استهداف النموذج: اسباب الهجوم الايراني على البنية الخليجية

هاجمت إيران دول الخليج العربي لتوسيع ساحة الحرب، وإرباك واشنطن، ورفع الكلفة، وتعويض ضعفها الداخلي أمام نجاح النموذج الخليجي المقلق لها داخليًا

 

ملخص تنفيذي

ترصد هذه الورقة تحوّل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران من مسار تفاوضي متعثر إلى صراع عسكري مفتوح ذي امتدادات إقليمية، وتخلص إلى أن توسيع الحرب كان خيارًا استراتيجيًا مُعدًّا مسبقًا، جرى تمهيده بخطاب رسمي يدفع نحو إشراك الحلفاء وتحويل المواجهة إلى ساحة متعددة الجبهات.

تعتمد طهران في ذلك نمط “الهروب إلى الإقليم”، عبر توظيف الوكلاء واستهداف البنية التحتية الحيوية في دول الخليج العربي، بهدف تشتيت الجهد الأمريكي، ورفع كلفة الحرب، وتفادي المسؤولية المباشرة. ولا يرتبط اختيار الخليج باعتبارات عسكرية فقط، بل بعوامل أعمق تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية مع أبعاد هوياتية ونفسية داخلية.

وتشير الورقة إلى أن هذا السلوك يعكس أزمة داخلية مركّبة، تتجلى في فجوة بين سردية التفوق والواقع التنموي، وإخفاق مشروع “إيران 1404″، إلى جانب ما يُسمى بـ”عقدة دبي”، حيث يتحول النموذج الخليجي إلى ضغط رمزي على الداخل الإيراني. كما يُستخدم التصعيد الخارجي أداةً لإعادة إنتاج الشرعية وامتصاص التوتر الداخلي.

وتخلص الورقة إلى أن الهدف الإيراني لا يتمثل في تحقيق نصر عسكري مباشر، بل في منع الهزيمة، وإعادة تثبيت الردع، وتوزيع كلفة الصراع إقليميًا، مع بقاء البعد الهوياتي عاملًا حاسمًا في تفسير هذا السلوك واستمراريته.

 

أولًا: سياق المواجهة: من المفاوضات إلى الحرب

أعقبت التهديدات المتصاعدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشنّ هجوم مباشر على إيران، في حال فشل المسار الدبلوماسي، جولاتٌ تفاوضية متكررة لم تُفضِ إلى تقدم ملموس في أيّ من الملفات التي أصرّت عليها واشنطن. وفي ظل هذا الانسداد، انطلقت العمليات العسكرية الأمريكية.

وقبيل اندلاع الحرب بأيام، أعلن مرشد إيران الأعلى، في خطاب متلفز، أن أي مواجهة مقبلة لن تبقى محدودة، بل ستتحول إلى حرب إقليمية شاملة. وقد استقبل الحضور هذا التصريح بفرحٍ لافت وغير مألوف في مثل هذه الحشود، إذ جرى الاحتفاء به بالتصفيق والصفير بدلًا من الشعارات الثورية والدينية المعتادة.

وشكّل هذا التصريح تمهيدًا سياسيًا ونفسيًا لتوسيع نطاق الصراع. كما نشر الموقع الرسمي للمرشد مقالًا يوجّه القوى الموالية لإيران في الإقليم إلى الاستعداد للمشاركة الكاملة في حال اندلاع جولة جديدة، مشيرًا إلى أنه في المرة السابقة لم يُطلب منهم التدخل، أما هذه المرة فيُطلب منهم أن يفعلوا ما بوسعهم. في إشارة واضحة إلى أن استدعاء الوكلاء كان خيارًا محسوبًا سلفًا، لا ردّ فعلٍ اضطراريًا.

 

ثانيًا: تحريك القوى النيابية: الخلفية السياسية والعقائدية

يؤشر إعلان القيادة الإيرانية أن المواجهة ستتحول إلى حرب إقليمية على أن توسيع ساحة الصراع كان جزءًا من استراتيجية قائمة على نقل المعركة من الداخل الإيراني إلى المحيط الجغرافي.

