الإسلام السياسي ليس موضع رفض بوصفه حقاً سياسياً مشروعاً، وإنما موضع مساءلة حينما تحوّل بعض أوهامه الدين إلى مبرر للفشل، وغطاء للاستبداد، وأداة للانقسام، وعائق أمام بناء الدولة الحديثة
ليست المشكلة في أن يحمل المرء فكرة سياسية ذات مرجعية دينية، أو أن ينتمي إلى تيار يرى في الإسلام مصدراً للقيم العامة والإلهام السياسي. فهذا حق طبيعي في أي مجتمع تعددي، كما هو حق الليبرالي واليساري والقومي والعلماني في أن يطرح تصوره للدولة والسلطة والمجتمع. تبدأ المشكلة من موضع آخر: حين تتحول الفكرة إلى وهم، ويتقدم الشعار على الواقع، ويُراد للمجتمع أن يتحمل كلفة مشروع سياسي لا يعرف حدوده، ولا يعترف بتعقيدات الدولة الحديثة، ولا يمتلك جواباً واقعياً عن أسئلة الاقتصاد والحكم والحرية والتعدد.
لذلك، حين أقول إنني لست ضد الإسلام السياسي بوصفه حقاً في التفكير والتنظيم والمشاركة، فأنا أعني ذلك بدقة. غير أنني ضد أوهامه حين يتصرف كما لو أنه يمتلك الحقيقة النهائية، وكأن المجتمع كتلة واحدة يمكن قيادتها بالخطاب التعبوي، وكأن الدولة منبر واسع للوعظ، لا مؤسسة مركّبة لإدارة المصالح، وحماية الحقوق، وتوزيع الموارد، وتنظيم الاختلاف.
تقدّم مجتمعاتنا اليوم شواهد ما زالت قائمة يصعب تجاوزها. في السودان، انهار “مشروع الإنقاذ” الإسلامي بعد ثلاثة عقود من الحكم تحت ضغط الانتفاضة الشعبية، تاركاً بلداً ممزقاً اقتصادياً وسياسياً، تتنازع مؤسساته اليوم فيما بينها وأنهار الدماء ما زالت جارية. أما في أفغانستان، فقد عادت طالبان إلى الحكم لتعلّق الدولة بين الشعارات الكبرى ومنع الفتيات من التعليم الثانوي، في مفارقة تفضح جوهر المأزق كلّه.
أما إيران، فالمفارقة فيها أكثر إيلاماً: بلد واسع، غني بالموارد، لكنه يعيش أزمة اقتصادية خانقة، وهجرة أدمغة متصاعدة، وإنسداد سياسي، وانتفاضات شعبية وحركة احتجاج نسوية حملت شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، وكشفت عمق الفجوة بين الدولة الدينية وأجيالها الجديدة. وفي لبنان والعراق، امتزج الديني بالمسلح والطائفي والزبائني، حتى أصبح الدين جزءاً من معادلات السلطة والصراع، لا من معادلات الإصلاح والعدالة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إقصاء الإسلاميين أو منعهم من العمل العام؛ فالإقصاء لا يبني دولة، والاستبعاد لا يصنع ديمقراطية. غير أن من حق المجتمع أن يسألهم، كما يسأل غيرهم: ما برنامجكم الاقتصادي الواقعي؟ ما موقفكم من الحريات الفردية؟ كيف تتعاملون مع المختلف دينياً ومذهبياً وفكرياً؟ هل تؤمنون فعلاً بتداول السلطة، أم تقبلون به حين تكونون خارجها فقط؟ هل الدولة عندكم لجميع المواطنين، أم لأصحاب الهوية التي تشبهكم؟ هل تؤمنون بصندوق الاقتراع حقًّا ام ترونه مجرد سلّم للصعود الى السلطة؟ هذه أسئلة مشروعة، لا تنطوي على عداء للدين، ولا على استهداف للمتدينين.
المأزق الأعمق أنّ كثيراً من مشاريع الإسلام السياسي لا تفشل في السياسة وحدها، بل تجرّ الدين معها إلى ساحة الفشل. فحين تُرفع الشعارات الدينية لتبرير سوء الإدارة، أو القمع، أو الفساد، أو العجز الاقتصادي، تصبح الخسارة مضاعفة: يفشل المشروع السياسي، وتتضرّر صورة الدين العامة في الوقت نفسه. وليس من المصادفة أنّ استطلاعات رأي إقليمية، منها ما رصده “الباروميتر العربي” خلال السنوات الأخيرة، تشير إلى تراجع واضح في ثقة الشباب بالأحزاب الدينية، بل وإلى تراجع أحياناً في بعض مظاهر الممارسة الدينية داخل بلدان عاشت تجارب ثقيلة مع الإسلام السياسي. وهذه كلفة باهظة تتحمّل مسؤوليتها قيادات تحدّثت باسم المقدّس، ثم تركت خلفها فاتورة دنيوية ثقيلة.
