مؤسسة دايركت للسياسات:
التنفيذي
العلاقات الأمريكية–العراقية مع مطلع عام 2026 مرحلة انتقالية حسّاسة، عقب الإعلان
الرسمي عن اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من القواعد
العسكرية في الاراضي العراقية، وتحول العلاقة إلى أطر ثنائية أمنية وسياسية، مع
الإبقاء على وجود أمريكي محدود ومؤقت في إقليم كردستان. ويتزامن هذا التحول مع ظرف
إقليمي بالغ الحساسية، تتصدره تداعيات انهيار المنظومة الأمنية في شمال شرق سوريا،
ولا سيما ما يتصل بملف سجون ومخيمات تنظيم “داعش”، وتصاعد احتمالات تسلل
التهديدات العابرة للحدود.
هذا التقدير بأن العراق يقف اليوم أمام فرصة سيادية نادرة لإعادة تعريف علاقته
بواشنطن، لكنه في الوقت نفسه يواجه حزمة من المخاطر المركبة، تشمل فراغًا أمنيًا
محتملًا، وضغوطًا إقليمية متعارضة، وتحديات داخلية مرتبطة بوحدة القرار واحتكار
الدولة للسلاح. ويخلص التقدير إلى أن نجاح بغداد في إدارة هذه المرحلة يظل مرهونًا
بتبني مقاربة “الاستقلالية المرنة”، التي توازن بين إنهاء نمط الشراكة
العسكرية المباشرة، والحفاظ على تعاون أمني-اقتصادي منضبط، مع تفعيل اتفاقية
الإطار الاستراتيجي لعلاقة الصداقة والتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة
الأمريكية الموقعة عام 2008، بما يفضي إلى شراكة متوازنة تخدم المصالح العراقية
وتمنع انزلاق البلاد نحو مسارات عدم الاستقرار.
توصيف الوضع الراهن
التحول في الوجود الأمريكي: من التحالف الدولي إلى الشراكة الثنائية
منتصف كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الحكومة العراقية استكمال انسحاب قوات
التحالف الدولي من القواعد العسكرية في المناطق الفيدرالية، وتسليم إدارتها
بالكامل إلى القوات العراقية، بما في ذلك قاعدة عين الأسد الجوية، في خطوة أنهت
عمليًا مرحلة الوجود العسكري الأمريكي المباشر في وسط وجنوب العراق.
هذا التحول استنادًا إلى التفاهمات المعلنة منذ عام 2024 بشأن إنهاء مهمة التحالف،
مع الإبقاء على صيغة تعاون أمني ثنائي، ووجود استشاري محدود في إقليم كردستان حتى
موعد أقصاه أيلول/سبتمبر 2026.
الإطار القانوني والسياسي للعلاقة
الرغم من إنهاء المهمة العسكرية، لا تزال العلاقة بين بغداد وواشنطن محكومة
باتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، التي تغطي مجالات التعاون السياسي
والاقتصادي والأمني والثقافي. وقد أكدت البيانات المشتركة الصادرة عن اجتماعات
اللجنة العليا للتنسيق خلال عام 2024 نية الطرفين الانتقال من منطق “التحالف
العسكري” إلى “الشراكة الثنائية” الأوسع، مع التركيز على الإصلاح
المالي، وقطاع الطاقة، وبناء القدرات.
البيئة الإقليمية الضاغطة
الانسحاب مع تطورات خطيرة في الساحة السورية، أبرزها تراجع سيطرة قوات سوريا
الديمقراطية على عدد من السجون والمخيمات التي تضم عناصر وعائلات تنظيم داعش، وما
رافق ذلك من فرار مئات المعتقلين، وانسحاب هذه القوات من مواقع حيوية مثل مخيم الهول.
أعادت هذه التطورات ملف “داعش” إلى واجهة التهديد الإقليمي، ووضعت
العراق في موقع خط تماس مباشر مع تداعيات الانفلات الأمني عبر حدوده الغربية.