تدرك إيران جيدًا بأن أذرعها لا تملك القدرة على إلحاق ضرر مباشر بالولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنها قادرة على: استهداف البنية التحتية الحيوية لدول الجوار، ضرب الاقتصاد النفطي وإحداث فوضى أمنية واسعة النطاق.

وبذلك تخدم هذه العمليات ثلاثة أهداف رئيسية:

  1. تشتيت الجهد العسكري الأمريكي عبر توسيع الجغرافيا العملياتية.
  2. رفع كلفة الحرب إقليميًا: تراهن إيران على أن يدفع استهداف دول الخليج هذه الدول إلى ممارسة ضغط على واشنطن لوقف العمليات، استنادًا إلى تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية بين الجانبين.
  3. تجنب المسؤولية المباشرة عبر العمل بالوكالة: تدرك طهران أن أي دمار واسع قد يُحمّلها تبعات سياسية وقانونية. لذا تسعى إلى تنفيذ العمليات عبر جماعات حليفة، مع الاحتفاظ بهامش إنكار مسؤوليتها المباشرة.

كما تنظر القيادة الإيرانية إلى المواجهة باعتبارها صراعًا وجوديًا؛ ومن ثم ترى أن لحظة

استخدام الوكلاء هي هذه اللحظة.

 

ثالثًا: استهداف الخليج: أبعاد تتجاوز المعادلة العسكرية

على الرغم من انتشار قواعد أمريكية في عدد من الدول غير العربية المحيطة بإيران، مثل تركيا وأذربيجان وأوزبكستان وتركمانستان، فقد شكّلت دول الخليج العربي الهدف الرئيسي للضربات الإيرانية، سواء المباشرة أو تلك المنفّذة عبر الحلفاء، مع تركيز ملحوظ على المنشآت المدنية والبنى الاقتصادية. ويعكس هذا النمط من الاستهداف منطقًا مركّبًا تتداخل فيه الاعتبارات الاستراتيجية مع عوامل هوياتية داخلية.

1.            أزمة الهوية وعقدة التفوق الحضاري

يكشف الخطاب الإيراني عن نظرة دونية تجاه دول الخليج، بوصفها كيانات حديثة تفتقر إلى العمق الحضاري، في مقابل سردية إيرانية تؤكد الجذور التاريخية والهوية الآرية. غير أن التباين بين هذا الشعور بالتفوق ومستويات الرفاه والاستقرار التي حققتها تلك الدول يولّد حالة من الإحباط البنيوي. وقد انعكست هذه النظرة في المناهج التعليمية والخطاب الثقافي والفكري والإعلامي الإيراني. فعلى سبيل المثال، أشار مرشد إيران الأعلى في أحد اللقاءات إلى ضرورة عدم الإكثار من تكرار عبارة “الله الله” عند تشجيع قارئ القرآن، واعتبر ذلك تقليدًا للعرب،  ما قوبل بالضحك، في دلالة على أن الإشارة إلى تقليد العرب تُستقبل بسخرية، بخلاف ما لو كان الحديث عن تقليد الغرب أو الولايات المتحدة.

2.            إخفاق «إيران 1404» والحسرة من نجاح الخليج

أطلقت القيادة الإيرانية عام 2003 وثيقة «الرؤية الاستراتيجية في أفق 1404 شمسي (2025م)»، التي استهدفت تحويل إيران إلى الدولة الأولى من مختلف الجهات في جنوب غرب آسيا، ونموذجًا ملهمًا للعالم الإسلامي، فضلًا عن كونها لاعبًا مؤثرًا دوليًا. كما تضمنت الوثيقة تصورًا لمجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية والرفاه والأمن، ويعتمد على الإنتاج المعرفي. غير أن الواقع الراهن يُظهر تباينًا واضحًا مع هذه الأهداف، إذ باتت إيران متأخرة عن بعض الدول الخليجية في مؤشرات التنمية، ما وفّر مادة نقدية مستمرة لدى المعارضة، التي تطرح مقارنة مباشرة بين الإمكانات الكبيرة لإيران والنجاحات التي حققتها دول خليجية ذات موارد محدودة نسبيًا. وفي ضوء انتهاء الإطار الزمني للخطة دون تحقيق أهدافها، تميل القيادة الإيرانية، في هذا السياق، إلى تقويض بيئة النجاح الإقليمي بدلًا من مراجعة مسارها التنموي الداخلي.

