفاوض معه أن يضعها في الحسبان: ما يَعِد به برّاك يساوي ما يستطيع ترامب تثبيته، لا أكثر.
تنبع قوة برّاك من قربه الشخصي من ترامب، لكنها تظل قوة مرتبطة بالرئيس أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة الأميركية. وقد شكّل القرب من القائد الإيراني مصدرًا مماثلًا لقوة قاسم سليماني؛ فلما غاب سليماني، غاب معه جزء أساسي من هذا النفوذ، ولم يتمكن خليفته من بناء العلاقة نفسها أو امتلاك هامش الحركة ذاته.
عقيدة الصفقة: كيف يرى برّاك المشرق؟
عرض برّاك رؤيته بوضوح خلال “حوار المنامة” في تشرين الثاني/نوفمبر 2025. فهو يرى أن الدبلوماسية الأميركية أخفقت لأنها خلطت بين كثافة الجهد وتحقيق النتائج، وراكمت مسارات تفاوضية طويلة لم تنتج نظاماً قابلاً للحياة. كما يعتقد أن حدود ما بعد الحرب العالمية الأولى وضعت جماعات وقبائل ورايات داخل أطر دول لم تكن مهيأة بالضرورة لأن تتحول إلى دول وطنية متماسكة، وأن محاولات الولايات المتحدة تغيير الأنظمة وتصدير نماذج الحكم انتهت إلى سلسلة من الإخفاقات.
وينطلق البديل الذي يطرحه من ثلاثة عناصر مترابطة. أولاها “الفعل الجريء” القادر على توليد الزخم وإجبار الأطراف على مغادرة مواقعها القديمة. وثانيها نقل عبء الاستقرار من الولايات المتحدة إلى القوى الإقليمية، بحيث توفر واشنطن القيادة السياسية والغطاء، فيما تقدم تركيا والدول العربية رأس المال والخبرة والقدرة التنفيذية. أما العنصر الثالث، فيتمثل في توظيف الازدهار الاقتصادي أداةً لتثبيت التسويات؛ فالاستثمار والطاقة والممرات التجارية، وفق هذه الرؤية، ليست نتائج تأتي بعد السلام، بل وسائل لصناعته.
ولهذا، لا يبدو برّاك منشغلاً بإعادة إنتاج الخطاب الأميركي التقليدي حول التحول الديمقراطي. الأولوية لديه للأمن والغذاء والتعليم والمؤسسات الأساسية، على أن تأتي السياسة والحقوق والتعددية في مرحلة لاحقة. وهي مقاربة تقترب من مفهوم “الاستقرار التنموي”: سلطة مركزية قادرة، يعقبها تدفق رأس المال، ثم اندماج تدريجي في المحيط. كما تنسجم هذه الرؤية مع توجه ترامب الرافض لنشر القوات أو تخصيص موارد أميركية واسعة لإعادة الإعمار، والداعي بدلاً من ذلك إلى تعبئة موارد المنطقة نفسها.
برّاك يرفض فرض النماذج من الخارج، لكنه يستخدم ثقل الولايات المتحدة لدفع الفاعلين المحليين نحو نموذج محدد من الاندماج. ومن ثم، فإن “إعادة هندسة المشرق” في تصوره لا تعني رسم حدود جديدة، بل إعادة تعريف وظائف الدول القائمة وربطها بشبكة إقليمية جديدة من الأمن والطاقة والاستثمار. وفي الحالة العراقية، يعني ذلك عملياً السعي إلى استبدال شبكة النفوذ الإيرانية بشبكة مصالح ترتبط بالسوق الأميركية، ورأس المال الخليجي، والممرات التركية.
يرى برّاك أن الأمن والازدهار الاقتصادي ليسا نتيجةً للتسويات، بل أداتان لصناعتها وإعادة ربط دول المنطقة بشبكة جديدة من المصالح.
سوريا ولبنان: مختبر الأدوات والحدود
كانت سوريا ساحة الاختبار الأولى لمقاربة برّاك. فقد راهن مبكراً على أحمد الشرع، وكرّر أن واشنطن لا تملك “خطة بديلة” عن إنجاح السلطة الجديدة. هذا الموقف يعكس قراءته لموازين القوة القائمة. وقد ترجم برّاك رهانه إلى مسار تدريجي شمل تخفيف العقوبات، وتشجيع الاستثمارات الخليجية والتركية، ودفع دمشق إلى التعاون في مكافحة داعش.
وفي مطلع عام 2026، أدّى دوراً رئيسياً في التوصل إلى اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، بعد تراجع الموقع التفاوضي للقوات الكردية. غير أن هذه المقاربة نفسها كشفت حدوداً جوهرية؛ إذ انتقلت واشنطن سريعاً من الشراكة مع القوات الكردية إلى التعامل مع الدولة المركزية بوصفها الشريك الأساسي. وأثار ذلك مخاوف من أن تكون التسوية استجابة لموازين القوة أكثر من كونها عقداً سياسياً قادراً على حماية الحقوق على المدى البعيد.
