العراق يفاوض “أوبك” على نفط محاصر

يطالب العراق برفع حصته في أوبك، لكنه لا يملك حاليًا القدرة على إنتاجها ولا تصديرها؛ فالحصة العادلة تحتاج إلى طاقة إنتاجية مستدامة ومنافذ تصدير كافية، لا إلى ضخامة الاحتياطيات النفطية الموجودة تحت الأرض.

 

كيف يطالب بلد برفع سقف إنتاجه النفطي، فيما يعجز عن بلوغ السقف الممنوح له؟ تختصر هذه المفارقة موقف بغداد داخل منظمة أوبك بعد حرب هرمز. فحصة العراق المقررة من الإنتاج ضمن أوبك+ لشهر تموز/يوليو تبلغ 4.378 مليون برميل يومياً، بينما هبط إنتاجه الفعلي في أيار/مايو إلى نحو 1.48 مليون برميل، بفعل تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز. كما تراجعت صادراته البحرية في الشهر نفسه إلى نحو 96 ألف برميل يومياً، فيما لم يتجاوز إجمالي صادراته، باحتساب خط جيهان، نحو 329 ألفاً، أي أقل من عُشر مستويات ما قبل الحرب.

ومع ذلك، أكد رئيس الوزراء علي الزيدي أن العراق، بوصفه أحد مؤسسي أوبك، سيبقى داخل المنظمة، لكنه يطالب بـ”حصة عادلة ومنصفة“.

وفي المقابل، تحدث مسؤولون في وزارة النفط عن دراسة “كل الخيارات” إذا لم تُرفع الحصة، في لغة اكتسبت وزناً إضافياً بعد خروج الإمارات من المنظمة قبل أقل من شهرين.

للمطلب العراقي وجاهته من منظور بغداد. فالعراق بلد أنهكته الحروب والعقوبات، وتضررت بناه التحتية النفطية، ويمتلك احتياطات كبيرة لا تتناسب، وفق رؤيته، مع حصته الحالية. كما يواجه أزمة مالية حادة بعد فقدان معظم إيراداته. ومن هذه الزاوية، يبدو نظام الحصص غير منصف، أو غير عملي على الأقل، بالنسبة إلى دولة تحتاج إلى تمويل إعادة الإعمار وتلبية متطلبات سكانها المتزايدين.

غير أن مفهوم “الحصة العادلة” يحتاج إلى ضبط أدق. فحجم الاحتياطات والحاجة المالية لا يكفيان وحدهما لتحديد الحصص داخل أوبك؛ إذ تُقاس قوة الدولة التفاوضية بقدرتها الإنتاجية المستدامة، وإمكان تصدير إنتاجها، ومدى التزامها بالاتفاقات السابقة. وهنا يواجه العراق عبئاً إضافياً يتمثل في سجله السابق في تجاوز السقوف المقررة، إذ طُلب منه تعويض نحو 1.93 مليون برميل يومياً من الإنتاج الزائد المتراكم حتى منتصف عام 2026. لذلك، لا تتعلق المسألة بحق جيولوجي في النفط فحسب، بل بالتمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تُخلط في الخطاب العراقي: الاحتياطي الموجود تحت الأرض، والطاقة القابلة للإنتاج بصورة مستدامة، والطاقة التي يمكن إيصالها فعلياً إلى الأسواق.

ومن هنا يسبق سؤال القدرة سؤال العدالة: هل يستطيع العراق إنتاج الكمية التي يطالب بها؟ وإذا أنتجها، فهل يمتلك منافذ آمنة لتصديرها؟

تجيب الأرقام بتحفظ شديد. فقد قدّرت شركة نفط البصرة أن العراق يستطيع استعادة صادراته الجنوبية إلى نحو 3.4 ملايين برميل يومياً أذا أعيد فتح مضيق هرمز، وهو مستوى يقل عن إنتاجه قبل الحرب البالغ نحو 4.3 ملايين برميل. أما خط كردستان–جيهان، وهو المنفذ البري العامل، فتسعى الحكومة إلى زيادة التدفقات عبره من 220 ألف برميل إلى 770 ألفاً يومياً في أفضل الأحوال.

ينقل العراق حاليًا عبر سوريا نحو 900 صهريج يوميًا من زيت الوقود (النفط الأسود)، بما يعادل 120–140 ألف برميل. أما خطة تصدير 50 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، فلم تُنفّذ بعد، ولا تزال صادرات ميناء بانياس مقتصرة على زيت الوقود.