3.            البعد الشعبوي الداخلي

أعقب الإعلان عن استهداف الإمارات وقطر خروج مظاهر احتفال في عدد من المدن الإيرانية، من بينها مدينة قم، التي تُعد مركزًا دينيًا رئيسيًا. ويؤدي هذا السلوك وظيفتين متداخلتين في الداخل الإيراني؛ إذ يسهم في تعزيز شعبية النظام لدى مؤيديه، بل وحتى لدى بعض منتقديه الذين اتهموه سابقًا بالتقارب مع العرب، كما يساهم في امتصاص جزء من الغضب الشعبي الناتج عن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. ويستند ذلك إلى تصور لدى بعض الفئات بأن دول الخليج تتحمل جانبًا من مسؤولية ما وصلت إليه إيران. وعلى مدى عقود، ظلّ الترقب الشعبي لاحتمال المواجهة مع دول الخليج حاضرًا في الوعي العام، وغالبًا ما كان يُستقبل بترقب مشوب بالبهجة، وهو مؤشر نفسي واجتماعي دالّ على عمق الإشكالية. وقد تجلّى هذا المزاج أيضًا في الخطاب الرسمي وشبه الرسمي، بما في ذلك تعليقات للحرس الثوري حملت طابعًا تهديديًا وساخرًا في آن واحد، إلى جانب شواهد مماثلة على منصاته الإعلامية.

علّقت قناة تلغرام الحرس الثوري على استدعاء الإمارات لسفيرها من طهران وإغلاق السفارة: «إذا كانت الإمارات مستعجلة على عودة سفيرها، فنحن مستعدون لإرساله بأول صاروخ إلى قصر البحر». ومئات الشواهد المشابهة في مختلف منصاتهم خلال هذه الفترة.

4.            دلالات نمط الاستهداف

يُظهر نمط الاستهداف تركيزًا أكبر على المرافق الاقتصادية والمدنية مقارنة بالمنشآت العسكرية، ما يعكس رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى الشعوب الخليجية، ومفادها أن حكوماتها غير قادرة على ضمان أمنها؛ والثانية موجهة إلى الحكومات، وتتمثل في أن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة ينطوي على كلفة مباشرة. وبناءً على ذلك، لا يتمثل الهدف الإيراني في تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل في منع الهزيمة داخليًا، وإعادة تثبيت الردع، وتوزيع كلفة الصراع على الإقليم. ويمكن توصيف هذا النهج بأنه انتقال من المواجهة المباشرة إلى ما يمكن تسميته “الهروب إلى الإقليم”.

5.            “عقدة دبي”

أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أنه حتى يوم 4 أبريل 2026 تم التصدي لنحو 2650 هجومًا عسكريًا إيرانيًا استهدف منشآت حيوية وأهدافًا مدنية في مختلف إمارات الدولة منذ بداية المواجهة.

شاهدنا تركيزًا لافتا على امارة دبي، التي نالت حصة من هذه الهجمات تفوق ما تعرّضت له إسرائيل بعدة اضعاف. ويثير هذا التركيز تساؤلات تتجاوز التفسيرات التقليدية. فوفق طرح المحلل السياسي الايراني، مراد ويسي، لا تمثل دبي هدفًا عسكريًا استراتيجيًا، فالقواعد الأمريكية الأهم في قطر والبحرين وليست في الامارات. كما أن إيران استفادت من دبي اقتصاديًا لسنوات طويلة كمنفذ لتجاوز العقوبات. في المقابل، يبرز البعد السياسي المرتبط بانخراط الإمارات في اتفاقيات إبراهيم، وهو يتعارض مع توجهات طهران. غير أن التفسير الأعمق يتمثل فيما يُسميه ويسي بـ”عقدة دبي“،  أي حالة نفسية مرتبطة بنموذج دبي التنموي، الذي يقوم على الانفتاح والاستقرار والرفاه، وهو ما لم تتمكن إيران من تحقيقه.