أما لبنان، فكان الإنذار الأكثر وضوحاً. فقد تولّى برّاك خلال عام 2025 جانباً أساسياً من الوساطة المرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة، وطرح خريطة طريق تقوم على نزع سلاح حزب الله مقابل وقف الضربات الإسرائيلية، والانسحاب، وفتح باب إعادة الإعمار. لكنه أقرّ بنفسه بأن الولايات المتحدة “تستطيع التأثير في إسرائيل، لكنها لا تستطيع إجبارها”، في وقت طُلب فيه من الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات داخلية ثقيلة قبل الحصول على ضمانات موازية.
ويهدد هذا التفاوت في القدرة على الضغط منطق الصفقة نفسه؛ إذ يصعب إقناع أي طرف بتقديم تنازلات حين تكون الالتزامات موزعة بصورة غير متوازنة. وهذا هو الدرس الأكثر مباشرة بالنسبة إلى بغداد: رأس المال ووعود الإعمار لا يكفيان حين تغيب الضمانات الأمنية المتبادلة.
كما تكشف التجربتان السورية واللبنانية بعض نقاط الضعف في أسلوب برّاك الشخصي. فقد أثارت إشادته المتكررة بالقيادات القوية اعتراضات داخل تركيا، مثلما تسبب أسلوبه المباشر مع الصحفيين اللبنانيين بأزمة انتهت بإقراره بأن تعبيره لم يكن مناسباً. وتبيّن هذه الوقائع أن “الحاسة الثقافية” التي يعتد بها لا تمنعه أحياناً من تبسيط المجتمعات أو التعامل معها من موقع علوي؛ وهو ميل يحمل مخاطر واضحة في بيئة عراقية شديدة الحساسية تجاه أي نبرة وصائية.
كشفت تجربتا سوريا ولبنان قدرة برّاك على توليد الزخم، كما كشفتا حدود الصفقات حين تغيب الضمانات المتوازنة والشرعية المستدامة.
العراق: الاختبار الأصعب
إذا كانت سوريا دولة خرجت من حرب وتبحث عن مركز جديد، فإن العراق دولة مكتملة الاعتراف والمؤسسات، لكنها تضم مراكز قوة مسلحة وسياسية واقتصادية متداخلة. ولهذا سيكون ملفه أكثر تعقيداً أمام برّاك من الملف السوري. ففي العراق، لا يكفي التفاهم مع رئيس الحكومة، لأن أي تسوية جدية تقتضي التعامل مع القوى الشيعية، والفصائل المسلحة، والمرجعية، وإقليم كردستان، والأحزاب السنية، فضلاً عن شبكة المصالح الإيرانية التي تراكمت منذ عام 2003.
بدأ برّاك التعامل مع هذا الواقع قبل الإعلان الرسمي عن تكليفه. ففي شباط/فبراير 2026، التقى نوري المالكي على الرغم من اعتراض واشنطن على عودته إلى رئاسة الحكومة، في إشارة إلى استعداده للتفاوض مع الفاعل القائم بدلاً من الاكتفاء بسياسة الإقصاء. ثم جاء الاختبار الأكبر مع اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، حين تدخلت فصائل عراقية إلى جانب طهران، واستهدفت مصالح أميركية وخليجية انطلاقاً من الأراضي العراقية. وعندها انتقل ملف حصر السلاح من نقاش سيادي داخلي إلى أولوية أمنية أميركية عاجلة.
وبعد تكليفه بالملف، زار برّاك بغداد والتقى رئيس الوزراء علي الزيدي في 15 حزيران/يونيو 2026. ووفق بيان مشترك، اتفق الطرفان على “حصر السلاح بيد الدولة”، و”التفكيك الكامل” للتشكيلات الخارجة عن سلطتها، وتأكيد “السيادة الكاملة” بما يمنع استخدام الأراضي العراقية للإضرار بأمن الإقليم، إلى جانب توسيع مجالات التجارة والاستثمار والطاقة مع الشركات الأميركية. واقترنت الزيارة بدعوة الزيدي إلى البيت الأبيض في منتصف تموز/يوليو.
ويبدو أن برّاك يحاول نقل النموذج السوري إلى العراق بصيغة أكثر حذراً: تقوية الحكومة المركزية، وتقليص استقلال الجماعات المسلحة، واستخدام الاقتصاد والطاقة مدخلاً لإعادة بناء العلاقة مع واشنطن، ودمج إقليم كردستان في ترتيب أوسع يربط العراق بتركيا وسوريا. غير أن الاستجابة العراقية جاءت منقسمة. فقد أعلنت عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، ومن قبلها سرايا السلام الصدرية، قبولها تسليم السلاح إلى الدولة، فيما رفضت كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء ذلك، وربط بعضها نزع السلاح بخروج القوات الأميركية. وهذا الانقسام هو ما يمنح مقاربة “السيادة المرنة” فرصتها، عبر التمييز بين من يقبل الاندماج ومن يرفضه، بدلاً من التعامل مع الفصائل بوصفها كتلة واحدة.
ثم جاءت مداهمات “المنطقة الخضراء” في 28 حزيران/يونيو، التي أفضت إلى اعتقال نحو 47 مسؤولاً، بينهم نواب ومسؤولون في وزارة النفط بتهم فساد، لتكشف طبيعة المسار الجاري: عملية داخلية بواجهة عراقية، وصفها دبلوماسيون بأنها “جزء من التحضير لزيارة واشنطن” وإثبات لالتزام الزيدي بتعهداته.
