سيادة منقوصة: العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة

لا تستعيد الدولة سيادتها إلا بتفكيك ازدواجية السلاح، ودمج المقاتلين ضمن مؤسساتها بعيدًا عن الولاءات العابرة للحدود والحسابات الفصائلية

 

مدخل

في كانون الأول/ديسمبر 2017، أعلنت الحكومة العراقية النصر الكامل على تنظيم «الدولة الإسلامية»/داعش.[1] وكان يُفترض، بمنطق الدولة، أن تفتح تلك اللحظة باب الخروج التدريجي من الترتيبات الأمنية الاستثنائية التي فرضتها الحرب، وفي مقدمتها هيئة الحشد الشعبي، التي تشكّلت عام 2014 في سياق فتوى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني بوجوب الدفاع الكفائي عن العراق.[2]

لكن المسار اللاحق اتخذ اتجاهًا مختلفًا. فالفتوى، التي كان مقصدها الأصلي إسناد القوات الأمنية الرسمية والدفاع عن البلاد، تحوّلت إلى غطاء تعبوي واسع لقيام بنية عسكرية تتمتع بهامش استقلال نسبي عن المؤسسة العسكرية التقليدية. وفي تلك اللحظة، استثمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك نوري المالكي حالة الانهيار الأمني، فجرى تشكيل كيان عسكري خاص من دون إطار تشريعي واضح، جمع بين متطوعين عراقيين حملوا السلاح دفاعًا عن وطنهم، وجماعات مسلحة كانت قائمة قبل داعش، ولها ارتباطات سياسية وأيديولوجية وإقليمية معروفة.

بعد نحو ثماني سنوات من إعلان النصر، بدا المشهد معكوسًا. فبدل أن تتراجع الحاجة إلى هذا الترتيب العسكري الاستثنائي، تضخم الحشد الشعبي عددًا وميزانية ونفوذًا. فبعدما كان عدد المتطوعين في الأشهر الأولى التي تلت سقوط الموصل عام 2014 يُقدّر بنحو ستين ألفًا، وصل عدد المنتسبين إلى 238,075 وفق أرقام الموازنة الاتحادية لعام 2024، مع تخصيص سنوي يقارب ثلاثة مليارات دولار، بحسب ما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط» في تموز/يوليو 2024.[3] غير أن الأهم من الرقم نفسه أن هذا التضخم حدث بعد انتهاء المعركة الكبرى مع داعش، لا في ذروتها، بما يعني أن المسألة لم تعد ضرورة عسكرية عابرة، بل تحولت إلى بنية سلطوية واقتصادية راسخة داخل جسم الدولة.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الخلل البنيوي لا يكمن في وجود الحشد بوصفه مؤسسة رسمية فحسب، بل في ما يمكن تسميته «السيادة المنقوصة»: دولة واحدة بقرارين أمنيين، وقيادة عامة رسمية تتعايش مع مرجعيات فصائلية موازية لبعض

التشكيلات المؤطرة قانونيًا داخل الدولة.

من هذه الزاوية، لا يبدو السؤال المنتج هو: هل يُحلّ الحشد أم يبقى؟ فهذا سؤال ثنائي مستهلك، ولا ينتج سياسة قابلة للتطبيق. السؤال الأهم هو: كيف يمكن إعادة إدماج هذه القوة في منظومة الدولة، على نحو يحافظ على الاستقرار الاجتماعي، ويعيد توحيد القرار السيادي، ويمنع في الوقت نفسه انفجارًا شيعيًا–شيعيًا داخليًا؟

 

أولًا: المشكلة: تشكيل رسمي بولاءات مزدوجة

تنص المادة الأولى من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 على أن الحشد «تشكيل عسكري مستقل وجزء من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة».[4] لكن ما حدث هو أن بعض الإلوية الى جانب الارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة، احتفظت بولاءات تنظيمية وسياسية خارج التسلسل العسكري الرسمي. لا سيما تلك التي تعود جذورها إلى فصائل مسلحة سابقة، مثل عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب الإمام علي. ويرتبط بعضها استراتيجيًا وعسكريًا بفيلق القدس الإيراني، كما وثقت دراسات عديدة، من بينها دراسة ريناد منصور وفالح عبد الجبار الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط عام 2017.[5]

هذه الازدواجية تمثّل جوهر المشكلة: حشد يتبع الدولة قانونيًا، بينما تتبع بعض فصائله محورًا إقليميًا عمليًا. ولا يعني ذلك أن جميع تشكيلات الحشد متشابهة، أو أن كل منتسبيه جزء من مشروع خارجي، بل إن البنية العامة سمحت بوجود مستويات متداخلة من الولاء والقرار والتمويل والسلاح.

من هنا، لا تعود «السيادة المنقوصة» مفهومًا نظريًا مجردًا، بل تظهر عند كل اختبار أمني حقيقي. فالهجمات بالطائرات المسيّرة على حقول النفط في إقليم كردستان منتصف عام 2025، وما أثارته من أسئلة حول قدرة الدولة على تسمية الفاعلين أو محاسبتهم، كشفت هشاشة القرار الأمني حين تتداخل الحسابات الداخلية بالإقليمية.[6] فالمشكلة ليست في وقوع الهجوم فقط، بل في عجز الدولة، أو ترددها، عن التعامل معه بوصفه ملفًا سياديًا واضحًا.

 

ثانيًا: كلفة السيادة المنقوصة

لا تقف كلفة السيادة المنقوصة عند حدود الأمن المباشر، بل تمتد إلى مستويات قانونية واقتصادية واجتماعية وإقليمية متداخلة. فالمشكلة لا تتعلق بوجود تشكيل مسلح داخل الدولة فحسب، بل بما أنتجه هذا الوجود من التباس في القانون، وتضخم في الموارد، وولاءات متداخلة، وبيئة اجتماعية واقتصادية يصعب تفكيكها بقرار سريع.

قانونيًا، ينطوي الإطار الناظم للحشد على تناقض واضح. فالمادة 9/أولًا/ب من الدستور العراقي تنص على أنه «يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة».[7] لكن قانون هيئة الحشد الشعبي منح الحشد وضعًا «مستقلًا» داخل القوات المسلحة. وبدل أن تنهي هذه الصيغة الكيانات الفصائلية، أتاحت إعادة إنتاجها تحت غطاء رسمي.

وقد حاولت قوى الإطار التنسيقي عام 2025 تمرير تعديل جوهري لقانون الحشد، يتجه إلى ترسيخ الاستقلالية التنظيمية والمالية للهيئة، بل وفتح الباب أمام الحديث عن أكاديمية عسكرية موازية. غير أن المشروع واجه اعتراضات داخلية وخارجية، من بينها ضغط أمريكي مباشر. ففي 22 تموز/يوليو 2025، حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في اتصال مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، من أن القانون قد يؤسس لنفوذ إيراني أوسع ولجماعات مسلحة تقوّض سيادة العراق.[8] وليست المشكلة، هنا، في وجود قانون للحشد بحد ذاته، بل في وظيفة هذا القانون: هل يكون أداة لإدماج الحشد في الدولة، أم غطاءً لترسيخ دولة داخل الدولة؟

اقتصاديًا، تنتج الفصائل المسلحة بيئة اقتصاد سياسي قائمة على ريع السلاح والنفوذ. فالسيطرة على بعض المنافذ، والتدخل في الإحالات والمقاولات، ووجود شركات واجهة، وضعف المساءلة القضائية، كلها عوامل تحوّل السلاح من أداة دفاع إلى مورد سلطة ونفوذ.[9] وقد أنتجت هيئة الحشد، أو بعض القوى المرتبطة بها، أذرعًا اقتصادية موازية قريبة في نمطها من تجربة الحرس الثوري الإيراني: مديريات هندسية، وشركات مقاولات، وشبكات إعلام، ومصالح اقتصادية متداخلة. وقد رصد الباحث الراحل هشام الهاشمي جانبًا من هذا التحول في ورقته عن الخلاف الداخلي داخل هيئة الحشد الشعبي.[10]

وتتضح الكلفة الاقتصادية أيضًا في تضخم عدد المنتسبين والموارد المخصصة لهم. فالأرقام تشير إلى أكثر من 238 ألف منتسب، ونحو ثلاثة مليارات دولار سنويًا، فضلًا عن تكاليف الغذاء والتسليح والإنفاق الجانبي، بما يضع الحشد بين أكثر المؤسسات استهلاكًا للموارد العامة، في بلد يعاني أصلًا من ضعف الخدمات، وتضخم الرواتب، وغياب التنمية المنتجة.[11] وقد أشار النائب السابق المستقل سجاد سالم إلى أن عدد المنتسبين قفز من نحو مئة ألف عام 2021 إلى 236 ألفًا عام 2023، مع إثارة تساؤلات حول وجود أسماء وهمية تُصرف لها رواتب.[12] وهذا يعيد إلى الذاكرة تجربة «الجنود الفضائيين» التي تحدث عنها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي بعد سقوط الموصل، حين كشف وجود عشرات آلاف الأسماء الوهمية داخل المؤسسة العسكرية. والخطر هنا أن يتكرر الخطأ نفسه داخل مؤسسة أخرى وبعنوان مختلف.