تتفاقم هذه الإشكالية مع التفاعل المجتمعي المباشر؛ إذ يقصد الإيرانيون دبي، للعمل والسياحة. حيث يختبرون نمط حياة أكثر انفتاحًا ومرونة مقارنة بالقيود السائدة داخل إيران. ويؤدي هذا الاحتكاك إلى تعميق الفجوة الإدراكية، ويغذّي مشاعر الإحباط تجاه الواقع الداخلي. كما تكشف المقارنة بين النموذجين عن تباين واضح؛ فالإمارات تحافظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية وتتمتع بدرجة عالية من الاندماج في الاقتصاد العالمي، في حين تواجه إيران عزلة سياسية واقتصادية نسبيًا، مع اعتماد محدود على عدد من الشركاء.

منذ عقدين، طرحت إيران ما يُعرف بـ«النموذج الإسلامي–الإيراني للتقدّم»، وأنشأت له مؤسسات وخصّصت له موارد، إلا أن هذا المشروع ظل في معظمه إطارًا نظريًا أكثر منه واقعًا متحققًا. وقد تزامن ذلك مع تراجع مستمر في الأوضاع الداخلية، في وقت أبدت فيه شرائح من المجتمع الإيراني تحفظًا أو رفضًا له. في المقابل، استقطب نموذج دبي اهتمامًا متزايدًا لدى الإيرانيين، وهو ما انعكس أيضًا في بعض تجليات الخطاب الثقافي والفني الفارسي.

في هذا السياق، لا تبدو الهجمات مجرد استجابة عسكرية ظرفية، بل يمكن قراءتها بوصفها محاولة لتقويض صورة دبي كنموذج ناجح، والحدّ من تأثيرها الرمزي الذي يضع السردية الإيرانية أمام تحدٍّ داخلي.

 

رابعًا: الاستنتاجات

  1. توظيف الأزمة للاستهلاك الداخلي: يوفر استهداف الخليج رصيدًا تعبويًا للنظام في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متصاعدة.
  2. منطق تحميل الآخرين الأكلاف: تسعى إيران إلى إدارة التصعيد عبر الوكلاء

لتقليل كلفة المواجهة المباشرة.

  1. إخفاق «إيران 1404»: يعزّز التعثّر التنموي نزعةَ تصفية الحسابات مع بيئة إقليمية ناجحة، ويكشف في الوقت ذاته محدودية «النموذج الإسلامي–الإيراني للتقدّم» مقارنة بالنماذج الخليجية، ولا سيما نموذج دبي، الذي يرى بعض الإيرانيين أن النظام بات يعاني تجاهه حالة أقرب إلى «عقدة» نفسية.
  2. البنية الهوياتية للعداء: تتغذى العلاقة المتوترة مع دول الخليج من سرديات هوية متجذرة، ما يجعلها قابلة للاشتعال حتى في فترات الهدوء.
  3. الردع عبر الضغط الإقليمي: تراهن طهران على أن تهديد مصالح الخليج سيخلق مسار ضغط غير مباشر على واشنطن.

 

خامسًا: التوصيات

على صعيد دول الخليج العربي

  1. إعادة تقييم منظومات الردع وحماية البنى التحتية الحيوية.
  2. التعامل مع الاستهداف بوصفه رسالة استراتيجية ممتدة، لا حادثًا تكتيكيًا.
  3. تكثيف التنسيق الإقليمي والدولي لتقليص هامش الحركة أمام الوكلاء.

على المستوى الإقليمي

  1. تعزيز حماية منشآت الطاقة والمرافق الحيوية.
  2. تنسيق أمني اقلیمي للحد من تحركات الوكلاء.
  3. تكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع انتقال المواجهة إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط.

على صعيد الفاعلين الدوليين

  1. إدراج العوامل الهوياتية الداخلية في تحليل السلوك الإيراني.
  2. الضغط لمنع استهداف المرافق المدنية.
  3. الفصل بين المواجهة الأمريكية–الإيرانية وأمن الممرات التجارية العالمية.