وهنا تحديداً يبرز مأزق برّاك في العراق. فإذا ظهر حصر السلاح والحملة على الفساد بوصفهما استجابة لإملاء خارجي، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الحكومة التي يسعى إلى تقويتها، ويمنح خصوم الإصلاح ورقة “مقاومة التدخل الأجنبي”. ولذلك يتوقف نجاحه على قدرته على تحويل المطالب الأميركية إلى مصلحة عراقية داخلية، لا إلى صفقة ثنائية مؤقتة تقايض السلاح بالاستثمار.
غير أن العراق ليس أصلاً متعثراً يمكن الاستحواذ عليه ثم إعادة هيكلته. فالفصائل ليست مجرد مجموعات عسكرية قابلة للحل بقرار، بل قوى تمتلك أحزاباً وموارد وجمهوراً ومواقع داخل الدولة، وترتبط بحوامل اجتماعية ومناطقية عميقة في الجنوب لا يكفي المال وحده لتفكيكها. وأي مقاربة تتجاهل هذا العمق ستنتهي إلى إعادة إنتاج العداء الذي تسعى إلى إنهائه.
يتوقف نجاح برّاك في العراق على تحويل حصر السلاح وتقليص النفوذ الإيراني من مطالب أميركية إلى مشروع عراقي يحظى بالشرعية الداخلية.
أدوات النفوذ وحدوده
يمتلك برّاك أربع أدوات رئيسية. أولها الثقة المباشرة التي يحظى بها لدى ترامب، وهي التي تتيح له تجاوز بطء المؤسسات التقليدية. وثانيها شبكة علاقات قديمة تمتد من واشنطن إلى أنقرة والخليج العربي وبلاد الشام. وثالثها خبرته في التفاوض حول الأصول المتعثرة، بما تنطوي عليه من قدرة على تقدير المخاطر وابتكار الحوافز. أما الأداة الرابعة، فتتمثل في قدرته على الجمع بين الأمن والاقتصاد؛ فهو لا يطرح اتفاقاً سياسياً مجرداً، بل يربطه برفع العقوبات والاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار.
في المقابل، تتوزع نقاط ضعفه على ثلاثة مستويات. فعلى المستوى الشخصي، يميل برّاك إلى الصراحة المفرطة والاختزال، وقد تحولت بعض تصريحاته إلى عبء على مهمته. وعلى المستوى المؤسسي، يستند نفوذه إلى علاقته بالرئيس أكثر مما يستند إلى جهاز دبلوماسي مستقر، وهو ما يثير أسئلة حول استدامة التفاهمات التي يعقدها. أما سياسياً، فإن ثقته بالقادة القادرين على إبرام الصفقات تمنحه سرعة في الإنجاز، لكنها قد تدفعه في المقابل إلى التقليل من أهمية الشرعية الشعبية، وحقوق المكونات، وبناء المؤسسات؛ وهي العناصر نفسها التي يتوقف عليها بقاء أي تسوية في العراق.
وقد يتحول اتساع مهمته من مصدر قوة إلى عبء. فالموازنة بين تركيا وسوريا والعراق تفرض عليه إدارة تناقضات لا يمكن احتواؤها كلها في صفقة واحدة. فأنقرة تريد إنهاء البنية العسكرية الكردية، بينما تخشى الجماعات الكردية هيمنة المركز. وبغداد تريد شراكة أميركية من دون وصاية، فيما تطالب واشنطن بتفكيك الفصائل. أما إسرائيل، فتبحث عن ضمانات أمنية قد تتعارض مع تقوية سوريا أو لبنان. ولذلك قد يصنع النجاح في ملف خسارة في ملف آخر.
يجمع برّاك بين ثقة ترامب وشبكات العلاقات والحوافز الاقتصادية، لكن نفوذه يظل مهدداً بالاختزال السياسي وهشاشة التفويض المؤسسي.
المرحلة المقبلة: صعود مشروط
يمثل برّاك اليوم أحد أبرز وجوه السياسة الترامبية في الشرق الأوسط؛ سياسة تفضّل المبعوث القريب من الرئيس على البيروقراطية، والصفقة على المسار المفتوح، والاستقرار على هندسة الأنظمة، ورأس المال الإقليمي على الإنفاق الأميركي. وإذا نجح، فقد يساهم في بناء محور مصالح يمتد من تركيا إلى سوريا والعراق، يحد من عودة النفوذ الإيراني المسلح، ويفتح المنطقة أمام استثمارات وممرات اقتصادية جديدة.
لكن معيار نجاحه لا ينبغي أن يُختزل في عدد الاجتماعات أو سرعة توقيع الاتفاقات. فالمشكلة في المشرق لم تكن دائماً غياب الصفقات، بل عجزها عن التحول إلى مؤسسات وقواعد مقبولة. وقد ينجح رجل الأعمال في تحديد القيمة المتبقية داخل الأزمات، وجمع الخصوم حول ثمن مناسب، إلا أن بناء الدولة يتطلب ما هو أبعد من الصفقة: شرعية محلية، وتوازناً بين المركز والمكونات، ومؤسسات قادرة على الاستمرار بعد مغادرة الوسطاء.