اجتماعيًا، يبقى هذا البعد هو الأقل حضورًا في النقاش العام، مع أنه ربما يكون الأكثر حساسية. فجزء واسع من مقاتلي الفصائل وقواعدها الاجتماعية ينتمي إلى بيئات شيعية مهمّشة جغرافيًا واجتماعيًا، خصوصًا في الجنوب والأهوار والمدن الطرفية. وقد عاشت هذه البيئات عقودًا من الإهمال؛ أولًا في ظل دولة مركزية قاسية، ثم في ظل نظام ريعي بعد 2003 لم ينجح في تحويل التمثيل السياسي الشيعي إلى عدالة اجتماعية ملموسة.

يشير الباحث حارث حسن إلى أن كثيرًا من قادة الفصائل ومقاتليها خرجوا من هذه البيئات الهامشية، وأن الحشد والفصائل مثّلا بالنسبة إليهم أداة صعود اجتماعي ورمزي، لا مجرد إطار عسكري.[13] لذلك، فإن دعوات «حلّ الحشد» حين تُطرح بلغة إقصائية أو انتقامية، تُقرأ داخل هذه البيئات بوصفها عودة إلى منطق التهميش القديم، حتى لدى أشخاص لا يؤيدون سلوك الفصائل. ومن هنا، فإن أي مقاربة تتجاهل هذه الحمولة الاجتماعية تبقى محكومة بالفشل. لا يكفي أن تطالب الدولة باحتكار السلاح؛ بل عليها أن تقدم بديلًا اجتماعيًا واقتصاديًا لمن جرى إدخالهم، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، في اقتصاد السلاح.

إقليميًا، تجعل هذه الازدواجية العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين أطراف لا يتحكم العراق بقرارها.[14] وقد ظهر ذلك بوضوح في جولات التصعيد الإيراني–الإسرائيلي والأمريكي من عام 2024 إلى اليوم، حيث يصبح وجود قوى مسلحة مرتبطة بمحاور خارجية عامل تهديد دائم لقدرة الدولة على ضبط قرارها الأمني ومنع استخدام أراضيها في صراعات الآخرين.

بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع الحشد بوصفه ملفًا أمنيًا فقط. فهو في صورته الراهنة ملف قانوني واقتصادي واجتماعي وإقليمي في آن واحد، وأي معالجة تختزله في جانب واحد

ستعيد إنتاج المشكلة بدل حلها.

 

ثالثًا: المقاربات السائدة وحدودها

يمكن تلخيص المقاربات السائدة تجاه الحشد والفصائل في أربع مقاربات رئيسية، لكل واحدة منها منطقها الخاص وحدودها العملية.

  1. مقاربة الإبقاء والشرعنة

تمثل الحكومة العراقية هذه المقاربة في كثير من الأحيان. فهي تؤكد أن الحشد مؤسسة عسكرية عراقية رسمية، تعمل ضمن صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة، كما ورد في موقف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ردًا على الاعتراضات الأمريكية.[15]

تعترف هذه المقاربة بالواقع، لكنها لا تعالجه. فهي تمنح الحشد شرعية رسمية، من دون أن تفكك ازدواجية القيادة والولاء. وبذلك تتحول «الشرعنة» أحيانًا إلى تغليف قانوني لمشكلة قائمة، لا إلى حل فعلي لها.

  1. مقاربة الضغط الخارجي

تتبنى الولايات المتحدة هذه المقاربة منذ سنوات، وقد تصاعدت بعد عودة إدارة ترامب الثانية إلى السلطة. فقد اتجهت واشنطن إلى تصنيف عدد من الفصائل العراقية المرتبطة بإيران ضمن قوائم الإرهاب، ومارست ضغوطًا على بغداد لتقييد نفوذها.[16]

مشكلة هذه المقاربة أنها تنقل ملف احتكار الدولة للسلاح من كونه قضية عراقية داخلية إلى معركة بين «المقاومة» و«التدخل الأجنبي». وهذا يمنح الفصائل فرصة لإعادة إنتاج شرعيتها الخطابية، حتى عندما تكون في موقع المخالف لمنطق الدولة.

  1. مقاربة الحل الجذري

يمثل هذه المقاربة عدد من الكتاب والسياسيين الذين يرون أن حل الحشد الشعبي أصبح أولوية وطنية، لأنه يخالف الدستور ويخضع، في جزء منه، لإيديولوجية ولاية الفقيه. ومن هؤلاء ضياء الشكرجي، الذي دعا صراحة إلى حل الحشد بوصفه مطلبًا وطنيًا.[17]

تمتلك هذه المقاربة قوة أخلاقية وقانونية؛ إذ تنطلق من مبدأ واضح: لا دولة مع تعدد السلاح. لكنها تعاني ضعفًا سياسيًا وعمليًا، لأنها لا تقدم جوابًا كافيًا عن مصير عشرات الآلاف من المنتسبين، ولا عن كيفية منع الانفجار الاجتماعي أو الفصائلي عند اتخاذ قرار

صدامي شامل.

أصبحت هذه الجماعات جزءًا من بنية الدولة، من البرلمان إلى المناصب التنفيذية. لذلك، فإن عدم مواجهتها ليس عجزًا أمنيًا فقط، بل قرار سياسي أيضًا. فالدولة تتجنب الصدام معها حفاظًا على وحدة الكتلة السياسية الشيعية، وما يُسمّى «حق الشيعة في الحكم». ومن هذه الزاوية، تبدو مطالبة الحكومة بتفكيكها أشبه بمطالبتها بتفكيك جزء من نفسها.[18]

يزداد هذا التعقيد مع حقيقة أن نصف اعضاء ائتلاف «الإعمار والتنمية» التابع لرئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني منهم. ولذلك فإن حلّ هذه الفصائل، أو الذهاب إلى مواجهة مباشرة معها، يعني عمليًا أن يضرب السوداني ائتلافه الذي خاض به الانتخابات وحقق عبره مكاسبه السياسية.

وتتضاعف حساسية الملف لأن هذه الفصائل أثبتت في أكثر من محطة أنها لا تتردد في استخدام العنف ضد العراقيين، حتى داخل البيئة الشيعية نفسها. وقد ظهر ذلك بوضوح في قمع انتفاضة تشرين، التي طالبت بإسترداد الوطن، ثم في أحداث المنطقة الخضراء بعد انتخابات 2021، حين تحصّن أتباع التيار الصدري داخلها، فضلًا عن محطات أخرى كشفت استعداد هذه القوى لاستخدام السلاح في إدارة الخلاف السياسي.

إلى جانب ذلك، يدرك أي سياسي شيعي أن الموافقة على قرار جذري من هذا النوع قد تعني نهاية مستقبله السياسي. فإيران لن تتعامل مع تفكيك الفصائل بوصفه إجراءً إداريًا أو إصلاحيًا، بل بوصفه مساسًا بأحد أهم أذرع نفوذها في العراق.

لهذا على الرغم من كون فتوى السيستاني لم تكن دعوة إلى تشكيل ميليشيات خارج إطار الدولة، بل إلى الدفاع عن البلد والانخراط في القوات الأمنية الرسمية، كما ورد في خطبة الجمعة في 20 حزيران/يونيو 2014.[19] وقد طالبت مرات عديدة بضرورة حصر السلاح بيد الدولة.[20] ومع ذلك، لم تذهب المرجعية إلى المطالبة بحل الحشد دفعة واحدة، إدراكًا منها أن الواقع الذي نشأ بعد الحرب صار أكثر تعقيدًا من لحظة الفتوى نفسها.