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

استهداف النموذج: اسباب الهجوم الايراني على البنية الخليجية

هاجمت إيران دول الخليج العربي لتوسيع ساحة الحرب، وإرباك واشنطن، ورفع الكلفة، وتعويض ضعفها الداخلي أمام نجاح النموذج الخليجي المقلق لها داخليًا

 

ملخص تنفيذي

ترصد هذه الورقة تحوّل التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران من مسار تفاوضي متعثر إلى صراع عسكري مفتوح ذي امتدادات إقليمية، وتخلص إلى أن توسيع الحرب كان خيارًا استراتيجيًا مُعدًّا مسبقًا، جرى تمهيده بخطاب رسمي يدفع نحو إشراك الحلفاء وتحويل المواجهة إلى ساحة متعددة الجبهات.

تعتمد طهران في ذلك نمط “الهروب إلى الإقليم”، عبر توظيف الوكلاء واستهداف البنية التحتية الحيوية في دول الخليج العربي، بهدف تشتيت الجهد الأمريكي، ورفع كلفة الحرب، وتفادي المسؤولية المباشرة. ولا يرتبط اختيار الخليج باعتبارات عسكرية فقط، بل بعوامل أعمق تتداخل فيها الحسابات الاستراتيجية مع أبعاد هوياتية ونفسية داخلية.

وتشير الورقة إلى أن هذا السلوك يعكس أزمة داخلية مركّبة، تتجلى في فجوة بين سردية التفوق والواقع التنموي، وإخفاق مشروع “إيران 1404″، إلى جانب ما يُسمى بـ”عقدة دبي”، حيث يتحول النموذج الخليجي إلى ضغط رمزي على الداخل الإيراني. كما يُستخدم التصعيد الخارجي أداةً لإعادة إنتاج الشرعية وامتصاص التوتر الداخلي.

وتخلص الورقة إلى أن الهدف الإيراني لا يتمثل في تحقيق نصر عسكري مباشر، بل في منع الهزيمة، وإعادة تثبيت الردع، وتوزيع كلفة الصراع إقليميًا، مع بقاء البعد الهوياتي عاملًا حاسمًا في تفسير هذا السلوك واستمراريته.

 

أولًا: سياق المواجهة: من المفاوضات إلى الحرب

أعقبت التهديدات المتصاعدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشنّ هجوم مباشر على إيران، في حال فشل المسار الدبلوماسي، جولاتٌ تفاوضية متكررة لم تُفضِ إلى تقدم ملموس في أيّ من الملفات التي أصرّت عليها واشنطن. وفي ظل هذا الانسداد، انطلقت العمليات العسكرية الأمريكية.

وقبيل اندلاع الحرب بأيام، أعلن مرشد إيران الأعلى، في خطاب متلفز، أن أي مواجهة مقبلة لن تبقى محدودة، بل ستتحول إلى حرب إقليمية شاملة. وقد استقبل الحضور هذا التصريح بفرحٍ لافت وغير مألوف في مثل هذه الحشود، إذ جرى الاحتفاء به بالتصفيق والصفير بدلًا من الشعارات الثورية والدينية المعتادة.

وشكّل هذا التصريح تمهيدًا سياسيًا ونفسيًا لتوسيع نطاق الصراع. كما نشر الموقع الرسمي للمرشد مقالًا يوجّه القوى الموالية لإيران في الإقليم إلى الاستعداد للمشاركة الكاملة في حال اندلاع جولة جديدة، مشيرًا إلى أنه في المرة السابقة لم يُطلب منهم التدخل، أما هذه المرة فيُطلب منهم أن يفعلوا ما بوسعهم. في إشارة واضحة إلى أن استدعاء الوكلاء كان خيارًا محسوبًا سلفًا، لا ردّ فعلٍ اضطراريًا.

 

ثانيًا: تحريك القوى النيابية: الخلفية السياسية والعقائدية

يؤشر إعلان القيادة الإيرانية أن المواجهة ستتحول إلى حرب إقليمية على أن توسيع ساحة الصراع كان جزءًا من استراتيجية قائمة على نقل المعركة من الداخل الإيراني إلى المحيط الجغرافي.