لن يُقاس نجاح برّاك بسرعة الصفقات، بل بقدرته على تحويلها إلى مؤسسات وتسويات محلية تستمر بعد مغادرة المبعوث والوسيط.
سيظل برّاك فاعلاً مؤثراً ما دامت ثقة ترامب به قائمة، وما دامت المنطقة تبحث عن مخرج سريع من الحروب. لكن الحكم على تجربته في العراق سيتوقف تحديداً على قدرته على تحويل الزخم إلى ترتيبات مستدامة؛ بحيث تصبح “السيادة المرنة” تسوية عراقية يملكها العراقيون، لا صفقة ثنائية تُدار من أنقرة وتُوقّع في واشنطن. وتلك هي المسافة الفاصلة بين دبلوماسية رجل الأعمال وسياسة الدولة، وهي المسافة التي ستُقاس، بعد لقاء الزيدي بترامب، بالأفعال لا بالأقوال.
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
توم برّاك: رجل الأعمال الذي يعيد هندسة المشرق
في 14 تموز/يوليو 2026، استقبل البيت الأبيض رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي. غير أن الرجل الذي رتّب هذه الزيارة وصاغ شروطها ليس دبلوماسياً محترفاً، بل مستثمر سابق في الأصول المتعثرة يتولى اليوم إدارة ملفات ثلاث دول من مقرّه في أنقرة. ومن هنا، لم يعد فهم الطريقة التي يفكّر بها توم برّاك مسألة ثانوية، بل شرطاً لفهم الخيارات التي ستُطرح أمام هذه البلدان.
لم يعد برّاك مجرد سفير للولايات المتحدة في أنقرة. فمنذ أن وسّع الرئيس دونالد ترامب مهمته في 31 أيار/مايو 2026، وعيّنه مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى سوريا والعراق مع احتفاظه بمنصبه في تركيا، أصبح نقطة الاتصال الأميركية الرئيسية في مساحة تمتد من الأناضول إلى الخليج العربي، مروراً بدمشق وبغداد.
وبالنسبة إلى العراق، يعني هذا التعيين عملياً أن مجمل العلاقة مع واشنطن، بما يشمله ذلك من سلاح الفصائل والطاقة والاستثمار وحدود النفوذ الإيراني، بات يمر بدرجة كبيرة عبر عقل رجل واحد، له طريقة محددة في قراءة السياسة وإدارة التفاوض، ويمكن تفكيك منطقه واستشراف المسارات التي قد يذهب إليها.
ولم يكن اختيار برّاك لهذه المهمة تفصيلاً إدارياً عابراً. فهو لا ينتمي إلى السلك الدبلوماسي، ولم يتدرج داخل مؤسسات صناعة السياسة الخارجية، بل جاء من عالم الاستثمار العقاري والأسواق المتعثرة وشبكات المال العابرة للحدود. كما جاء تعيينه في الملف العراقي خلفاً للمبعوث السابق مارك سافايا، الذي غادر منصبه في ظروف غامضة بعد عجزه عن منع عودة اسم نوري المالكي إلى دائرة الترشح لرئاسة الحكومة.
ومن هذه الزاوية، تمثل تجربة برّاك اختباراً لنمط مختلف من الدبلوماسية؛ نمط ينظر إلى المنطقة بوصفها مساحة قابلة لإعادة التركيب من خلال المصالح والاستثمارات والضمانات الشخصية، أكثر مما يتعامل معها باعتبارها منظومة دول مستقرة تحكمها المؤسسات والقواعد. وفي هذه النقطة تحديداً تكمن قوته ومشكلته في آن واحد، وعندها أيضاً ستتحدد قدرة العراق على التعامل معه والاستفادة من مقاربته أو الحد من مخاطرها.
تقوم دبلوماسية توم برّاك على الثقة المباشرة بترامب، وتفضيل الصفقة السريعة على المسارات المؤسسية الطويلة، وربط الأمن بالاستثمار والطاقة. غير أن نجاحه في العراق يواجه تعقيدات الفصائل وتعدد مراكز القوة. وستتحدد فاعليته بقدرته على تحويل الضغوط الخارجية إلى تسوية عراقية مشروعة ومستدامة تحمي السيادة وتمنع الهيمنة وتبني مؤسسات قابلة للبقاء.
من زحلة إلى وول ستريت: تكوين رجل الصفقات
وُلد توماس جوزيف برّاك عام 1947 في كاليفورنيا، لأسرة مسيحية تعود جذورها إلى مدينة زحلة اللبنانية. وكان جدّاه قد هاجرا إلى الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين، فيما نشأ هو في متجر عائلي صغير بمدينة كلفر سيتي. وفي شهادة ترشيحه أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قدّم هذه الخلفية بوصفها نقطة التقاء بين “الحلم الأميركي” والإرث المتعدد لبلاد الشام، وربطها مبكراً بفكرة التسامح والقدرة على العبور بين الثقافات.
بعد دراسته القانون، انتقل عام 1973 إلى السعودية للعمل في تمويل مشاريع النفط والغاز. وهناك احتكّ بمجالس النخب المحلية وتعرّف إلى البنية الاجتماعية الخليجية في ذروة الصعود النفطي. ولم تكن تلك التجربة عابرة؛ إذ فتحت أمامه مبكراً أبواب العائلات الحاكمة ورؤوس الأموال السيادية، وأكسبته ما يصفه بـ”الحاسة الثقافية السادسة”: القدرة على التقاط المصالح غير المعلنة، وبناء الثقة قبل الانتقال إلى التفاوض.