  1. مقاربة الاحتواء السياسي

هذه مقاربة غير معلنة غالبًا، لكنها حاضرة بقوة في سلوك النظام السياسي العراقي. تقوم على السماح للفصائل بالدخول في البرلمان والحكومة والاقتصاد، مع الرهان على أن الدولة ستحتويها تدريجيًا. غير أن التجربة أظهرت أن الاحتواء من دون شروط واضحة يؤدي غالبًا إلى نتيجة عكسية: فبدل أن تبتلع الدولة الفصائل، تبتلع الفصائل الدولة جزء تلو الآخر.

 

رابعًا: السيادة المرنة بوصفها مقاربة واقعية

المقاربة البديلة التي تقترحها هذه الورقة هي «السيادة المرنة». وهي لا تعني التنازل عن السيادة، ولا الاعتراف الدائم بازدواجية السلاح، بل استعادة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني عبر مسار تدريجي، مشروط، وقابل للتنفيذ.

تقوم هذه المقاربة على ثلاث ركائز أساسية: فهم التحول الجاري داخل البيئة الفصائلية، والتمييز بين مكونات الحشد المختلفة، وربط نزع السلاح بضمانات أمنية واجتماعية.

أولًا، هناك تحول خطابي لا يمكن تجاهله منذ أواخر عام 2025. فقد أعلن قادة فصائل بارزة، مثل قيس الخزعلي، وشبل الزيدي، وحيدر الغراوي، وكاظم الفرطوسي، قبولهم العلني بشعار «حصر السلاح بيد الدولة».[21] كما صرّح رئيس مجلس القضاء الأعلى، في 20 كانون الأول/ديسمبر 2025، بأن قادة الفصائل استجابوا لنصيحته بالانتقال إلى العمل السياسي بعد انتفاء الحاجة الوطنية للعمل العسكري.[22]

لا ينبغي قراءة هذا التحول بسذاجة. فهو لا يعني أن الفصائل نزعت سلاحها فعلًا، أو تخلت عن بنيتها التنظيمية، وما شهدناه من بعضهم في الاشهر الاخيرة خير دليل على ذلك. لكنه يفتح نافذة سياسية يمكن استثمارها. فالسياسة الواقعية تبدأ أحيانًا من تحويل الشعار المعلن إلى التزام قانوني، ثم إلى آليات تنفيذية قابلة للقياس.

ثانيًا، لا يوجد حشد واحد. فداخل الحشد ثلاثة تيارات كبرى: تيار ولائي مرتبط بولاية الفقيه الإيرانية، وتيار مرتبط بمرجعية النجف، وتيار متصل بالتيار الصدري. وأي سياسة تتعامل مع هذه التيارات بوصفها كتلة واحدة ستنتهي إلى الفشل.

فألوية العتبات الأربعة، وهي فرقة الإمام علي القتالية (غير كتائب الإمام علي من الفصائل الولائية)، وفرقة العباس القتالية، ولواء علي الأكبر، ولواء أنصار المرجعية، أعلنت منذ عام 2020 توجهًا واضحًا نحو الابتعاد عن العمل السياسي والتموضع تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة.[23]

ثالثًا، لا يمكن إقناع الفصائل بنزع سلاحها إذا قُدّم بوصفه استسلامًا أو إهانة. فالواقعية السياسية تقتضي بناء معادلة واضحة: تنازل مقابل ضمان. تنازل عن السلاح المستقل، مقابل ضمانات اندماج وظيفي واقتصادي للمقاتلين، وضمانات أمنية للمناطق التي خرجوا منها، وضمانات سياسية تمنع الانتقام أو الإقصاء.

هذا هو جوهر «السيادة المرنة»: لا تقديس للحشد، ولا تصفية فورية له؛ بل إعادة تعريف دوره تدريجيًا داخل الدولة، مع فصل السلاح عن السياسة، والولاء الوطني عن الولاءات العابرة للحدود.

 

خامسًا: خارطة طريق عملية

أكبر مشكلة تواجه أي حل اليوم هي أن الحكومات العراقية المتعاقبة تأخرت طويلًا في معالجة هذا الملف، حتى تفاقمت الأزمة وفتحت الباب أمام تدخل أمريكي مباشر في محاولة لإدارتها. وكلما بدا الإصلاح استجابة لإملاء خارجي، خسر جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية. لذلك، لم يعد أمام الحكومة العراقية سوى استعادة زمام المبادرة، عبر الإسراع في اتخاذ الخطوات الآتية:

  1. إصلاح تشريعي بلا التباس

ينبغي تمرير تعديل واضح لقانون هيئة الحشد الشعبي ينهي التناقض في صيغة «تشكيل مستقل وجزء من القوات المسلحة»، ويجعل القيادة والتسلسل والانضباط والقرار العسكري بيد القائد العام للقوات المسلحة حصرًا، مع حظر الجمع بين القيادة العسكرية والعمل الحزبي.

.2فصل السياسي عن العسكري

ينبغي اعتماد قاعدة واضحة: من يدخل السياسة يخرج من السلاح، ومن يحتفظ بالسلاح لا يدخل البرلمان ولا الحكومة. فالمشكلة ليست في انتقال بعض قادة الفصائل إلى السياسة، بل في الجمع بين المقعد النيابي والسلاح والمال والنفوذ الأمني.[24]

  1. تدقيق مالي ووظيفي مستقل

ينبغي تكليف ديوان الرقابة المالية بمراجعة قوائم الرواتب والمنتسبين، وربطها بالبصمة

البيومترية، وفحص الأسماء الوهمية، وفصل الإنفاق التشغيلي عن مخصصات السلاح. فالشفافية المالية جزء من استعادة السيادة، لا تفصيل إداري.

.4الدمج الفردي لا الكتلوي

أهم خطوة هي اعتماد الدمج الفردي، لا إدخال الفصائل ككتل عسكرية إلى الجيش. فمن تنطبق عليه الشروط المهنية يُستوعب في المؤسسات الأمنية بطريقة تمنع إعادة تشكيل الفصيل داخل الدولة، ومن لا يرغب في الاستمرار العسكري تُمنح له مكافآت تسريح وفرص عمل مدنية حقيقية.

  1. حماية المكتسبات الاجتماعية للمقاتلين

لا يمكن بناء سيادة مستقرة فوق شعور اجتماعي بالإقصاء. لذلك ينبغي أن تتزامن إعادة هيكلة الحشد مع برنامج اقتصادي لمناطق الجنوب والفرات الأوسط والمناطق التي جاءت منها قواعد الفصائل، عبر تشغيل المسرّحين في خطط تنمية محلية.

  1. إعادة تأطير العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة

ينبغي إخراج ملف الحشد من لغة العقوبات والتهديدات، وتحويله إلى شراكة أمنية انتقالية تضمن عدم استخدام الأراضي العراقية في صراع إقليمي، وتمنع في الوقت نفسه تحويل مطلب نزع السلاح إلى ورقة أمريكية ضد الخصوم المحليين.[25]

 

خاتمة: استعادة الدولة خطوة خطوة

ليست المسألة العراقية الراهنة مواجهة بسيطة بين «الدولة» و«اللادولة»، بل صراع بين نموذجين للدولة: دولة واحدة بقرار أمني واحد، ودولة تتعايش مع ازدواجية مسلحة مزمنة.

تختار مقاربة «السيادة المرنة» النموذج الأول، لكنها تدرك أن الوصول إليه لا يتحقق بالشعارات، ولا بالقرارات الفوقية، ولا بمنطق الاستئصال. فقد ارتبط الحشد الشعبي، في جانب منه، بتضحيات حقيقية في مواجهة داعش. غير أن هذه التضحيات لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة دائمة لعسكرة السياسة، أو غطاء لاقتصاد فصائلي، أو ممر لقرار أمني خارج الدولة.

المطلوب اليوم هو تحويل اللحظة الراهنة إلى فرصة. فهناك تعب داخلي من سطوة السلاح، وضغط خارجي متزايد، وتحول خطابي لدى بعض الفصائل نحو شعار حصر السلاح بيد الدولة، وحاجة عراقية عامة إلى دولة لا تتعدد فيها الجيوش والقرارات. لكن هذه الفرصة ستضيع إذا بقيت محصورة بين خيارين فاشلين: تقديس الحشد كما هو، أو الدعوة إلى تصفيته دفعة واحدة.

الحل الواقعي هو مسار تدريجي يعيد تعريف الحشد داخل الدولة: احترام من قاتل داعش، وحماية حقوق المقاتلين، وفصل السياسي عن العسكري، وتجفيف الاقتصاديات غير الرسمية، ومحاسبة الانتهاكات، ودمج من يقبل الانضباط في المؤسسات النظامية، وتحويل الباقين إلى الحياة المدنية.