تدرك إيران جيدًا بأن أذرعها لا تملك القدرة على إلحاق ضرر مباشر بالولايات المتحدة أو إسرائيل، لكنها قادرة على: استهداف البنية التحتية الحيوية لدول الجوار، ضرب الاقتصاد النفطي وإحداث فوضى أمنية واسعة النطاق.

وبذلك تخدم هذه العمليات ثلاثة أهداف رئيسية:

  1. تشتيت الجهد العسكري الأمريكي عبر توسيع الجغرافيا العملياتية.
  2. رفع كلفة الحرب إقليميًا: تراهن إيران على أن يدفع استهداف دول الخليج هذه الدول إلى ممارسة ضغط على واشنطن لوقف العمليات، استنادًا إلى تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية بين الجانبين.
  3. تجنب المسؤولية المباشرة عبر العمل بالوكالة: تدرك طهران أن أي دمار واسع قد يُحمّلها تبعات سياسية وقانونية. لذا تسعى إلى تنفيذ العمليات عبر جماعات حليفة، مع الاحتفاظ بهامش إنكار مسؤوليتها المباشرة.

كما تنظر القيادة الإيرانية إلى المواجهة باعتبارها صراعًا وجوديًا؛ ومن ثم ترى أن لحظة

استخدام الوكلاء هي هذه اللحظة.

 

ثالثًا: استهداف الخليج: أبعاد تتجاوز المعادلة العسكرية

على الرغم من انتشار قواعد أمريكية في عدد من الدول غير العربية المحيطة بإيران، مثل تركيا وأذربيجان وأوزبكستان وتركمانستان، فقد شكّلت دول الخليج العربي الهدف الرئيسي للضربات الإيرانية، سواء المباشرة أو تلك المنفّذة عبر الحلفاء، مع تركيز ملحوظ على المنشآت المدنية والبنى الاقتصادية. ويعكس هذا النمط من الاستهداف منطقًا مركّبًا تتداخل فيه الاعتبارات الاستراتيجية مع عوامل هوياتية داخلية.

1.            أزمة الهوية وعقدة التفوق الحضاري

يكشف الخطاب الإيراني عن نظرة دونية تجاه دول الخليج، بوصفها كيانات حديثة تفتقر إلى العمق الحضاري، في مقابل سردية إيرانية تؤكد الجذور التاريخية والهوية الآرية. غير أن التباين بين هذا الشعور بالتفوق ومستويات الرفاه والاستقرار التي حققتها تلك الدول يولّد حالة من الإحباط البنيوي. وقد انعكست هذه النظرة في المناهج التعليمية والخطاب الثقافي والفكري والإعلامي الإيراني. فعلى سبيل المثال، أشار مرشد إيران الأعلى في أحد اللقاءات إلى ضرورة عدم الإكثار من تكرار عبارة “الله الله” عند تشجيع قارئ القرآن، واعتبر ذلك تقليدًا للعرب،  ما قوبل بالضحك، في دلالة على أن الإشارة إلى تقليد العرب تُستقبل بسخرية، بخلاف ما لو كان الحديث عن تقليد الغرب أو الولايات المتحدة.

2.            إخفاق «إيران 1404» والحسرة من نجاح الخليج

أطلقت القيادة الإيرانية عام 2003 وثيقة «الرؤية الاستراتيجية في أفق 1404 شمسي (2025م)»، التي استهدفت تحويل إيران إلى الدولة الأولى من مختلف الجهات في جنوب غرب آسيا، ونموذجًا ملهمًا للعالم الإسلامي، فضلًا عن كونها لاعبًا مؤثرًا دوليًا. كما تضمنت الوثيقة تصورًا لمجتمع يقوم على العدالة الاجتماعية والرفاه والأمن، ويعتمد على الإنتاج المعرفي. غير أن الواقع الراهن يُظهر تباينًا واضحًا مع هذه الأهداف، إذ باتت إيران متأخرة عن بعض الدول الخليجية في مؤشرات التنمية، ما وفّر مادة نقدية مستمرة لدى المعارضة، التي تطرح مقارنة مباشرة بين الإمكانات الكبيرة لإيران والنجاحات التي حققتها دول خليجية ذات موارد محدودة نسبيًا. وفي ضوء انتهاء الإطار الزمني للخطة دون تحقيق أهدافها، تميل القيادة الإيرانية، في هذا السياق، إلى تقويض بيئة النجاح الإقليمي بدلًا من مراجعة مسارها التنموي الداخلي.