في العراق تحديداً، لم يعد الناس بحاجة إلى مزيد من الشعارات الكبرى، بل إلى كهرباء لا تنقطع، ومدارس تستوعب أبناءهم، ومستشفيات لا تقتلهم، وفرص عمل تحفظ كرامتهم، وقضاء عادل، ودولة تحميهم ولا تستنزفهم. فالمواطن الذي يقف ساعات في طابور صرف راتب، أو يدفن ابنه ضحية مياه ملوّثة في البصرة، لا يعنيه كثيراً جمال الخطاب، بقدر ما تعنيه قدرة هذا الخطاب على تحسين حياته. وإذا كان أي تيار، إسلامياً كان أم علمانياً، عاجزاً عن تقديم إجابات عملية، فعليه أن يتواضع قبل أن يطلب التفويض باسم الأمة أو الدين أو الهوية.
الواقعية هنا ليست خيانة للمبدأ، بل شرط لحمايته. فمن يريد أن يخدم الدين في المجال العام، عليه أولاً أن يحميه من التوظيف الرديء. ومن يريد أن يشارك في السياسة، عليه أن يقبل قواعدها الحديثة: المواطنة، والمؤسسات، والتعدد، والمحاسبة، والاحتكام إلى النتائج. أما تحويل السياسة إلى امتحان إيماني يقسّم الناس بين مؤمنين بالمشروع وخارجين عليه، فهو طريق قصير نحو الاستبداد والفشل معاً.
لهذا أقولها بوضوح: لست ضد الإسلام السياسي لأنه إسلامي، بل ضدّه حين يكون غير واقعي، وغير ديمقراطي، وغير قادر على الاعتراف بتعدد المجتمع وتعقيد الدولة. أنا ضد أوهامه لا ضد حقه في الوجود، وضد نتائجه حين تدفع الناس إلى الفقر والخوف والانقسام، ثم تطلب منهم الصبر باسم المقدّس.
المطلوب اليوم ليس حرباً على الإسلاميين، بل شجاعة في مساءلتهم. وليس دفاعاً عن العلمانية بوصفها نقيضاً للدين، بل بوصفها ضمانة لعدم احتكار الدولة باسم أي عقيدة. فالدولة العادلة لا تسأل المواطن عن هويته قبل أن تمنحه حقه، والسياسة الناضجة لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرتها على جعل حياة الناس أقل خوفاً وأكثر كرامة.
وربما حان الوقت لنقولها بلا مواربة: أخطر ما يهدد الدين ليس خصومه دائماً، بل الذين يحمّلونه فشلهم، ويجعلون منه غطاءً لأوهامهم ومطامعهم اللا محدودة.
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
لستُ ضدّ الإسلام السياسي.. بل ضدّ أوهامه
الإسلام السياسي ليس موضع رفض بوصفه حقاً سياسياً مشروعاً، وإنما موضع مساءلة حينما تحوّل بعض أوهامه الدين إلى مبرر للفشل، وغطاء للاستبداد، وأداة للانقسام، وعائق أمام بناء الدولة الحديثة
ليست المشكلة في أن يحمل المرء فكرة سياسية ذات مرجعية دينية، أو أن ينتمي إلى تيار يرى في الإسلام مصدراً للقيم العامة والإلهام السياسي. فهذا حق طبيعي في أي مجتمع تعددي، كما هو حق الليبرالي واليساري والقومي والعلماني في أن يطرح تصوره للدولة والسلطة والمجتمع. تبدأ المشكلة من موضع آخر: حين تتحول الفكرة إلى وهم، ويتقدم الشعار على الواقع، ويُراد للمجتمع أن يتحمل كلفة مشروع سياسي لا يعرف حدوده، ولا يعترف بتعقيدات الدولة الحديثة، ولا يمتلك جواباً واقعياً عن أسئلة الاقتصاد والحكم والحرية والتعدد.
لذلك، حين أقول إنني لست ضد الإسلام السياسي بوصفه حقاً في التفكير والتنظيم والمشاركة، فأنا أعني ذلك بدقة. غير أنني ضد أوهامه حين يتصرف كما لو أنه يمتلك الحقيقة النهائية، وكأن المجتمع كتلة واحدة يمكن قيادتها بالخطاب التعبوي، وكأن الدولة منبر واسع للوعظ، لا مؤسسة مركّبة لإدارة المصالح، وحماية الحقوق، وتوزيع الموارد، وتنظيم الاختلاف.
تقدّم مجتمعاتنا اليوم شواهد ما زالت قائمة يصعب تجاوزها. في السودان، انهار “مشروع الإنقاذ” الإسلامي بعد ثلاثة عقود من الحكم تحت ضغط الانتفاضة الشعبية، تاركاً بلداً ممزقاً اقتصادياً وسياسياً، تتنازع مؤسساته اليوم فيما بينها وأنهار الدماء ما زالت جارية. أما في أفغانستان، فقد عادت طالبان إلى الحكم لتعلّق الدولة بين الشعارات الكبرى ومنع الفتيات من التعليم الثانوي، في مفارقة تفضح جوهر المأزق كلّه.