إن بقاء الحشد والفصائل بوضعها الحالي يعني استمرار دولة بين سلطتين: سلطة قانونية رسمية، وسلطة مسلحة موازية. أما «السيادة المرنة» فتعني أن تستعيد الدولة سيادتها خطوة خطوة؛ لا بالتنازل عن حقها في احتكار السلاح، بل بإدارة هذا الحق بعقل سياسي يعرف أن الدولة لا تُبنى بالاندفاع، ولا تُستعاد بالخوف.

 

الهوامش

ـ تمّت الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل إعداد هذا العمل لأغراض المساعدة الفنية وتسريع الإنجاز، مع إخضاع جميع المخرجات للمراجعة والتحقق والتدقيق قبل اعتمادها.

[1] إبراهيم صالح، «في ذكرى إعلان “النصر”… داعش يضرب بقوة في العراق»، وكالة الأناضول، 10 كانون الأول/ديسمبر 2021، متاح على: https://www.aa.com.tr/ar/التقارير/في-ذكرى-إعلان-النصر-داعش-يضرب-بقوة-في-العراق-تقرير/2444209

[2] مكتب سماحة السيد علي الحسيني السيستاني، «ما ورد في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 14 شعبان 1435هـ الموافق 13/6/2014م»، الموقع الرسمي لمكتب السيد علي السيستاني، 13

حزيران/يونيو 2014، متاح على: https://www.sistani.org/arabic/archive/24918/

[3] صحيفة الشرق الأوسط، «قانون جديد لـ”الحشد الشعبي” يفجّر أسئلة عن الموازنة والانتخابات»، الشرق الأوسط، 24 تموز/يوليو 2024، متاح على: https://aawsat.com/العالم-العربي/المشرق-العربي/5042980-قانون-جديد-لـالحشد-الشعبي-يفجّر-أسئلة-عن-الموازنة-والانتخابات

[4] وزارة العدل العراقية، «قانون هيأة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016»، جريدة الوقائع العراقية، وزارة العدل العراقية، متاح على: https://www.moj.gov.iq/view.2899/

[5] ريناد منصور وفالح عبد الجبار، «الحشد الشعبي ومستقبل العراق»، مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، 28 نيسان/أبريل 2017، متاح على: https://carnegieendowment.org/ar/research/2017/04/the-popular-mobilization-forces-and-iraqs-future

[6] هيومن رايتس ووتش، «العراق: الأضرار التي لحقت بحقول النفط في إقليم كردستان تُهدد الحقوق»، هيومن رايتس ووتش، 29 تموز/يوليو 2025، متاح على: https://www.hrw.org/ar/news/2025/07/29/iraq-damage-to-kurdistan-region-oil-fields-puts-rights-at-risk

[7] رئاسة جمهورية العراق، «دستور جمهورية العراق لعام 2005، المادة 9/أولًا/ب»، الموقع الرسمي لرئاسة جمهورية العراق، متاح على: https://presidency.iq/info.aspx?jimare=1002

[8] مركز المستقبل للأبحاث المتقدمة، «قانون الحشد الشعبي العراقي»، مركز المستقبل للأبحاث المتقدمة، 19 آب/أغسطس 2025، متاح على: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10391

[9] أمير الكعبي ومايكل نايتس، «زيادة غير عادية في عديد “قوات الحشد الشعبي”، بالأرقام»، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 6 حزيران/يونيو 2023، متاح على: https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/zyadt-ghyr-adyt-fy-dyd-qwat-alhshd-alshby-balarqam

[10] هشام الهاشمي، «الخلاف الداخلي في هيئة الحشد الشعبي»، مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، 1 تموز/يوليو 2020، نسخة كالاميو، متاح على: https://www.calameo.com/books/0055348706603f06f2e09

[11] Müştak El-Hılo، «Irak Bütçesinde Haşdi Şabi Gölgesi»، İran Araştırmaları Merkezi (İRAM), May 11, 2021. متاح على: https://iramcenter.org/fa/سایه-سنگین-حشدالشعبی-بر-بودجه-عراق-489

[12] زيد سالم، «العراق: تضخم أعداد منتسبي “الحشد الشعبي”»، العربي الجديد، 23 كانون الثاني/يناير 2025، متاح على: https://www.alaraby.co.uk/politics/العراق-تضخم-أعداد-منتسبي-الحشد-الشعبي

[13] حارث حسن، «الفصائل العراقية وسؤال الهوية الاجتماعية»، النهار العربي، 5 شباط/فبراير 2022، متاح على:
https://www.annaharar.com/arabic/makalat/opinions/04022022012702978

[14] رووداو، «ممثل السيستاني: يجب منع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها وحصر السلاح بيد الدولة»، رووداو، 26 حزيران/يونيو 2025، متاح على: https://www.rudawarabia.net/arabic/middleeast/iraq/260620251

[15] جريدة الأخبار، «السوداني لروبيو: قانون الحشد الشعبي ضمن خطة إصلاح الحكومة»، الأخبار، 23 تموز/يوليو 2025، متاح على: https://www.al-akhbar.com/arab/851575

[16] صحيفة الشرق الأوسط، «واشنطن تصنف فصائل عراقية “جماعات إرهابية”»، الشرق الأوسط، 17 أيلول/سبتمبر 2025، متاح على: https://aawsat.com/العالم-العربي/المشرق-العربي/5187219-واشنطن-تصنف-فصائل-عراقية-جماعات-إرهابية

[17] ضياء الشكرجي، «حل الحشد الشعبي مطلب وطني ذو أولوية»، الحوار المتمدن، 8 آب/أغسطس 2021، متاح على: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=727583

[18] أحمد سعداوي، “بين الحكم والمقاومة: دولة المليشيات المطالبة بحلّ نفسها”، 2026-04-29 https://alhurra.com/19394?fbclid=IwZnRzaARfVCljbGNrBF9HK2V4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkDDM1MDY4NTUzMTcyOAABHge86VPl4_A3oEgJj4oM14V7XCcSV9Z3vO2l-Y7lXB7aynfXAIrNrMMNjW-G_aem_1BR2Cm_UCRwEAnptcG6Zqg

[19] مكتب سماحة السيد علي الحسيني السيستاني، «نصّ ما ورد بشأن الأوضاع الراهنة في العراق في خطبة الجمعة التي ألقاها السيد أحمد الصافي في يوم 20/6/2014م»، الموقع الرسمي لمكتب السيد علي السيستاني، 20 حزيران/يونيو 2014، متاح على: http://www.sistani.org/arabic/archive/24915/

[20] موقع العتبة الحسينية المقدسة، “خلال مراسيم تبديل الراية… الشيخ عبد المهدي الكربلائي: لا مستقبل أفضل للعراق دون كفاءة ونزاهة وحصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد”، 26 حزيران/يونيو 2025. https://imamhussain.org/arabic/46256

[21] زيد سالم ومحمد علي، «فصائل مسلحة في العراق تتبنى خطاب حصر السلاح بيد الدولة»، العربي الجديد، 22 كانون الأول/ديسمبر 2025، متاح على: https://www.alaraby.co.uk/politics/فصائل-مسلحة-في-العراق-تتبنى-خطاب-حصر-السلاح-بيد-الدولة

[22] روسيا اليوم، «رئيس القضاء العراقي يشيد باستجابة قادة الفصائل لحوار حصر السلاح بيد الدولة»، روسيا اليوم، 20 كانون الأول/ديسمبر 2025، متاح على: https://ar.rt.com/11btf

[23] Müştak El-Hılo، «Meşruiyet Sorunları Gölgesinde Haşdi Atabat Konferansı»، İran Araştırmaları Merkezi (İRAM), December 11, 2020. متاح على:
https://www.iramcenter.org/mesruiyet-sorunlari-golgesinde-hasdi-atabat-konferansi-328

[24] نفس المصدر.