فراغ أمني محتمل في وسط وجنوب العراق
أن يفضي الانسحاب الأمريكي من وسط وجنوب العراق إلى فراغ أمني قد تسعى إلى ملئه
خلايا داعش النائمة أو الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وهو ما حذّرت منه تقارير
وتحليلات سياسية متخصصة.
دلالات الحدث – لماذا هو مفصلي؟
اختبار فعلي للسيادة العراقية
الدولة العراقية المسؤولية الكاملة عن أمن أراضيها من دون مظلة قتالية أجنبية، ما
يجعل الأداء الأمني معيارًا مباشرًا لجدارة الدولة وقدرتها على فرض سيادتها.
تعقيد معادلة الأمن الإقليمي
التداخل بين الساحتين العراقية والسورية، ولا سيما في ملف الإرهاب، يعني أن أي خلل
في إحداهما سينعكس فورًا على الأخرى، في ظل تراجع الأدوار الدولية المباشرة في
إدارة هذا التهديد.
إعادة توزيع النفوذ الداخلي
انسحاب القوات الأمريكية ترتيب موازين القوى بين الفاعلين المحليين، ولا سيما بين
مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة، ما يضع مسألة احتكار السلاح في صلب التحدي
السياسي المقبل.
المحركات – من المستفيد ومن المتضرر؟
المحتملون
• إقليم كردستان العراق: استمرار الوجود
الأمريكي المؤقت يمنح الإقليم هامش أمان استراتيجيًا ورأسمالًا سياسيًا في التفاوض
مع بغداد.
• القوى الإقليمية المنافسة لواشنطن: تقليص
الحضور الأمريكي في وسط وجنوب العراق يفتح مجالًا أوسع للتأثير غير المباشر.
• الفصائل المسلحة: خروج القوات الأجنبية من
المناطق الفيدرالية يقلل من القيود المباشرة على حركتها، رغم استمرار الضغوط
السياسية.
المتضررون
المحتملون
• الحكومة العراقية: تتحمل العبء الأكبر في
ضبط الأمن ومنع الانزلاق، من دون غطاء دولي مباشر.
• القوى المدنية والعلمانية: تراجع الضغط
الدولي قد يقلل من الحماية غير المباشرة للمجتمع المدني في مواجهة الفصائل.
• الولايات المتحدة: تفقد جزءًا من قدرتها
على التأثير الميداني المباشر ومراقبة الأنشطة الإقليمية.
• إيران: على الرغم من اعتبارها مستفيدة من
خروج الولايات المتحدة، فإن وجود القوات الأمريكية كان يمثل ورقة ضغط بيد طهران،
تلوّح بمهاجمتهم بين الحين والآخر، ومع انسحاب هذه القوات خسرت إيران إحدى أدوات
الضغط في مواجهتها مع واشنطن.
رابعًا:
السيناريوهات المحتملة
1.
السيناريو المرجح: التوازن الهش
تواصل
بغداد انتهاج سياسة “التوازن الدقيق” بين واشنطن وطهران، مع استمرار
شراكة أمنية ثنائية محدودة، وتعاون استخباراتي وتدريبي مع الولايات المتحدة، وضبط
نسبي لسلوك الفصائل، مع بقاء تهديد داعش ضمن مستويات يمكن احتواؤها.
ويستند
هذا السيناريو إلى البيان المشترك العراقي–الأمريكي الصادر في أيلول/سبتمبر 2024،
الذي أكد رغبة الطرفين في تعزيز العلاقات وتطوير المساعدة الأمنية في إطار الاتفاق
الاستراتيجي، فضلًا عن مؤشرات ضبط النفس التي أظهرتها الفصائل خلال أزمات عام
2025، وصولًا إلى إعلان استعداد عدد منها لمراجعة أدوارها أو نزع السلاح.
2.
السيناريو المستبعد: الانخراط الأمريكي الكامل
عودة
انتشار عسكري أمريكي واسع داخل العراق، وهو سيناريو ضعيف الاحتمال في ضوء المزاج
السياسي الأمريكي، والرفض الداخلي العراقي، وكلفة التجربة السابقة.
3.