وفي عام 1991، أسّس برّاك شركة “كولوني كابيتال”، متخصّصاً في شراء الأصول المتعثرة وإعادة هيكلتها. ثم توسعت الشركة لاحقاً في عشرات البلدان، ودخلت قطاعات العقارات والفنادق والإعلام والبنية الرقمية. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في فهم شخصيته السياسية؛ فرجل الاستثمار في الأصول المتعثرة لا يبدأ عادة بالسؤال عن الصيغة المثلى للمؤسسة، بل عن القيمة التي لا تزال قابلة للاستخراج، والأطراف التي يمكن جمعها، والثمن الذي يجعل الصفقة ممكنة.
وقد نقل برّاك هذا المنطق، بدرجات متفاوتة، إلى العمل الدبلوماسي. غير أن حدود هذه المقاربة تظهر بوضوح حين تُطبَّق على دولة مثل العراق؛ فهو ليس “أصلاً متعثراً” بلا مالك، بل شبكة مصالح راسخة تقف خلفها قوى وأطراف واضحة.
وترتبط علاقة برّاك بدونالد ترامب بعقود من المصالح التجارية والصلات الشخصية، تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي. ثم أصبح من أبرز داعمي حملته الانتخابية عام 2016، وتولى رئاسة لجنة تنصيبه. وفي عام 2021، وُجهت إليه اتهامات بالعمل لمصلحة الإمارات من دون تسجيل قانوني، وعرقلة العدالة، والإدلاء بإفادات كاذبة، لكنه بُرئ من جميع التهم في تشرين الثاني/نوفمبر 2022.
ولم تُنهِ البراءة الأسئلة المرتبطة بتداخل شبكاته التجارية والسياسية، لكنها أزالت العائق القانوني أمام عودته إلى المجال العام. وعندما رُشح لمنصب السفير في أنقرة، تعهّد بتصفية حصته في شركة “ديجيتال بريدج”، وبأن تكون المصالح الأميركية المرجعية الحاكمة لعمله.
تكوّنت رؤية برّاك السياسية في عالم الاستثمار والأصول المتعثرة؛ إذ ينظر إلى الأزمات بوصفها فرصاً لإعادة ترتيب المصالح وصناعة الصفقات.
صديق الرئیس: نفوذ مباشر وهشاشة مؤسسية
صادق مجلس الشيوخ على تعيين برّاك سفيراً لدى تركيا في 29 نيسان/أبريل 2025، بأغلبية 60 صوتاً مقابل 36. وبعد أسابيع قليلة، عيّنه ترامب مبعوثاً خاصاً إلى سوريا، قبل أن يوسّع مهمته لاحقاً لتشمل العراق أيضاً. ويكشف هذا الانتقال السريع من سفير ثنائي إلى مبعوث يشرف على ملفات ثلاث دول عن المصدر الفعلي لنفوذه: علاقته المباشرة بالرئيس.
في الإدارات الأميركية التقليدية، يستمد المبعوث قوته من التفويض المؤسسي، ومن توافق البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع والكونغرس. أما برّاك، فيضيف إلى ذلك قدرته على الوصول المباشر إلى ترامب وإقناعه بالتحرك. وقد ظهر أثر هذا النفوذ في تبنّي الإدارة الأميركية خيار الانفتاح على حكومة أحمد الشرع في سوريا، ورفع القسم الأكبر من العقوبات، ثم الشروع في إجراءات شطبها من قائمة الدول الراعية للإرهاب في تموز/يوليو 2026.
تمنح هذه الصلة الشخصية برّاك هامش حركة لا يتوافر لمعظم السفراء، وتتيح له تقديم تعهدات سياسية يثق المتلقون بأنها تصل مباشرة إلى الرئيس. لكنها تجعل نفوذه، في الوقت نفسه، مرهوناً باستمرار ثقة ترامب وبقدرة الرئيس على تمرير قراراته عبر المؤسسات الأميركية. فبرّاك قوي بقدر قربه من مركز القرار، لا بقدر رسوخ موقعه داخل جهاز الدولة. وهذه معطيات عملية ينبغي لأي فاعل عراقي يتفاوض معه أن يضعها في الحسبان: ما يَعِد به برّاك يساوي ما يستطيع ترامب تثبيته، لا أكثر.
تنبع قوة برّاك من قربه الشخصي من ترامب، لكنها تظل قوة مرتبطة بالرئيس أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة الأميركية. وقد شكّل القرب من القائد الإيراني مصدرًا مماثلًا لقوة قاسم سليماني؛ فلما غاب سليماني، غاب معه جزء أساسي من هذا النفوذ، ولم يتمكن خليفته من بناء العلاقة نفسها أو امتلاك هامش الحركة ذاته.