[25] مايكل نايتس، «خطورة السماح بتمرير قانون “هيئة الحشد الشعبي” العراقي»، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 9 نيسان/أبريل 2025، متاح على: https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/khtwrt-alsmah-btmryr-qanwn-hyyt-alhshd-alshby-alraqy

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

سيادة منقوصة: العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة

لا تستعيد الدولة سيادتها إلا بتفكيك ازدواجية السلاح، ودمج المقاتلين ضمن مؤسساتها بعيدًا عن الولاءات العابرة للحدود والحسابات الفصائلية

 

مدخل

في كانون الأول/ديسمبر 2017، أعلنت الحكومة العراقية النصر الكامل على تنظيم «الدولة الإسلامية»/داعش.[1] وكان يُفترض، بمنطق الدولة، أن تفتح تلك اللحظة باب الخروج التدريجي من الترتيبات الأمنية الاستثنائية التي فرضتها الحرب، وفي مقدمتها هيئة الحشد الشعبي، التي تشكّلت عام 2014 في سياق فتوى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني بوجوب الدفاع الكفائي عن العراق.[2]

لكن المسار اللاحق اتخذ اتجاهًا مختلفًا. فالفتوى، التي كان مقصدها الأصلي إسناد القوات الأمنية الرسمية والدفاع عن البلاد، تحوّلت إلى غطاء تعبوي واسع لقيام بنية عسكرية تتمتع بهامش استقلال نسبي عن المؤسسة العسكرية التقليدية. وفي تلك اللحظة، استثمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة آنذاك نوري المالكي حالة الانهيار الأمني، فجرى تشكيل كيان عسكري خاص من دون إطار تشريعي واضح، جمع بين متطوعين عراقيين حملوا السلاح دفاعًا عن وطنهم، وجماعات مسلحة كانت قائمة قبل داعش، ولها ارتباطات سياسية وأيديولوجية وإقليمية معروفة.

بعد نحو ثماني سنوات من إعلان النصر، بدا المشهد معكوسًا. فبدل أن تتراجع الحاجة إلى هذا الترتيب العسكري الاستثنائي، تضخم الحشد الشعبي عددًا وميزانية ونفوذًا. فبعدما كان عدد المتطوعين في الأشهر الأولى التي تلت سقوط الموصل عام 2014 يُقدّر بنحو ستين ألفًا، وصل عدد المنتسبين إلى 238,075 وفق أرقام الموازنة الاتحادية لعام 2024، مع تخصيص سنوي يقارب ثلاثة مليارات دولار، بحسب ما أوردته صحيفة «الشرق الأوسط» في تموز/يوليو 2024.[3] غير أن الأهم من الرقم نفسه أن هذا التضخم حدث بعد انتهاء المعركة الكبرى مع داعش، لا في ذروتها، بما يعني أن المسألة لم تعد ضرورة عسكرية عابرة، بل تحولت إلى بنية سلطوية واقتصادية راسخة داخل جسم الدولة.

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الخلل البنيوي لا يكمن في وجود الحشد بوصفه مؤسسة رسمية فحسب، بل في ما يمكن تسميته «السيادة المنقوصة»: دولة واحدة بقرارين أمنيين، وقيادة عامة رسمية تتعايش مع مرجعيات فصائلية موازية لبعض

التشكيلات المؤطرة قانونيًا داخل الدولة.

من هذه الزاوية، لا يبدو السؤال المنتج هو: هل يُحلّ الحشد أم يبقى؟ فهذا سؤال ثنائي مستهلك، ولا ينتج سياسة قابلة للتطبيق. السؤال الأهم هو: كيف يمكن إعادة إدماج هذه القوة في منظومة الدولة، على نحو يحافظ على الاستقرار الاجتماعي، ويعيد توحيد القرار السيادي، ويمنع في الوقت نفسه انفجارًا شيعيًا–شيعيًا داخليًا؟

 

أولًا: المشكلة: تشكيل رسمي بولاءات مزدوجة

تنص المادة الأولى من قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 على أن الحشد «تشكيل عسكري مستقل وجزء من القوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة».[4] لكن ما حدث هو أن بعض الإلوية الى جانب الارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة، احتفظت بولاءات تنظيمية وسياسية خارج التسلسل العسكري الرسمي. لا سيما تلك التي تعود جذورها إلى فصائل مسلحة سابقة، مثل عصائب أهل الحق، وكتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب الإمام علي. ويرتبط بعضها استراتيجيًا وعسكريًا بفيلق القدس الإيراني، كما وثقت دراسات عديدة، من بينها دراسة ريناد منصور وفالح عبد الجبار الصادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط عام 2017.[5]

هذه الازدواجية تمثّل جوهر المشكلة: حشد يتبع الدولة قانونيًا، بينما تتبع بعض فصائله محورًا إقليميًا عمليًا. ولا يعني ذلك أن جميع تشكيلات الحشد متشابهة، أو أن كل منتسبيه جزء من مشروع خارجي، بل إن البنية العامة سمحت بوجود مستويات متداخلة من الولاء والقرار والتمويل والسلاح.

من هنا، لا تعود «السيادة المنقوصة» مفهومًا نظريًا مجردًا، بل تظهر عند كل اختبار أمني حقيقي. فالهجمات بالطائرات المسيّرة على حقول النفط في إقليم كردستان منتصف عام 2025، وما أثارته من أسئلة حول قدرة الدولة على تسمية الفاعلين أو محاسبتهم، كشفت هشاشة القرار الأمني حين تتداخل الحسابات الداخلية بالإقليمية.[6] فالمشكلة ليست في وقوع الهجوم فقط، بل في عجز الدولة، أو ترددها، عن التعامل معه بوصفه ملفًا سياديًا واضحًا.

 

ثانيًا: كلفة السيادة المنقوصة

لا تقف كلفة السيادة المنقوصة عند حدود الأمن المباشر، بل تمتد إلى مستويات قانونية واقتصادية واجتماعية وإقليمية متداخلة. فالمشكلة لا تتعلق بوجود تشكيل مسلح داخل الدولة فحسب، بل بما أنتجه هذا الوجود من التباس في القانون، وتضخم في الموارد، وولاءات متداخلة، وبيئة اجتماعية واقتصادية يصعب تفكيكها بقرار سريع.

قانونيًا، ينطوي الإطار الناظم للحشد على تناقض واضح. فالمادة 9/أولًا/ب من الدستور العراقي تنص على أنه «يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة».[7] لكن قانون هيئة الحشد الشعبي منح الحشد وضعًا «مستقلًا» داخل القوات المسلحة. وبدل أن تنهي هذه الصيغة الكيانات الفصائلية، أتاحت إعادة إنتاجها تحت غطاء رسمي.

وقد حاولت قوى الإطار التنسيقي عام 2025 تمرير تعديل جوهري لقانون الحشد، يتجه إلى ترسيخ الاستقلالية التنظيمية والمالية للهيئة، بل وفتح الباب أمام الحديث عن أكاديمية عسكرية موازية. غير أن المشروع واجه اعتراضات داخلية وخارجية، من بينها ضغط أمريكي مباشر. ففي 22 تموز/يوليو 2025، حذّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في اتصال مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، من أن القانون قد يؤسس لنفوذ إيراني أوسع ولجماعات مسلحة تقوّض سيادة العراق.[8] وليست المشكلة، هنا، في وجود قانون للحشد بحد ذاته، بل في وظيفة هذا القانون: هل يكون أداة لإدماج الحشد في الدولة، أم غطاءً لترسيخ دولة داخل الدولة؟

اقتصاديًا، تنتج الفصائل المسلحة بيئة اقتصاد سياسي قائمة على ريع السلاح والنفوذ. فالسيطرة على بعض المنافذ، والتدخل في الإحالات والمقاولات، ووجود شركات واجهة، وضعف المساءلة القضائية، كلها عوامل تحوّل السلاح من أداة دفاع إلى مورد سلطة ونفوذ.[9] وقد أنتجت هيئة الحشد، أو بعض القوى المرتبطة بها، أذرعًا اقتصادية موازية قريبة في نمطها من تجربة الحرس الثوري الإيراني: مديريات هندسية، وشركات مقاولات، وشبكات إعلام، ومصالح اقتصادية متداخلة. وقد رصد الباحث الراحل هشام الهاشمي جانبًا من هذا التحول في ورقته عن الخلاف الداخلي داخل هيئة الحشد الشعبي.[10]

وتتضح الكلفة الاقتصادية أيضًا في تضخم عدد المنتسبين والموارد المخصصة لهم. فالأرقام تشير إلى أكثر من 238 ألف منتسب، ونحو ثلاثة مليارات دولار سنويًا، فضلًا عن تكاليف الغذاء والتسليح والإنفاق الجانبي، بما يضع الحشد بين أكثر المؤسسات استهلاكًا للموارد العامة، في بلد يعاني أصلًا من ضعف الخدمات، وتضخم الرواتب، وغياب التنمية المنتجة.[11] وقد أشار النائب السابق المستقل سجاد سالم إلى أن عدد المنتسبين قفز من نحو مئة ألف عام 2021 إلى 236 ألفًا عام 2023، مع إثارة تساؤلات حول وجود أسماء وهمية تُصرف لها رواتب.[12] وهذا يعيد إلى الذاكرة تجربة «الجنود الفضائيين» التي تحدث عنها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي بعد سقوط الموصل، حين كشف وجود عشرات آلاف الأسماء الوهمية داخل المؤسسة العسكرية. والخطر هنا أن يتكرر الخطأ نفسه داخل مؤسسة أخرى وبعنوان مختلف.