أما البدائل الأخرى، فلا تزال في طور التخطيط. فمشروعات البصرة–حديثة، والامتداد نحو بانياس وجيهان، وإحياء المسارات المعطلة، لم تتجاوز حتى الآن الاتفاقات الأولية ودراسات الجدوى  التي أُقرت مع “شيفرون” وشركائها. وهذا يعني أن تشغيلها يحتاج إلى سنوات لا إلى شهور. كما أن ميناء الفاو الكبير، على أهميته الاستراتيجية، لن يتحول سريعاً إلى منفذ نفطي بديل؛ إذ يتطلب ربطه بخطوط التخزين والتصدير البحرية استكمال مراحل تنفيذ ما زالت في بداياتها.

وعليه، يدور السقف الواقعي الذي يمكن للعراق بلوغه خلال العام المقبل حول أربعة ملايين برميل يومياً في أفضل التقديرات، وبشرط أن لا تهاجم السفن في مضيق هرمز.

هنا يظهر جوهر الإشكال بوصفه مسألة سيادة قبل أن يكون نزاعاً على الحصص. فبغداد تفاوض أوبك على حقها في زيادة الإنتاج، بينما يظل مفتاح تصدير معظم نفطها معلقاً بقرار في طهران، وبضمانات توفرها أساطيل أجنبية. وقد كشفت حرب هرمز أن امتلاك النفط لا يعادل امتلاك القدرة على توظيفه، وأن الاعتماد شبه الكامل على منفذ واحد حوّل قطاع الطاقة العراقي إلى نقطة ضعف استراتيجية.

مع ذلك، يمتلك العراق فرصة حقيقية تتمثل في مراجعة أوبك+ للطاقات الإنتاجية المستدامة، تمهيداً لاعتماد خطوط أساس جديدة للحصص ابتداءً من عام 2027. لكن تحسين موقعه في هذه المراجعة لن يتحقق بالتلويح بالانسحاب، بل بتقديم براهين مادية: طاقة إنتاج مستدامة يمكن التحقق منها، وأنابيب مكتملة، وموانئ مؤهلة، ومسارات تصدير لا تتوقف بإغلاق مضيق واحد.

وإلى أن تتحقق هذه الشروط، تبقى الحقيقة التي يصعب قولها في بغداد: الحصة العادلة لا تُمنح لمن يطالب بها فحسب، بل لمن يمتلك القدرة على ضخها وتسويقها. والعراق اليوم يطالب بحق مشروع، لكنه لا يملك بعدُ جميع أدوات ممارسته.

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

العراق يفاوض “أوبك” على نفط محاصر

يطالب العراق برفع حصته في أوبك، لكنه لا يملك حاليًا القدرة على إنتاجها ولا تصديرها؛ فالحصة العادلة تحتاج إلى طاقة إنتاجية مستدامة ومنافذ تصدير كافية، لا إلى ضخامة الاحتياطيات النفطية الموجودة تحت الأرض.

 

كيف يطالب بلد برفع سقف إنتاجه النفطي، فيما يعجز عن بلوغ السقف الممنوح له؟ تختصر هذه المفارقة موقف بغداد داخل منظمة أوبك بعد حرب هرمز. فحصة العراق المقررة من الإنتاج ضمن أوبك+ لشهر تموز/يوليو تبلغ 4.378 مليون برميل يومياً، بينما هبط إنتاجه الفعلي في أيار/مايو إلى نحو 1.48 مليون برميل، بفعل تعطل الصادرات عبر مضيق هرمز. كما تراجعت صادراته البحرية في الشهر نفسه إلى نحو 96 ألف برميل يومياً، فيما لم يتجاوز إجمالي صادراته، باحتساب خط جيهان، نحو 329 ألفاً، أي أقل من عُشر مستويات ما قبل الحرب.

ومع ذلك، أكد رئيس الوزراء علي الزيدي أن العراق، بوصفه أحد مؤسسي أوبك، سيبقى داخل المنظمة، لكنه يطالب بـ”حصة عادلة ومنصفة“.

وفي المقابل، تحدث مسؤولون في وزارة النفط عن دراسة “كل الخيارات” إذا لم تُرفع الحصة، في لغة اكتسبت وزناً إضافياً بعد خروج الإمارات من المنظمة قبل أقل من شهرين.

للمطلب العراقي وجاهته من منظور بغداد. فالعراق بلد أنهكته الحروب والعقوبات، وتضررت بناه التحتية النفطية، ويمتلك احتياطات كبيرة لا تتناسب، وفق رؤيته، مع حصته الحالية. كما يواجه أزمة مالية حادة بعد فقدان معظم إيراداته. ومن هذه الزاوية، يبدو نظام الحصص غير منصف، أو غير عملي على الأقل، بالنسبة إلى دولة تحتاج إلى تمويل إعادة الإعمار وتلبية متطلبات سكانها المتزايدين.