السيناريو الكارثي: الانهيار الأمني
انهيار
التوازن الهش نتيجة تلاقي ثلاثة عوامل: تصاعد نشاط داعش انطلاقًا من سوريا، وصراع
داخلي بين الفصائل، وضغوط اقتصادية أو مالية خارجية. ورغم كلفته العالية، يظل هذا
السيناريو ممكنًا في حال فشل إدارة المرحلة الانتقالية.
خامسًا:
المخاطر والفرص
المخاطر
الرئيسية
• عودة تنظيم داعش مستفيدًا من التطورات في
سوريا.
• تعاظم النفوذ الإيراني ونفوذ الفصائل
المسلحة على حساب مؤسسات الدولة.
• الضغوط والعقوبات المالية في حال انحراف
بغداد عن مسار التوازن.
• تصاعد الاستقطاب الداخلي قبيل عملية تقاسم
الحصص الجارية لتشكيل الحكومة.
الفرص
المتاحة
• تعزيز السيادة الوطنية عبر بناء منظومة
أمنية مستقلة.
• إعادة تعريف العلاقة مع واشنطن على أسس
اقتصادية وطاقية وتنموية.
• إصلاح القطاع الأمني، وحصر السلاح بيد
الدولة، ودمج الفصائل ضمن أطرها الرسمية بعد فقدانها الذريعة التي كانت تتحجج بها
وهي وجود قوات التحالف.
• توسيع هامش المناورة الإقليمية وبناء
علاقات متوازنة مع دول الجوار.
• فتح المجال أمام القوى المدنية
والعلمانية، بما يجعل هذه المرحلة مدخلًا لإنهاء الاغتراب السياسي، وتسجيل حضور
وتأثير لقوى جديدة قادرة على طرح أفكار واقعية حول الدولة، إذ إن إعادة صياغة
العلاقة مع واشنطن وتعزيز السيادة الوطنية يتطلبان إشراك قوى سياسية واجتماعية
قادرة على تقديم رؤى بديلة.
سادسًا:
توصيات عملية لصنّاع القرار
1. تثبيت إطار الشراكة الثنائية مع واشنطن،
وتفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي عبر بوابة الاقتصاد والطاقة، ونقل ثقل العلاقة
من الأمن إلى الكهرباء والاستثمار طويل الأمد.
2. منع الفراغ في المناطق التي أُخليت من قوات
التحالف، عبر نشر وحدات عراقية مختارة ومدرّبة في القواعد السابقة، مع دعم
استخباري.
3. إدارة ملف داعش بوصفه خطرًا عابرًا للحدود
لا قضية أمنية داخلية فحسب، من خلال إنشاء خلية تنسيق وطنية لملف الحدود الغربية
وسجون ومخيمات شمال سوريا.
4. ضبط سلوك الفصائل الخارجة على القانون،
وإعادة الاعتبار التدريجي لمفهوم احتكار الدولة للسلاح.
5. تحصين النظام المالي استباقيًا، عبر تعزيز
الامتثال المصرفي والشفافية، لتقليل مخاطر العقوبات أو القيود الخارجية.
6. إبقاء قنوات التهدئة الإقليمية مفتوحة،
وإدارة توازن نشط مع الفاعلين الإقليميين لمنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية
الصراعات.
الخلاصة
النهائية
يقف
العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فالانسحاب الأمريكي لا يعني نهاية العلاقة مع
واشنطن، بل نهاية نموذج وبداية آخر. ويتطلب النجاح في هذه المرحلة انتقالًا واعيًا
من خطاب “السيادة الصلبة” إلى ممارسة “السيادة المرنة”. سيادة
تحمي القرار الوطني من دون عزل العراق عن شبكات التعاون الدولي، وتوازن بين الداخل
والخارج من دون ارتهان لأي طرف خارجي.
إن
إدارة هذه اللحظة بوصفها فرصة لإعادة التأسيس، لا مجرد فراغ أمني، هي ما سيحدد ما
إذا كان العراق سيخرج من هذه المرحلة دولةً أكثر تماسكًا واستقلالًا، أم ساحةً
مفتوحة لتصفية صراعات الآخرين.