عقيدة الصفقة: كيف يرى برّاك المشرق؟
عرض برّاك رؤيته بوضوح خلال “حوار المنامة” في تشرين الثاني/نوفمبر 2025. فهو يرى أن الدبلوماسية الأميركية أخفقت لأنها خلطت بين كثافة الجهد وتحقيق النتائج، وراكمت مسارات تفاوضية طويلة لم تنتج نظاماً قابلاً للحياة. كما يعتقد أن حدود ما بعد الحرب العالمية الأولى وضعت جماعات وقبائل ورايات داخل أطر دول لم تكن مهيأة بالضرورة لأن تتحول إلى دول وطنية متماسكة، وأن محاولات الولايات المتحدة تغيير الأنظمة وتصدير نماذج الحكم انتهت إلى سلسلة من الإخفاقات.
وينطلق البديل الذي يطرحه من ثلاثة عناصر مترابطة. أولاها “الفعل الجريء” القادر على توليد الزخم وإجبار الأطراف على مغادرة مواقعها القديمة. وثانيها نقل عبء الاستقرار من الولايات المتحدة إلى القوى الإقليمية، بحيث توفر واشنطن القيادة السياسية والغطاء، فيما تقدم تركيا والدول العربية رأس المال والخبرة والقدرة التنفيذية. أما العنصر الثالث، فيتمثل في توظيف الازدهار الاقتصادي أداةً لتثبيت التسويات؛ فالاستثمار والطاقة والممرات التجارية، وفق هذه الرؤية، ليست نتائج تأتي بعد السلام، بل وسائل لصناعته.
ولهذا، لا يبدو برّاك منشغلاً بإعادة إنتاج الخطاب الأميركي التقليدي حول التحول الديمقراطي. الأولوية لديه للأمن والغذاء والتعليم والمؤسسات الأساسية، على أن تأتي السياسة والحقوق والتعددية في مرحلة لاحقة. وهي مقاربة تقترب من مفهوم “الاستقرار التنموي”: سلطة مركزية قادرة، يعقبها تدفق رأس المال، ثم اندماج تدريجي في المحيط. كما تنسجم هذه الرؤية مع توجه ترامب الرافض لنشر القوات أو تخصيص موارد أميركية واسعة لإعادة الإعمار، والداعي بدلاً من ذلك إلى تعبئة موارد المنطقة نفسها.
برّاك يرفض فرض النماذج من الخارج، لكنه يستخدم ثقل الولايات المتحدة لدفع الفاعلين المحليين نحو نموذج محدد من الاندماج. ومن ثم، فإن “إعادة هندسة المشرق” في تصوره لا تعني رسم حدود جديدة، بل إعادة تعريف وظائف الدول القائمة وربطها بشبكة إقليمية جديدة من الأمن والطاقة والاستثمار. وفي الحالة العراقية، يعني ذلك عملياً السعي إلى استبدال شبكة النفوذ الإيرانية بشبكة مصالح ترتبط بالسوق الأميركية، ورأس المال الخليجي، والممرات التركية.
يرى برّاك أن الأمن والازدهار الاقتصادي ليسا نتيجةً للتسويات، بل أداتان لصناعتها وإعادة ربط دول المنطقة بشبكة جديدة من المصالح.
سوريا ولبنان: مختبر الأدوات والحدود
كانت سوريا ساحة الاختبار الأولى لمقاربة برّاك. فقد راهن مبكراً على أحمد الشرع، وكرّر أن واشنطن لا تملك “خطة بديلة” عن إنجاح السلطة الجديدة. هذا الموقف يعكس قراءته لموازين القوة القائمة. وقد ترجم برّاك رهانه إلى مسار تدريجي شمل تخفيف العقوبات، وتشجيع الاستثمارات الخليجية والتركية، ودفع دمشق إلى التعاون في مكافحة داعش.
وفي مطلع عام 2026، أدّى دوراً رئيسياً في التوصل إلى اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، بعد تراجع الموقع التفاوضي للقوات الكردية. غير أن هذه المقاربة نفسها كشفت حدوداً جوهرية؛ إذ انتقلت واشنطن سريعاً من الشراكة مع القوات الكردية إلى التعامل مع الدولة المركزية بوصفها الشريك الأساسي. وأثار ذلك مخاوف من أن تكون التسوية استجابة لموازين القوة أكثر من كونها عقداً سياسياً قادراً على حماية الحقوق على المدى البعيد.
أما لبنان، فكان الإنذار الأكثر وضوحاً. فقد تولّى برّاك خلال عام 2025 جانباً أساسياً من الوساطة المرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة، وطرح خريطة طريق تقوم على نزع سلاح حزب الله مقابل وقف الضربات الإسرائيلية، والانسحاب، وفتح باب إعادة الإعمار. لكنه أقرّ بنفسه بأن الولايات المتحدة “تستطيع التأثير في إسرائيل، لكنها لا تستطيع إجبارها”، في وقت طُلب فيه من الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات داخلية ثقيلة قبل الحصول على ضمانات موازية.
ويهدد هذا التفاوت في القدرة على الضغط منطق الصفقة نفسه؛ إذ يصعب إقناع أي طرف بتقديم تنازلات حين تكون الالتزامات موزعة بصورة غير متوازنة. وهذا هو الدرس الأكثر مباشرة بالنسبة إلى بغداد: رأس المال ووعود الإعمار لا يكفيان حين تغيب الضمانات الأمنية المتبادلة.