أما إيران، فالمفارقة فيها أكثر إيلاماً: بلد واسع، غني بالموارد، لكنه يعيش أزمة اقتصادية خانقة، وهجرة أدمغة متصاعدة، وإنسداد سياسي، وانتفاضات شعبية وحركة احتجاج نسوية حملت شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، وكشفت عمق الفجوة بين الدولة الدينية وأجيالها الجديدة. وفي لبنان والعراق، امتزج الديني بالمسلح والطائفي والزبائني، حتى أصبح الدين جزءاً من معادلات السلطة والصراع، لا من معادلات الإصلاح والعدالة.
ولا يعني ذلك الدعوة إلى إقصاء الإسلاميين أو منعهم من العمل العام؛ فالإقصاء لا يبني دولة، والاستبعاد لا يصنع ديمقراطية. غير أن من حق المجتمع أن يسألهم، كما يسأل غيرهم: ما برنامجكم الاقتصادي الواقعي؟ ما موقفكم من الحريات الفردية؟ كيف تتعاملون مع المختلف دينياً ومذهبياً وفكرياً؟ هل تؤمنون فعلاً بتداول السلطة، أم تقبلون به حين تكونون خارجها فقط؟ هل الدولة عندكم لجميع المواطنين، أم لأصحاب الهوية التي تشبهكم؟ هل تؤمنون بصندوق الاقتراع حقًّا ام ترونه مجرد سلّم للصعود الى السلطة؟ هذه أسئلة مشروعة، لا تنطوي على عداء للدين، ولا على استهداف للمتدينين.
المأزق الأعمق أنّ كثيراً من مشاريع الإسلام السياسي لا تفشل في السياسة وحدها، بل تجرّ الدين معها إلى ساحة الفشل. فحين تُرفع الشعارات الدينية لتبرير سوء الإدارة، أو القمع، أو الفساد، أو العجز الاقتصادي، تصبح الخسارة مضاعفة: يفشل المشروع السياسي، وتتضرّر صورة الدين العامة في الوقت نفسه. وليس من المصادفة أنّ استطلاعات رأي إقليمية، منها ما رصده “الباروميتر العربي” خلال السنوات الأخيرة، تشير إلى تراجع واضح في ثقة الشباب بالأحزاب الدينية، بل وإلى تراجع أحياناً في بعض مظاهر الممارسة الدينية داخل بلدان عاشت تجارب ثقيلة مع الإسلام السياسي. وهذه كلفة باهظة تتحمّل مسؤوليتها قيادات تحدّثت باسم المقدّس، ثم تركت خلفها فاتورة دنيوية ثقيلة.
في العراق تحديداً، لم يعد الناس بحاجة إلى مزيد من الشعارات الكبرى، بل إلى كهرباء لا تنقطع، ومدارس تستوعب أبناءهم، ومستشفيات لا تقتلهم، وفرص عمل تحفظ كرامتهم، وقضاء عادل، ودولة تحميهم ولا تستنزفهم. فالمواطن الذي يقف ساعات في طابور صرف راتب، أو يدفن ابنه ضحية مياه ملوّثة في البصرة، لا يعنيه كثيراً جمال الخطاب، بقدر ما تعنيه قدرة هذا الخطاب على تحسين حياته. وإذا كان أي تيار، إسلامياً كان أم علمانياً، عاجزاً عن تقديم إجابات عملية، فعليه أن يتواضع قبل أن يطلب التفويض باسم الأمة أو الدين أو الهوية.
الواقعية هنا ليست خيانة للمبدأ، بل شرط لحمايته. فمن يريد أن يخدم الدين في المجال العام، عليه أولاً أن يحميه من التوظيف الرديء. ومن يريد أن يشارك في السياسة، عليه أن يقبل قواعدها الحديثة: المواطنة، والمؤسسات، والتعدد، والمحاسبة، والاحتكام إلى النتائج. أما تحويل السياسة إلى امتحان إيماني يقسّم الناس بين مؤمنين بالمشروع وخارجين عليه، فهو طريق قصير نحو الاستبداد والفشل معاً.
لهذا أقولها بوضوح: لست ضد الإسلام السياسي لأنه إسلامي، بل ضدّه حين يكون غير واقعي، وغير ديمقراطي، وغير قادر على الاعتراف بتعدد المجتمع وتعقيد الدولة. أنا ضد أوهامه لا ضد حقه في الوجود، وضد نتائجه حين تدفع الناس إلى الفقر والخوف والانقسام، ثم تطلب منهم الصبر باسم المقدّس.
المطلوب اليوم ليس حرباً على الإسلاميين، بل شجاعة في مساءلتهم. وليس دفاعاً عن العلمانية بوصفها نقيضاً للدين، بل بوصفها ضمانة لعدم احتكار الدولة باسم أي عقيدة. فالدولة العادلة لا تسأل المواطن عن هويته قبل أن تمنحه حقه، والسياسة الناضجة لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بقدرتها على جعل حياة الناس أقل خوفاً وأكثر كرامة.
وربما حان الوقت لنقولها بلا مواربة: أخطر ما يهدد الدين ليس خصومه دائماً، بل الذين يحمّلونه فشلهم، ويجعلون منه غطاءً لأوهامهم ومطامعهم اللا محدودة.
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025