حقوق الصورة: غيتي
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
أزمة العلاقات الأمريكية-العراقية.. تقدير موقف للفرص والمخاطر
مؤسسة دايركت للسياسات:
التنفيذي
العلاقات الأمريكية–العراقية مع مطلع عام 2026 مرحلة انتقالية حسّاسة، عقب الإعلان
الرسمي عن اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من القواعد
العسكرية في الاراضي العراقية، وتحول العلاقة إلى أطر ثنائية أمنية وسياسية، مع
الإبقاء على وجود أمريكي محدود ومؤقت في إقليم كردستان. ويتزامن هذا التحول مع ظرف
إقليمي بالغ الحساسية، تتصدره تداعيات انهيار المنظومة الأمنية في شمال شرق سوريا،
ولا سيما ما يتصل بملف سجون ومخيمات تنظيم “داعش”، وتصاعد احتمالات تسلل
التهديدات العابرة للحدود.
هذا التقدير بأن العراق يقف اليوم أمام فرصة سيادية نادرة لإعادة تعريف علاقته
بواشنطن، لكنه في الوقت نفسه يواجه حزمة من المخاطر المركبة، تشمل فراغًا أمنيًا
محتملًا، وضغوطًا إقليمية متعارضة، وتحديات داخلية مرتبطة بوحدة القرار واحتكار
الدولة للسلاح. ويخلص التقدير إلى أن نجاح بغداد في إدارة هذه المرحلة يظل مرهونًا
بتبني مقاربة “الاستقلالية المرنة”، التي توازن بين إنهاء نمط الشراكة
العسكرية المباشرة، والحفاظ على تعاون أمني-اقتصادي منضبط، مع تفعيل اتفاقية
الإطار الاستراتيجي لعلاقة الصداقة والتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة
الأمريكية الموقعة عام 2008، بما يفضي إلى شراكة متوازنة تخدم المصالح العراقية
وتمنع انزلاق البلاد نحو مسارات عدم الاستقرار.
توصيف الوضع الراهن
التحول في الوجود الأمريكي: من التحالف الدولي إلى الشراكة الثنائية
منتصف كانون الثاني/يناير 2026، أعلنت الحكومة العراقية استكمال انسحاب قوات
التحالف الدولي من القواعد العسكرية في المناطق الفيدرالية، وتسليم إدارتها
بالكامل إلى القوات العراقية، بما في ذلك قاعدة عين الأسد الجوية، في خطوة أنهت
عمليًا مرحلة الوجود العسكري الأمريكي المباشر في وسط وجنوب العراق.
هذا التحول استنادًا إلى التفاهمات المعلنة منذ عام 2024 بشأن إنهاء مهمة التحالف،
مع الإبقاء على صيغة تعاون أمني ثنائي، ووجود استشاري محدود في إقليم كردستان حتى
موعد أقصاه أيلول/سبتمبر 2026.
الإطار القانوني والسياسي للعلاقة
الرغم من إنهاء المهمة العسكرية، لا تزال العلاقة بين بغداد وواشنطن محكومة
باتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، التي تغطي مجالات التعاون السياسي
والاقتصادي والأمني والثقافي. وقد أكدت البيانات المشتركة الصادرة عن اجتماعات
اللجنة العليا للتنسيق خلال عام 2024 نية الطرفين الانتقال من منطق “التحالف
العسكري” إلى “الشراكة الثنائية” الأوسع، مع التركيز على الإصلاح
المالي، وقطاع الطاقة، وبناء القدرات.
البيئة الإقليمية الضاغطة
الانسحاب مع تطورات خطيرة في الساحة السورية، أبرزها تراجع سيطرة قوات سوريا
الديمقراطية على عدد من السجون والمخيمات التي تضم عناصر وعائلات تنظيم داعش، وما
رافق ذلك من فرار مئات المعتقلين، وانسحاب هذه القوات من مواقع حيوية مثل مخيم الهول.
أعادت هذه التطورات ملف “داعش” إلى واجهة التهديد الإقليمي، ووضعت
العراق في موقع خط تماس مباشر مع تداعيات الانفلات الأمني عبر حدوده الغربية.