اجتماعيًا، يبقى هذا البعد هو الأقل حضورًا في النقاش العام، مع أنه ربما يكون الأكثر حساسية. فجزء واسع من مقاتلي الفصائل وقواعدها الاجتماعية ينتمي إلى بيئات شيعية مهمّشة جغرافيًا واجتماعيًا، خصوصًا في الجنوب والأهوار والمدن الطرفية. وقد عاشت هذه البيئات عقودًا من الإهمال؛ أولًا في ظل دولة مركزية قاسية، ثم في ظل نظام ريعي بعد 2003 لم ينجح في تحويل التمثيل السياسي الشيعي إلى عدالة اجتماعية ملموسة.

يشير الباحث حارث حسن إلى أن كثيرًا من قادة الفصائل ومقاتليها خرجوا من هذه البيئات الهامشية، وأن الحشد والفصائل مثّلا بالنسبة إليهم أداة صعود اجتماعي ورمزي، لا مجرد إطار عسكري.[13] لذلك، فإن دعوات «حلّ الحشد» حين تُطرح بلغة إقصائية أو انتقامية، تُقرأ داخل هذه البيئات بوصفها عودة إلى منطق التهميش القديم، حتى لدى أشخاص لا يؤيدون سلوك الفصائل. ومن هنا، فإن أي مقاربة تتجاهل هذه الحمولة الاجتماعية تبقى محكومة بالفشل. لا يكفي أن تطالب الدولة باحتكار السلاح؛ بل عليها أن تقدم بديلًا اجتماعيًا واقتصاديًا لمن جرى إدخالهم، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، في اقتصاد السلاح.

إقليميًا، تجعل هذه الازدواجية العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين أطراف لا يتحكم العراق بقرارها.[14] وقد ظهر ذلك بوضوح في جولات التصعيد الإيراني–الإسرائيلي والأمريكي من عام 2024 إلى اليوم، حيث يصبح وجود قوى مسلحة مرتبطة بمحاور خارجية عامل تهديد دائم لقدرة الدولة على ضبط قرارها الأمني ومنع استخدام أراضيها في صراعات الآخرين.

بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع الحشد بوصفه ملفًا أمنيًا فقط. فهو في صورته الراهنة ملف قانوني واقتصادي واجتماعي وإقليمي في آن واحد، وأي معالجة تختزله في جانب واحد

ستعيد إنتاج المشكلة بدل حلها.

 

ثالثًا: المقاربات السائدة وحدودها

يمكن تلخيص المقاربات السائدة تجاه الحشد والفصائل في أربع مقاربات رئيسية، لكل واحدة منها منطقها الخاص وحدودها العملية.

  1. مقاربة الإبقاء والشرعنة

تمثل الحكومة العراقية هذه المقاربة في كثير من الأحيان. فهي تؤكد أن الحشد مؤسسة عسكرية عراقية رسمية، تعمل ضمن صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة، كما ورد في موقف رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ردًا على الاعتراضات الأمريكية.[15]

تعترف هذه المقاربة بالواقع، لكنها لا تعالجه. فهي تمنح الحشد شرعية رسمية، من دون أن تفكك ازدواجية القيادة والولاء. وبذلك تتحول «الشرعنة» أحيانًا إلى تغليف قانوني لمشكلة قائمة، لا إلى حل فعلي لها.

  1. مقاربة الضغط الخارجي

تتبنى الولايات المتحدة هذه المقاربة منذ سنوات، وقد تصاعدت بعد عودة إدارة ترامب الثانية إلى السلطة. فقد اتجهت واشنطن إلى تصنيف عدد من الفصائل العراقية المرتبطة بإيران ضمن قوائم الإرهاب، ومارست ضغوطًا على بغداد لتقييد نفوذها.[16]

مشكلة هذه المقاربة أنها تنقل ملف احتكار الدولة للسلاح من كونه قضية عراقية داخلية إلى معركة بين «المقاومة» و«التدخل الأجنبي». وهذا يمنح الفصائل فرصة لإعادة إنتاج شرعيتها الخطابية، حتى عندما تكون في موقع المخالف لمنطق الدولة.

  1. مقاربة الحل الجذري

يمثل هذه المقاربة عدد من الكتاب والسياسيين الذين يرون أن حل الحشد الشعبي أصبح أولوية وطنية، لأنه يخالف الدستور ويخضع، في جزء منه، لإيديولوجية ولاية الفقيه. ومن هؤلاء ضياء الشكرجي، الذي دعا صراحة إلى حل الحشد بوصفه مطلبًا وطنيًا.[17]

تمتلك هذه المقاربة قوة أخلاقية وقانونية؛ إذ تنطلق من مبدأ واضح: لا دولة مع تعدد السلاح. لكنها تعاني ضعفًا سياسيًا وعمليًا، لأنها لا تقدم جوابًا كافيًا عن مصير عشرات الآلاف من المنتسبين، ولا عن كيفية منع الانفجار الاجتماعي أو الفصائلي عند اتخاذ قرار

صدامي شامل.

أصبحت هذه الجماعات جزءًا من بنية الدولة، من البرلمان إلى المناصب التنفيذية. لذلك، فإن عدم مواجهتها ليس عجزًا أمنيًا فقط، بل قرار سياسي أيضًا. فالدولة تتجنب الصدام معها حفاظًا على وحدة الكتلة السياسية الشيعية، وما يُسمّى «حق الشيعة في الحكم». ومن هذه الزاوية، تبدو مطالبة الحكومة بتفكيكها أشبه بمطالبتها بتفكيك جزء من نفسها.[18]

يزداد هذا التعقيد مع حقيقة أن نصف اعضاء ائتلاف «الإعمار والتنمية» التابع لرئيس مجلس الوزراء المنتهية ولايته، محمد شياع السوداني منهم. ولذلك فإن حلّ هذه الفصائل، أو الذهاب إلى مواجهة مباشرة معها، يعني عمليًا أن يضرب السوداني ائتلافه الذي خاض به الانتخابات وحقق عبره مكاسبه السياسية.

وتتضاعف حساسية الملف لأن هذه الفصائل أثبتت في أكثر من محطة أنها لا تتردد في استخدام العنف ضد العراقيين، حتى داخل البيئة الشيعية نفسها. وقد ظهر ذلك بوضوح في قمع انتفاضة تشرين، التي طالبت بإسترداد الوطن، ثم في أحداث المنطقة الخضراء بعد انتخابات 2021، حين تحصّن أتباع التيار الصدري داخلها، فضلًا عن محطات أخرى كشفت استعداد هذه القوى لاستخدام السلاح في إدارة الخلاف السياسي.

إلى جانب ذلك، يدرك أي سياسي شيعي أن الموافقة على قرار جذري من هذا النوع قد تعني نهاية مستقبله السياسي. فإيران لن تتعامل مع تفكيك الفصائل بوصفه إجراءً إداريًا أو إصلاحيًا، بل بوصفه مساسًا بأحد أهم أذرع نفوذها في العراق.

لهذا على الرغم من كون فتوى السيستاني لم تكن دعوة إلى تشكيل ميليشيات خارج إطار الدولة، بل إلى الدفاع عن البلد والانخراط في القوات الأمنية الرسمية، كما ورد في خطبة الجمعة في 20 حزيران/يونيو 2014.[19] وقد طالبت مرات عديدة بضرورة حصر السلاح بيد الدولة.[20] ومع ذلك، لم تذهب المرجعية إلى المطالبة بحل الحشد دفعة واحدة، إدراكًا منها أن الواقع الذي نشأ بعد الحرب صار أكثر تعقيدًا من لحظة الفتوى نفسها.