غير أن مفهوم “الحصة العادلة” يحتاج إلى ضبط أدق. فحجم الاحتياطات والحاجة المالية لا يكفيان وحدهما لتحديد الحصص داخل أوبك؛ إذ تُقاس قوة الدولة التفاوضية بقدرتها الإنتاجية المستدامة، وإمكان تصدير إنتاجها، ومدى التزامها بالاتفاقات السابقة. وهنا يواجه العراق عبئاً إضافياً يتمثل في سجله السابق في تجاوز السقوف المقررة، إذ طُلب منه تعويض نحو 1.93 مليون برميل يومياً من الإنتاج الزائد المتراكم حتى منتصف عام 2026. لذلك، لا تتعلق المسألة بحق جيولوجي في النفط فحسب، بل بالتمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تُخلط في الخطاب العراقي: الاحتياطي الموجود تحت الأرض، والطاقة القابلة للإنتاج بصورة مستدامة، والطاقة التي يمكن إيصالها فعلياً إلى الأسواق.

ومن هنا يسبق سؤال القدرة سؤال العدالة: هل يستطيع العراق إنتاج الكمية التي يطالب بها؟ وإذا أنتجها، فهل يمتلك منافذ آمنة لتصديرها؟

تجيب الأرقام بتحفظ شديد. فقد قدّرت شركة نفط البصرة أن العراق يستطيع استعادة صادراته الجنوبية إلى نحو 3.4 ملايين برميل يومياً أذا أعيد فتح مضيق هرمز، وهو مستوى يقل عن إنتاجه قبل الحرب البالغ نحو 4.3 ملايين برميل. أما خط كردستان–جيهان، وهو المنفذ البري العامل، فتسعى الحكومة إلى زيادة التدفقات عبره من 220 ألف برميل إلى 770 ألفاً يومياً في أفضل الأحوال.

ينقل العراق حاليًا عبر سوريا نحو 900 صهريج يوميًا من زيت الوقود (النفط الأسود)، بما يعادل 120–140 ألف برميل. أما خطة تصدير 50 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، فلم تُنفّذ بعد، ولا تزال صادرات ميناء بانياس مقتصرة على زيت الوقود.

أما البدائل الأخرى، فلا تزال في طور التخطيط. فمشروعات البصرة–حديثة، والامتداد نحو بانياس وجيهان، وإحياء المسارات المعطلة، لم تتجاوز حتى الآن الاتفاقات الأولية ودراسات الجدوى  التي أُقرت مع “شيفرون” وشركائها. وهذا يعني أن تشغيلها يحتاج إلى سنوات لا إلى شهور. كما أن ميناء الفاو الكبير، على أهميته الاستراتيجية، لن يتحول سريعاً إلى منفذ نفطي بديل؛ إذ يتطلب ربطه بخطوط التخزين والتصدير البحرية استكمال مراحل تنفيذ ما زالت في بداياتها.

وعليه، يدور السقف الواقعي الذي يمكن للعراق بلوغه خلال العام المقبل حول أربعة ملايين برميل يومياً في أفضل التقديرات، وبشرط أن لا تهاجم السفن في مضيق هرمز.

هنا يظهر جوهر الإشكال بوصفه مسألة سيادة قبل أن يكون نزاعاً على الحصص. فبغداد تفاوض أوبك على حقها في زيادة الإنتاج، بينما يظل مفتاح تصدير معظم نفطها معلقاً بقرار في طهران، وبضمانات توفرها أساطيل أجنبية. وقد كشفت حرب هرمز أن امتلاك النفط لا يعادل امتلاك القدرة على توظيفه، وأن الاعتماد شبه الكامل على منفذ واحد حوّل قطاع الطاقة العراقي إلى نقطة ضعف استراتيجية.

مع ذلك، يمتلك العراق فرصة حقيقية تتمثل في مراجعة أوبك+ للطاقات الإنتاجية المستدامة، تمهيداً لاعتماد خطوط أساس جديدة للحصص ابتداءً من عام 2027. لكن تحسين موقعه في هذه المراجعة لن يتحقق بالتلويح بالانسحاب، بل بتقديم براهين مادية: طاقة إنتاج مستدامة يمكن التحقق منها، وأنابيب مكتملة، وموانئ مؤهلة، ومسارات تصدير لا تتوقف بإغلاق مضيق واحد.

وإلى أن تتحقق هذه الشروط، تبقى الحقيقة التي يصعب قولها في بغداد: الحصة العادلة لا تُمنح لمن يطالب بها فحسب، بل لمن يمتلك القدرة على ضخها وتسويقها. والعراق اليوم يطالب بحق مشروع، لكنه لا يملك بعدُ جميع أدوات ممارسته.

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025