كما تكشف التجربتان السورية واللبنانية بعض نقاط الضعف في أسلوب برّاك الشخصي. فقد أثارت إشادته المتكررة بالقيادات القوية اعتراضات داخل تركيا، مثلما تسبب أسلوبه المباشر مع الصحفيين اللبنانيين بأزمة انتهت بإقراره بأن تعبيره لم يكن مناسباً. وتبيّن هذه الوقائع أن “الحاسة الثقافية” التي يعتد بها لا تمنعه أحياناً من تبسيط المجتمعات أو التعامل معها من موقع علوي؛ وهو ميل يحمل مخاطر واضحة في بيئة عراقية شديدة الحساسية تجاه أي نبرة وصائية.
كشفت تجربتا سوريا ولبنان قدرة برّاك على توليد الزخم، كما كشفتا حدود الصفقات حين تغيب الضمانات المتوازنة والشرعية المستدامة.
العراق: الاختبار الأصعب
إذا كانت سوريا دولة خرجت من حرب وتبحث عن مركز جديد، فإن العراق دولة مكتملة الاعتراف والمؤسسات، لكنها تضم مراكز قوة مسلحة وسياسية واقتصادية متداخلة. ولهذا سيكون ملفه أكثر تعقيداً أمام برّاك من الملف السوري. ففي العراق، لا يكفي التفاهم مع رئيس الحكومة، لأن أي تسوية جدية تقتضي التعامل مع القوى الشيعية، والفصائل المسلحة، والمرجعية، وإقليم كردستان، والأحزاب السنية، فضلاً عن شبكة المصالح الإيرانية التي تراكمت منذ عام 2003.
بدأ برّاك التعامل مع هذا الواقع قبل الإعلان الرسمي عن تكليفه. ففي شباط/فبراير 2026، التقى نوري المالكي على الرغم من اعتراض واشنطن على عودته إلى رئاسة الحكومة، في إشارة إلى استعداده للتفاوض مع الفاعل القائم بدلاً من الاكتفاء بسياسة الإقصاء. ثم جاء الاختبار الأكبر مع اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، حين تدخلت فصائل عراقية إلى جانب طهران، واستهدفت مصالح أميركية وخليجية انطلاقاً من الأراضي العراقية. وعندها انتقل ملف حصر السلاح من نقاش سيادي داخلي إلى أولوية أمنية أميركية عاجلة.
وبعد تكليفه بالملف، زار برّاك بغداد والتقى رئيس الوزراء علي الزيدي في 15 حزيران/يونيو 2026. ووفق بيان مشترك، اتفق الطرفان على “حصر السلاح بيد الدولة”، و”التفكيك الكامل” للتشكيلات الخارجة عن سلطتها، وتأكيد “السيادة الكاملة” بما يمنع استخدام الأراضي العراقية للإضرار بأمن الإقليم، إلى جانب توسيع مجالات التجارة والاستثمار والطاقة مع الشركات الأميركية. واقترنت الزيارة بدعوة الزيدي إلى البيت الأبيض في منتصف تموز/يوليو.
ويبدو أن برّاك يحاول نقل النموذج السوري إلى العراق بصيغة أكثر حذراً: تقوية الحكومة المركزية، وتقليص استقلال الجماعات المسلحة، واستخدام الاقتصاد والطاقة مدخلاً لإعادة بناء العلاقة مع واشنطن، ودمج إقليم كردستان في ترتيب أوسع يربط العراق بتركيا وسوريا. غير أن الاستجابة العراقية جاءت منقسمة. فقد أعلنت عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، ومن قبلها سرايا السلام الصدرية، قبولها تسليم السلاح إلى الدولة، فيما رفضت كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء ذلك، وربط بعضها نزع السلاح بخروج القوات الأميركية. وهذا الانقسام هو ما يمنح مقاربة “السيادة المرنة” فرصتها، عبر التمييز بين من يقبل الاندماج ومن يرفضه، بدلاً من التعامل مع الفصائل بوصفها كتلة واحدة.
ثم جاءت مداهمات “المنطقة الخضراء” في 28 حزيران/يونيو، التي أفضت إلى اعتقال نحو 47 مسؤولاً، بينهم نواب ومسؤولون في وزارة النفط بتهم فساد، لتكشف طبيعة المسار الجاري: عملية داخلية بواجهة عراقية، وصفها دبلوماسيون بأنها “جزء من التحضير لزيارة واشنطن” وإثبات لالتزام الزيدي بتعهداته.
وهنا تحديداً يبرز مأزق برّاك في العراق. فإذا ظهر حصر السلاح والحملة على الفساد بوصفهما استجابة لإملاء خارجي، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الحكومة التي يسعى إلى تقويتها، ويمنح خصوم الإصلاح ورقة “مقاومة التدخل الأجنبي”. ولذلك يتوقف نجاحه على قدرته على تحويل المطالب الأميركية إلى مصلحة عراقية داخلية، لا إلى صفقة ثنائية مؤقتة تقايض السلاح بالاستثمار.
غير أن العراق ليس أصلاً متعثراً يمكن الاستحواذ عليه ثم إعادة هيكلته. فالفصائل ليست مجرد مجموعات عسكرية قابلة للحل بقرار، بل قوى تمتلك أحزاباً وموارد وجمهوراً ومواقع داخل الدولة، وترتبط بحوامل اجتماعية ومناطقية عميقة في الجنوب لا يكفي المال وحده لتفكيكها. وأي مقاربة تتجاهل هذا العمق ستنتهي إلى إعادة إنتاج العداء الذي تسعى إلى إنهائه.