فراغ أمني محتمل في وسط وجنوب العراق
أن يفضي الانسحاب الأمريكي من وسط وجنوب العراق إلى فراغ أمني قد تسعى إلى ملئه
خلايا داعش النائمة أو الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وهو ما حذّرت منه تقارير
وتحليلات سياسية متخصصة.
دلالات الحدث – لماذا هو مفصلي؟
اختبار فعلي للسيادة العراقية
الدولة العراقية المسؤولية الكاملة عن أمن أراضيها من دون مظلة قتالية أجنبية، ما
يجعل الأداء الأمني معيارًا مباشرًا لجدارة الدولة وقدرتها على فرض سيادتها.
تعقيد معادلة الأمن الإقليمي
التداخل بين الساحتين العراقية والسورية، ولا سيما في ملف الإرهاب، يعني أن أي خلل
في إحداهما سينعكس فورًا على الأخرى، في ظل تراجع الأدوار الدولية المباشرة في
إدارة هذا التهديد.
إعادة توزيع النفوذ الداخلي
انسحاب القوات الأمريكية ترتيب موازين القوى بين الفاعلين المحليين، ولا سيما بين
مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة، ما يضع مسألة احتكار السلاح في صلب التحدي
السياسي المقبل.
المحركات – من المستفيد ومن المتضرر؟
المحتملون
• إقليم كردستان العراق: استمرار الوجود
الأمريكي المؤقت يمنح الإقليم هامش أمان استراتيجيًا ورأسمالًا سياسيًا في التفاوض
مع بغداد.
• القوى الإقليمية المنافسة لواشنطن: تقليص
الحضور الأمريكي في وسط وجنوب العراق يفتح مجالًا أوسع للتأثير غير المباشر.
• الفصائل المسلحة: خروج القوات الأجنبية من
المناطق الفيدرالية يقلل من القيود المباشرة على حركتها، رغم استمرار الضغوط
السياسية.
المتضررون
المحتملون
• الحكومة العراقية: تتحمل العبء الأكبر في
ضبط الأمن ومنع الانزلاق، من دون غطاء دولي مباشر.
• القوى المدنية والعلمانية: تراجع الضغط
الدولي قد يقلل من الحماية غير المباشرة للمجتمع المدني في مواجهة الفصائل.
• الولايات المتحدة: تفقد جزءًا من قدرتها
على التأثير الميداني المباشر ومراقبة الأنشطة الإقليمية.
• إيران: على الرغم من اعتبارها مستفيدة من
خروج الولايات المتحدة، فإن وجود القوات الأمريكية كان يمثل ورقة ضغط بيد طهران،
تلوّح بمهاجمتهم بين الحين والآخر، ومع انسحاب هذه القوات خسرت إيران إحدى أدوات
الضغط في مواجهتها مع واشنطن.
رابعًا:
السيناريوهات المحتملة
1.
السيناريو المرجح: التوازن الهش
تواصل
بغداد انتهاج سياسة “التوازن الدقيق” بين واشنطن وطهران، مع استمرار
شراكة أمنية ثنائية محدودة، وتعاون استخباراتي وتدريبي مع الولايات المتحدة، وضبط
نسبي لسلوك الفصائل، مع بقاء تهديد داعش ضمن مستويات يمكن احتواؤها.
ويستند
هذا السيناريو إلى البيان المشترك العراقي–الأمريكي الصادر في أيلول/سبتمبر 2024،
الذي أكد رغبة الطرفين في تعزيز العلاقات وتطوير المساعدة الأمنية في إطار الاتفاق
الاستراتيجي، فضلًا عن مؤشرات ضبط النفس التي أظهرتها الفصائل خلال أزمات عام
2025، وصولًا إلى إعلان استعداد عدد منها لمراجعة أدوارها أو نزع السلاح.
2.
السيناريو المستبعد: الانخراط الأمريكي الكامل
عودة
انتشار عسكري أمريكي واسع داخل العراق، وهو سيناريو ضعيف الاحتمال في ضوء المزاج
السياسي الأمريكي، والرفض الداخلي العراقي، وكلفة التجربة السابقة.
3.