  1. مقاربة الاحتواء السياسي

هذه مقاربة غير معلنة غالبًا، لكنها حاضرة بقوة في سلوك النظام السياسي العراقي. تقوم على السماح للفصائل بالدخول في البرلمان والحكومة والاقتصاد، مع الرهان على أن الدولة ستحتويها تدريجيًا. غير أن التجربة أظهرت أن الاحتواء من دون شروط واضحة يؤدي غالبًا إلى نتيجة عكسية: فبدل أن تبتلع الدولة الفصائل، تبتلع الفصائل الدولة جزء تلو الآخر.

 

رابعًا: السيادة المرنة بوصفها مقاربة واقعية

المقاربة البديلة التي تقترحها هذه الورقة هي «السيادة المرنة». وهي لا تعني التنازل عن السيادة، ولا الاعتراف الدائم بازدواجية السلاح، بل استعادة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني عبر مسار تدريجي، مشروط، وقابل للتنفيذ.

تقوم هذه المقاربة على ثلاث ركائز أساسية: فهم التحول الجاري داخل البيئة الفصائلية، والتمييز بين مكونات الحشد المختلفة، وربط نزع السلاح بضمانات أمنية واجتماعية.

أولًا، هناك تحول خطابي لا يمكن تجاهله منذ أواخر عام 2025. فقد أعلن قادة فصائل بارزة، مثل قيس الخزعلي، وشبل الزيدي، وحيدر الغراوي، وكاظم الفرطوسي، قبولهم العلني بشعار «حصر السلاح بيد الدولة».[21] كما صرّح رئيس مجلس القضاء الأعلى، في 20 كانون الأول/ديسمبر 2025، بأن قادة الفصائل استجابوا لنصيحته بالانتقال إلى العمل السياسي بعد انتفاء الحاجة الوطنية للعمل العسكري.[22]

لا ينبغي قراءة هذا التحول بسذاجة. فهو لا يعني أن الفصائل نزعت سلاحها فعلًا، أو تخلت عن بنيتها التنظيمية، وما شهدناه من بعضهم في الاشهر الاخيرة خير دليل على ذلك. لكنه يفتح نافذة سياسية يمكن استثمارها. فالسياسة الواقعية تبدأ أحيانًا من تحويل الشعار المعلن إلى التزام قانوني، ثم إلى آليات تنفيذية قابلة للقياس.

ثانيًا، لا يوجد حشد واحد. فداخل الحشد ثلاثة تيارات كبرى: تيار ولائي مرتبط بولاية الفقيه الإيرانية، وتيار مرتبط بمرجعية النجف، وتيار متصل بالتيار الصدري. وأي سياسة تتعامل مع هذه التيارات بوصفها كتلة واحدة ستنتهي إلى الفشل.

فألوية العتبات الأربعة، وهي فرقة الإمام علي القتالية (غير كتائب الإمام علي من الفصائل الولائية)، وفرقة العباس القتالية، ولواء علي الأكبر، ولواء أنصار المرجعية، أعلنت منذ عام 2020 توجهًا واضحًا نحو الابتعاد عن العمل السياسي والتموضع تحت سلطة القائد العام للقوات المسلحة.[23]

ثالثًا، لا يمكن إقناع الفصائل بنزع سلاحها إذا قُدّم بوصفه استسلامًا أو إهانة. فالواقعية السياسية تقتضي بناء معادلة واضحة: تنازل مقابل ضمان. تنازل عن السلاح المستقل، مقابل ضمانات اندماج وظيفي واقتصادي للمقاتلين، وضمانات أمنية للمناطق التي خرجوا منها، وضمانات سياسية تمنع الانتقام أو الإقصاء.

هذا هو جوهر «السيادة المرنة»: لا تقديس للحشد، ولا تصفية فورية له؛ بل إعادة تعريف دوره تدريجيًا داخل الدولة، مع فصل السلاح عن السياسة، والولاء الوطني عن الولاءات العابرة للحدود.

 

خامسًا: خارطة طريق عملية

أكبر مشكلة تواجه أي حل اليوم هي أن الحكومات العراقية المتعاقبة تأخرت طويلًا في معالجة هذا الملف، حتى تفاقمت الأزمة وفتحت الباب أمام تدخل أمريكي مباشر في محاولة لإدارتها. وكلما بدا الإصلاح استجابة لإملاء خارجي، خسر جزءًا كبيرًا من شرعيته الداخلية. لذلك، لم يعد أمام الحكومة العراقية سوى استعادة زمام المبادرة، عبر الإسراع في اتخاذ الخطوات الآتية:

  1. إصلاح تشريعي بلا التباس

ينبغي تمرير تعديل واضح لقانون هيئة الحشد الشعبي ينهي التناقض في صيغة «تشكيل مستقل وجزء من القوات المسلحة»، ويجعل القيادة والتسلسل والانضباط والقرار العسكري بيد القائد العام للقوات المسلحة حصرًا، مع حظر الجمع بين القيادة العسكرية والعمل الحزبي.

.2فصل السياسي عن العسكري

ينبغي اعتماد قاعدة واضحة: من يدخل السياسة يخرج من السلاح، ومن يحتفظ بالسلاح لا يدخل البرلمان ولا الحكومة. فالمشكلة ليست في انتقال بعض قادة الفصائل إلى السياسة، بل في الجمع بين المقعد النيابي والسلاح والمال والنفوذ الأمني.[24]

  1. تدقيق مالي ووظيفي مستقل

ينبغي تكليف ديوان الرقابة المالية بمراجعة قوائم الرواتب والمنتسبين، وربطها بالبصمة

البيومترية، وفحص الأسماء الوهمية، وفصل الإنفاق التشغيلي عن مخصصات السلاح. فالشفافية المالية جزء من استعادة السيادة، لا تفصيل إداري.

.4الدمج الفردي لا الكتلوي

أهم خطوة هي اعتماد الدمج الفردي، لا إدخال الفصائل ككتل عسكرية إلى الجيش. فمن تنطبق عليه الشروط المهنية يُستوعب في المؤسسات الأمنية بطريقة تمنع إعادة تشكيل الفصيل داخل الدولة، ومن لا يرغب في الاستمرار العسكري تُمنح له مكافآت تسريح وفرص عمل مدنية حقيقية.

  1. حماية المكتسبات الاجتماعية للمقاتلين

لا يمكن بناء سيادة مستقرة فوق شعور اجتماعي بالإقصاء. لذلك ينبغي أن تتزامن إعادة هيكلة الحشد مع برنامج اقتصادي لمناطق الجنوب والفرات الأوسط والمناطق التي جاءت منها قواعد الفصائل، عبر تشغيل المسرّحين في خطط تنمية محلية.

  1. إعادة تأطير العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة

ينبغي إخراج ملف الحشد من لغة العقوبات والتهديدات، وتحويله إلى شراكة أمنية انتقالية تضمن عدم استخدام الأراضي العراقية في صراع إقليمي، وتمنع في الوقت نفسه تحويل مطلب نزع السلاح إلى ورقة أمريكية ضد الخصوم المحليين.[25]

 

خاتمة: استعادة الدولة خطوة خطوة

ليست المسألة العراقية الراهنة مواجهة بسيطة بين «الدولة» و«اللادولة»، بل صراع بين نموذجين للدولة: دولة واحدة بقرار أمني واحد، ودولة تتعايش مع ازدواجية مسلحة مزمنة.

تختار مقاربة «السيادة المرنة» النموذج الأول، لكنها تدرك أن الوصول إليه لا يتحقق بالشعارات، ولا بالقرارات الفوقية، ولا بمنطق الاستئصال. فقد ارتبط الحشد الشعبي، في جانب منه، بتضحيات حقيقية في مواجهة داعش. غير أن هذه التضحيات لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة دائمة لعسكرة السياسة، أو غطاء لاقتصاد فصائلي، أو ممر لقرار أمني خارج الدولة.

المطلوب اليوم هو تحويل اللحظة الراهنة إلى فرصة. فهناك تعب داخلي من سطوة السلاح، وضغط خارجي متزايد، وتحول خطابي لدى بعض الفصائل نحو شعار حصر السلاح بيد الدولة، وحاجة عراقية عامة إلى دولة لا تتعدد فيها الجيوش والقرارات. لكن هذه الفرصة ستضيع إذا بقيت محصورة بين خيارين فاشلين: تقديس الحشد كما هو، أو الدعوة إلى تصفيته دفعة واحدة.

الحل الواقعي هو مسار تدريجي يعيد تعريف الحشد داخل الدولة: احترام من قاتل داعش، وحماية حقوق المقاتلين، وفصل السياسي عن العسكري، وتجفيف الاقتصاديات غير الرسمية، ومحاسبة الانتهاكات، ودمج من يقبل الانضباط في المؤسسات النظامية، وتحويل الباقين إلى الحياة المدنية.