يتوقف نجاح برّاك في العراق على تحويل حصر السلاح وتقليص النفوذ الإيراني من مطالب أميركية إلى مشروع عراقي يحظى بالشرعية الداخلية.
أدوات النفوذ وحدوده
يمتلك برّاك أربع أدوات رئيسية. أولها الثقة المباشرة التي يحظى بها لدى ترامب، وهي التي تتيح له تجاوز بطء المؤسسات التقليدية. وثانيها شبكة علاقات قديمة تمتد من واشنطن إلى أنقرة والخليج العربي وبلاد الشام. وثالثها خبرته في التفاوض حول الأصول المتعثرة، بما تنطوي عليه من قدرة على تقدير المخاطر وابتكار الحوافز. أما الأداة الرابعة، فتتمثل في قدرته على الجمع بين الأمن والاقتصاد؛ فهو لا يطرح اتفاقاً سياسياً مجرداً، بل يربطه برفع العقوبات والاستثمار والطاقة وإعادة الإعمار.
في المقابل، تتوزع نقاط ضعفه على ثلاثة مستويات. فعلى المستوى الشخصي، يميل برّاك إلى الصراحة المفرطة والاختزال، وقد تحولت بعض تصريحاته إلى عبء على مهمته. وعلى المستوى المؤسسي، يستند نفوذه إلى علاقته بالرئيس أكثر مما يستند إلى جهاز دبلوماسي مستقر، وهو ما يثير أسئلة حول استدامة التفاهمات التي يعقدها. أما سياسياً، فإن ثقته بالقادة القادرين على إبرام الصفقات تمنحه سرعة في الإنجاز، لكنها قد تدفعه في المقابل إلى التقليل من أهمية الشرعية الشعبية، وحقوق المكونات، وبناء المؤسسات؛ وهي العناصر نفسها التي يتوقف عليها بقاء أي تسوية في العراق.
وقد يتحول اتساع مهمته من مصدر قوة إلى عبء. فالموازنة بين تركيا وسوريا والعراق تفرض عليه إدارة تناقضات لا يمكن احتواؤها كلها في صفقة واحدة. فأنقرة تريد إنهاء البنية العسكرية الكردية، بينما تخشى الجماعات الكردية هيمنة المركز. وبغداد تريد شراكة أميركية من دون وصاية، فيما تطالب واشنطن بتفكيك الفصائل. أما إسرائيل، فتبحث عن ضمانات أمنية قد تتعارض مع تقوية سوريا أو لبنان. ولذلك قد يصنع النجاح في ملف خسارة في ملف آخر.
يجمع برّاك بين ثقة ترامب وشبكات العلاقات والحوافز الاقتصادية، لكن نفوذه يظل مهدداً بالاختزال السياسي وهشاشة التفويض المؤسسي.
المرحلة المقبلة: صعود مشروط
يمثل برّاك اليوم أحد أبرز وجوه السياسة الترامبية في الشرق الأوسط؛ سياسة تفضّل المبعوث القريب من الرئيس على البيروقراطية، والصفقة على المسار المفتوح، والاستقرار على هندسة الأنظمة، ورأس المال الإقليمي على الإنفاق الأميركي. وإذا نجح، فقد يساهم في بناء محور مصالح يمتد من تركيا إلى سوريا والعراق، يحد من عودة النفوذ الإيراني المسلح، ويفتح المنطقة أمام استثمارات وممرات اقتصادية جديدة.
لكن معيار نجاحه لا ينبغي أن يُختزل في عدد الاجتماعات أو سرعة توقيع الاتفاقات. فالمشكلة في المشرق لم تكن دائماً غياب الصفقات، بل عجزها عن التحول إلى مؤسسات وقواعد مقبولة. وقد ينجح رجل الأعمال في تحديد القيمة المتبقية داخل الأزمات، وجمع الخصوم حول ثمن مناسب، إلا أن بناء الدولة يتطلب ما هو أبعد من الصفقة: شرعية محلية، وتوازناً بين المركز والمكونات، ومؤسسات قادرة على الاستمرار بعد مغادرة الوسطاء.
لن يُقاس نجاح برّاك بسرعة الصفقات، بل بقدرته على تحويلها إلى مؤسسات وتسويات محلية تستمر بعد مغادرة المبعوث والوسيط.
سيظل برّاك فاعلاً مؤثراً ما دامت ثقة ترامب به قائمة، وما دامت المنطقة تبحث عن مخرج سريع من الحروب. لكن الحكم على تجربته في العراق سيتوقف تحديداً على قدرته على تحويل الزخم إلى ترتيبات مستدامة؛ بحيث تصبح “السيادة المرنة” تسوية عراقية يملكها العراقيون، لا صفقة ثنائية تُدار من أنقرة وتُوقّع في واشنطن. وتلك هي المسافة الفاصلة بين دبلوماسية رجل الأعمال وسياسة الدولة، وهي المسافة التي ستُقاس، بعد لقاء الزيدي بترامب، بالأفعال لا بالأقوال.
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025