3.            البعد الشعبوي الداخلي

أعقب الإعلان عن استهداف الإمارات وقطر خروج مظاهر احتفال في عدد من المدن الإيرانية، من بينها مدينة قم، التي تُعد مركزًا دينيًا رئيسيًا. ويؤدي هذا السلوك وظيفتين متداخلتين في الداخل الإيراني؛ إذ يسهم في تعزيز شعبية النظام لدى مؤيديه، بل وحتى لدى بعض منتقديه الذين اتهموه سابقًا بالتقارب مع العرب، كما يساهم في امتصاص جزء من الغضب الشعبي الناتج عن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. ويستند ذلك إلى تصور لدى بعض الفئات بأن دول الخليج تتحمل جانبًا من مسؤولية ما وصلت إليه إيران. وعلى مدى عقود، ظلّ الترقب الشعبي لاحتمال المواجهة مع دول الخليج حاضرًا في الوعي العام، وغالبًا ما كان يُستقبل بترقب مشوب بالبهجة، وهو مؤشر نفسي واجتماعي دالّ على عمق الإشكالية. وقد تجلّى هذا المزاج أيضًا في الخطاب الرسمي وشبه الرسمي، بما في ذلك تعليقات للحرس الثوري حملت طابعًا تهديديًا وساخرًا في آن واحد، إلى جانب شواهد مماثلة على منصاته الإعلامية.

علّقت قناة تلغرام الحرس الثوري على استدعاء الإمارات لسفيرها من طهران وإغلاق السفارة: «إذا كانت الإمارات مستعجلة على عودة سفيرها، فنحن مستعدون لإرساله بأول صاروخ إلى قصر البحر». ومئات الشواهد المشابهة في مختلف منصاتهم خلال هذه الفترة.

4.            دلالات نمط الاستهداف

يُظهر نمط الاستهداف تركيزًا أكبر على المرافق الاقتصادية والمدنية مقارنة بالمنشآت العسكرية، ما يعكس رسالة مزدوجة: الأولى موجهة إلى الشعوب الخليجية، ومفادها أن حكوماتها غير قادرة على ضمان أمنها؛ والثانية موجهة إلى الحكومات، وتتمثل في أن تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة ينطوي على كلفة مباشرة. وبناءً على ذلك، لا يتمثل الهدف الإيراني في تحقيق انتصار عسكري مباشر، بل في منع الهزيمة داخليًا، وإعادة تثبيت الردع، وتوزيع كلفة الصراع على الإقليم. ويمكن توصيف هذا النهج بأنه انتقال من المواجهة المباشرة إلى ما يمكن تسميته “الهروب إلى الإقليم”.

5.            “عقدة دبي”

أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أنه حتى يوم 4 أبريل 2026 تم التصدي لنحو 2650 هجومًا عسكريًا إيرانيًا استهدف منشآت حيوية وأهدافًا مدنية في مختلف إمارات الدولة منذ بداية المواجهة.

شاهدنا تركيزًا لافتا على امارة دبي، التي نالت حصة من هذه الهجمات تفوق ما تعرّضت له إسرائيل بعدة اضعاف. ويثير هذا التركيز تساؤلات تتجاوز التفسيرات التقليدية. فوفق طرح المحلل السياسي الايراني، مراد ويسي، لا تمثل دبي هدفًا عسكريًا استراتيجيًا، فالقواعد الأمريكية الأهم في قطر والبحرين وليست في الامارات. كما أن إيران استفادت من دبي اقتصاديًا لسنوات طويلة كمنفذ لتجاوز العقوبات. في المقابل، يبرز البعد السياسي المرتبط بانخراط الإمارات في اتفاقيات إبراهيم، وهو يتعارض مع توجهات طهران. غير أن التفسير الأعمق يتمثل فيما يُسميه ويسي بـ”عقدة دبي“،  أي حالة نفسية مرتبطة بنموذج دبي التنموي، الذي يقوم على الانفتاح والاستقرار والرفاه، وهو ما لم تتمكن إيران من تحقيقه.