السيناريو الكارثي: الانهيار الأمني
انهيار
التوازن الهش نتيجة تلاقي ثلاثة عوامل: تصاعد نشاط داعش انطلاقًا من سوريا، وصراع
داخلي بين الفصائل، وضغوط اقتصادية أو مالية خارجية. ورغم كلفته العالية، يظل هذا
السيناريو ممكنًا في حال فشل إدارة المرحلة الانتقالية.
خامسًا:
المخاطر والفرص
المخاطر
الرئيسية
• عودة تنظيم داعش مستفيدًا من التطورات في
سوريا.
• تعاظم النفوذ الإيراني ونفوذ الفصائل
المسلحة على حساب مؤسسات الدولة.
• الضغوط والعقوبات المالية في حال انحراف
بغداد عن مسار التوازن.
• تصاعد الاستقطاب الداخلي قبيل عملية تقاسم
الحصص الجارية لتشكيل الحكومة.
الفرص
المتاحة
• تعزيز السيادة الوطنية عبر بناء منظومة
أمنية مستقلة.
• إعادة تعريف العلاقة مع واشنطن على أسس
اقتصادية وطاقية وتنموية.
• إصلاح القطاع الأمني، وحصر السلاح بيد
الدولة، ودمج الفصائل ضمن أطرها الرسمية بعد فقدانها الذريعة التي كانت تتحجج بها
وهي وجود قوات التحالف.
• توسيع هامش المناورة الإقليمية وبناء
علاقات متوازنة مع دول الجوار.
• فتح المجال أمام القوى المدنية
والعلمانية، بما يجعل هذه المرحلة مدخلًا لإنهاء الاغتراب السياسي، وتسجيل حضور
وتأثير لقوى جديدة قادرة على طرح أفكار واقعية حول الدولة، إذ إن إعادة صياغة
العلاقة مع واشنطن وتعزيز السيادة الوطنية يتطلبان إشراك قوى سياسية واجتماعية
قادرة على تقديم رؤى بديلة.
سادسًا:
توصيات عملية لصنّاع القرار
1. تثبيت إطار الشراكة الثنائية مع واشنطن،
وتفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي عبر بوابة الاقتصاد والطاقة، ونقل ثقل العلاقة
من الأمن إلى الكهرباء والاستثمار طويل الأمد.
2. منع الفراغ في المناطق التي أُخليت من قوات
التحالف، عبر نشر وحدات عراقية مختارة ومدرّبة في القواعد السابقة، مع دعم
استخباري.
3. إدارة ملف داعش بوصفه خطرًا عابرًا للحدود
لا قضية أمنية داخلية فحسب، من خلال إنشاء خلية تنسيق وطنية لملف الحدود الغربية
وسجون ومخيمات شمال سوريا.
4. ضبط سلوك الفصائل الخارجة على القانون،
وإعادة الاعتبار التدريجي لمفهوم احتكار الدولة للسلاح.
5. تحصين النظام المالي استباقيًا، عبر تعزيز
الامتثال المصرفي والشفافية، لتقليل مخاطر العقوبات أو القيود الخارجية.
6. إبقاء قنوات التهدئة الإقليمية مفتوحة،
وإدارة توازن نشط مع الفاعلين الإقليميين لمنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية
الصراعات.
الخلاصة
النهائية
يقف
العراق اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فالانسحاب الأمريكي لا يعني نهاية العلاقة مع
واشنطن، بل نهاية نموذج وبداية آخر. ويتطلب النجاح في هذه المرحلة انتقالًا واعيًا
من خطاب “السيادة الصلبة” إلى ممارسة “السيادة المرنة”. سيادة
تحمي القرار الوطني من دون عزل العراق عن شبكات التعاون الدولي، وتوازن بين الداخل
والخارج من دون ارتهان لأي طرف خارجي.
إن
إدارة هذه اللحظة بوصفها فرصة لإعادة التأسيس، لا مجرد فراغ أمني، هي ما سيحدد ما
إذا كان العراق سيخرج من هذه المرحلة دولةً أكثر تماسكًا واستقلالًا، أم ساحةً
مفتوحة لتصفية صراعات الآخرين.
حقوق الصورة: غيتي
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025