إن بقاء الحشد والفصائل بوضعها الحالي يعني استمرار دولة بين سلطتين: سلطة قانونية رسمية، وسلطة مسلحة موازية. أما «السيادة المرنة» فتعني أن تستعيد الدولة سيادتها خطوة خطوة؛ لا بالتنازل عن حقها في احتكار السلاح، بل بإدارة هذا الحق بعقل سياسي يعرف أن الدولة لا تُبنى بالاندفاع، ولا تُستعاد بالخوف.

 

الهوامش

ـ تمّت الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي في بعض مراحل إعداد هذا العمل لأغراض المساعدة الفنية وتسريع الإنجاز، مع إخضاع جميع المخرجات للمراجعة والتحقق والتدقيق قبل اعتمادها.

[1] إبراهيم صالح، «في ذكرى إعلان “النصر”… داعش يضرب بقوة في العراق»، وكالة الأناضول، 10 كانون الأول/ديسمبر 2021، متاح على: https://www.aa.com.tr/ar/التقارير/في-ذكرى-إعلان-النصر-داعش-يضرب-بقوة-في-العراق-تقرير/2444209

[2] مكتب سماحة السيد علي الحسيني السيستاني، «ما ورد في خطبة الجمعة لممثل المرجعية الدينية العليا في كربلاء المقدسة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 14 شعبان 1435هـ الموافق 13/6/2014م»، الموقع الرسمي لمكتب السيد علي السيستاني، 13

حزيران/يونيو 2014، متاح على: https://www.sistani.org/arabic/archive/24918/

[3] صحيفة الشرق الأوسط، «قانون جديد لـ”الحشد الشعبي” يفجّر أسئلة عن الموازنة والانتخابات»، الشرق الأوسط، 24 تموز/يوليو 2024، متاح على: https://aawsat.com/العالم-العربي/المشرق-العربي/5042980-قانون-جديد-لـالحشد-الشعبي-يفجّر-أسئلة-عن-الموازنة-والانتخابات

[4] وزارة العدل العراقية، «قانون هيأة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016»، جريدة الوقائع العراقية، وزارة العدل العراقية، متاح على: https://www.moj.gov.iq/view.2899/

[5] ريناد منصور وفالح عبد الجبار، «الحشد الشعبي ومستقبل العراق»، مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، 28 نيسان/أبريل 2017، متاح على: https://carnegieendowment.org/ar/research/2017/04/the-popular-mobilization-forces-and-iraqs-future

[6] هيومن رايتس ووتش، «العراق: الأضرار التي لحقت بحقول النفط في إقليم كردستان تُهدد الحقوق»، هيومن رايتس ووتش، 29 تموز/يوليو 2025، متاح على: https://www.hrw.org/ar/news/2025/07/29/iraq-damage-to-kurdistan-region-oil-fields-puts-rights-at-risk

[7] رئاسة جمهورية العراق، «دستور جمهورية العراق لعام 2005، المادة 9/أولًا/ب»، الموقع الرسمي لرئاسة جمهورية العراق، متاح على: https://presidency.iq/info.aspx?jimare=1002

[8] مركز المستقبل للأبحاث المتقدمة، «قانون الحشد الشعبي العراقي»، مركز المستقبل للأبحاث المتقدمة، 19 آب/أغسطس 2025، متاح على: https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10391

[9] أمير الكعبي ومايكل نايتس، «زيادة غير عادية في عديد “قوات الحشد الشعبي”، بالأرقام»، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 6 حزيران/يونيو 2023، متاح على: https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/zyadt-ghyr-adyt-fy-dyd-qwat-alhshd-alshby-balarqam

[10] هشام الهاشمي، «الخلاف الداخلي في هيئة الحشد الشعبي»، مركز صنع السياسات للدراسات الدولية والاستراتيجية، 1 تموز/يوليو 2020، نسخة كالاميو، متاح على: https://www.calameo.com/books/0055348706603f06f2e09

[11] Müştak El-Hılo، «Irak Bütçesinde Haşdi Şabi Gölgesi»، İran Araştırmaları Merkezi (İRAM), May 11, 2021. متاح على: https://iramcenter.org/fa/سایه-سنگین-حشدالشعبی-بر-بودجه-عراق-489

[12] زيد سالم، «العراق: تضخم أعداد منتسبي “الحشد الشعبي”»، العربي الجديد، 23 كانون الثاني/يناير 2025، متاح على: https://www.alaraby.co.uk/politics/العراق-تضخم-أعداد-منتسبي-الحشد-الشعبي

[13] حارث حسن، «الفصائل العراقية وسؤال الهوية الاجتماعية»، النهار العربي، 5 شباط/فبراير 2022، متاح على:
https://www.annaharar.com/arabic/makalat/opinions/04022022012702978

[14] رووداو، «ممثل السيستاني: يجب منع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها وحصر السلاح بيد الدولة»، رووداو، 26 حزيران/يونيو 2025، متاح على: https://www.rudawarabia.net/arabic/middleeast/iraq/260620251

[15] جريدة الأخبار، «السوداني لروبيو: قانون الحشد الشعبي ضمن خطة إصلاح الحكومة»، الأخبار، 23 تموز/يوليو 2025، متاح على: https://www.al-akhbar.com/arab/851575

[16] صحيفة الشرق الأوسط، «واشنطن تصنف فصائل عراقية “جماعات إرهابية”»، الشرق الأوسط، 17 أيلول/سبتمبر 2025، متاح على: https://aawsat.com/العالم-العربي/المشرق-العربي/5187219-واشنطن-تصنف-فصائل-عراقية-جماعات-إرهابية

[17] ضياء الشكرجي، «حل الحشد الشعبي مطلب وطني ذو أولوية»، الحوار المتمدن، 8 آب/أغسطس 2021، متاح على: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=727583

[18] أحمد سعداوي، “بين الحكم والمقاومة: دولة المليشيات المطالبة بحلّ نفسها”، 2026-04-29 https://alhurra.com/19394?fbclid=IwZnRzaARfVCljbGNrBF9HK2V4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkDDM1MDY4NTUzMTcyOAABHge86VPl4_A3oEgJj4oM14V7XCcSV9Z3vO2l-Y7lXB7aynfXAIrNrMMNjW-G_aem_1BR2Cm_UCRwEAnptcG6Zqg

[19] مكتب سماحة السيد علي الحسيني السيستاني، «نصّ ما ورد بشأن الأوضاع الراهنة في العراق في خطبة الجمعة التي ألقاها السيد أحمد الصافي في يوم 20/6/2014م»، الموقع الرسمي لمكتب السيد علي السيستاني، 20 حزيران/يونيو 2014، متاح على: http://www.sistani.org/arabic/archive/24915/

[20] موقع العتبة الحسينية المقدسة، “خلال مراسيم تبديل الراية… الشيخ عبد المهدي الكربلائي: لا مستقبل أفضل للعراق دون كفاءة ونزاهة وحصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد”، 26 حزيران/يونيو 2025. https://imamhussain.org/arabic/46256

[21] زيد سالم ومحمد علي، «فصائل مسلحة في العراق تتبنى خطاب حصر السلاح بيد الدولة»، العربي الجديد، 22 كانون الأول/ديسمبر 2025، متاح على: https://www.alaraby.co.uk/politics/فصائل-مسلحة-في-العراق-تتبنى-خطاب-حصر-السلاح-بيد-الدولة

[22] روسيا اليوم، «رئيس القضاء العراقي يشيد باستجابة قادة الفصائل لحوار حصر السلاح بيد الدولة»، روسيا اليوم، 20 كانون الأول/ديسمبر 2025، متاح على: https://ar.rt.com/11btf

[23] Müştak El-Hılo، «Meşruiyet Sorunları Gölgesinde Haşdi Atabat Konferansı»، İran Araştırmaları Merkezi (İRAM), December 11, 2020. متاح على:
https://www.iramcenter.org/mesruiyet-sorunlari-golgesinde-hasdi-atabat-konferansi-328

[24] نفس المصدر.

[25] مايكل نايتس، «خطورة السماح بتمرير قانون “هيئة الحشد الشعبي” العراقي»، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 9 نيسان/أبريل 2025، متاح على: https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/khtwrt-alsmah-btmryr-qanwn-hyyt-alhshd-alshby-alraqy

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025