تتفاقم هذه الإشكالية مع التفاعل المجتمعي المباشر؛ إذ يقصد الإيرانيون دبي، للعمل والسياحة. حيث يختبرون نمط حياة أكثر انفتاحًا ومرونة مقارنة بالقيود السائدة داخل إيران. ويؤدي هذا الاحتكاك إلى تعميق الفجوة الإدراكية، ويغذّي مشاعر الإحباط تجاه الواقع الداخلي. كما تكشف المقارنة بين النموذجين عن تباين واضح؛ فالإمارات تحافظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية وتتمتع بدرجة عالية من الاندماج في الاقتصاد العالمي، في حين تواجه إيران عزلة سياسية واقتصادية نسبيًا، مع اعتماد محدود على عدد من الشركاء.

منذ عقدين، طرحت إيران ما يُعرف بـ«النموذج الإسلامي–الإيراني للتقدّم»، وأنشأت له مؤسسات وخصّصت له موارد، إلا أن هذا المشروع ظل في معظمه إطارًا نظريًا أكثر منه واقعًا متحققًا. وقد تزامن ذلك مع تراجع مستمر في الأوضاع الداخلية، في وقت أبدت فيه شرائح من المجتمع الإيراني تحفظًا أو رفضًا له. في المقابل، استقطب نموذج دبي اهتمامًا متزايدًا لدى الإيرانيين، وهو ما انعكس أيضًا في بعض تجليات الخطاب الثقافي والفني الفارسي.

في هذا السياق، لا تبدو الهجمات مجرد استجابة عسكرية ظرفية، بل يمكن قراءتها بوصفها محاولة لتقويض صورة دبي كنموذج ناجح، والحدّ من تأثيرها الرمزي الذي يضع السردية الإيرانية أمام تحدٍّ داخلي.

 

رابعًا: الاستنتاجات

  1. توظيف الأزمة للاستهلاك الداخلي: يوفر استهداف الخليج رصيدًا تعبويًا للنظام في ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية متصاعدة.
  2. منطق تحميل الآخرين الأكلاف: تسعى إيران إلى إدارة التصعيد عبر الوكلاء

لتقليل كلفة المواجهة المباشرة.

  1. إخفاق «إيران 1404»: يعزّز التعثّر التنموي نزعةَ تصفية الحسابات مع بيئة إقليمية ناجحة، ويكشف في الوقت ذاته محدودية «النموذج الإسلامي–الإيراني للتقدّم» مقارنة بالنماذج الخليجية، ولا سيما نموذج دبي، الذي يرى بعض الإيرانيين أن النظام بات يعاني تجاهه حالة أقرب إلى «عقدة» نفسية.
  2. البنية الهوياتية للعداء: تتغذى العلاقة المتوترة مع دول الخليج من سرديات هوية متجذرة، ما يجعلها قابلة للاشتعال حتى في فترات الهدوء.
  3. الردع عبر الضغط الإقليمي: تراهن طهران على أن تهديد مصالح الخليج سيخلق مسار ضغط غير مباشر على واشنطن.

 

خامسًا: التوصيات

على صعيد دول الخليج العربي

  1. إعادة تقييم منظومات الردع وحماية البنى التحتية الحيوية.
  2. التعامل مع الاستهداف بوصفه رسالة استراتيجية ممتدة، لا حادثًا تكتيكيًا.
  3. تكثيف التنسيق الإقليمي والدولي لتقليص هامش الحركة أمام الوكلاء.

على المستوى الإقليمي

  1. تعزيز حماية منشآت الطاقة والمرافق الحيوية.
  2. تنسيق أمني اقلیمي للحد من تحركات الوكلاء.
  3. تكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع انتقال المواجهة إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط.

على صعيد الفاعلين الدوليين

  1. إدراج العوامل الهوياتية الداخلية في تحليل السلوك الإيراني.
  2. الضغط لمنع استهداف المرافق المدنية.
  3. الفصل بين المواجهة الأمريكية–الإيرانية وأمن الممرات التجارية العالمية.

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025