من يترك السياسة يترك الدولة: نقد العزلة العلمانية في العراق

حين ينسحب المدنيون من السياسة، يتركون الدولة لقوى النفوذ، ويحوّلون الصمت إلى تفويض غير معلن للفشل والهيمنة المستمرة على العراق

 

يتفاخر كثير من العراقيين، مواطنين عاديين وبعض من يُحسبون على النخب، بأنهم لا يتدخلون في السياسة. يصفونها بأنها فضاء للقذارة والكذب والنفاق، ويقدّمون ابتعادهم عنها بوصفه علامة على نظافة اليد وسموّ الأخلاق. غير أن المفارقة الأشد لفتًا للانتباه أن عددًا غير قليل من هؤلاء يتحدث باسم العلمانية أو المدنية أو التعالي الثقافي، مع أن العلماني، من حيث المبدأ، يفترض أن يكون الأكثر دفاعًا عن الدولة الحديثة، والأكثر اشتباكًا مع الشأن العام، لا الأكثر هروبًا منه.

هذه الظاهرة اصبحت مكلفة جدًا للعراق: انسحاب العلمانيين والمدنيين والمثقفين من المجال السياسي تحت لافتة «عدم التدخل». فعدم التدخل، في السياق العراقي، ليس موقفًا بريئًا ولا حيادًا أخلاقيًا، بل هو موقف سياسي كامل، له نتائج ملموسة، أولها ترك الفضاء العام لمن يعرف كيف يملؤه ويعيد تشكيله وفق منطقه ومصالحه.

قبل إصدار أي حكم، ينبغي التمييز بين أربعة مستويات من العلاقة بالسياسة. المستوى الأول هو تولّي المناصب التنفيذية أو البرلمانية، وهذا يحتاج رغبة وكفاءة وشروطًا لا تتوافر عند الجميع، ولا يصح أن يُطالب به كل الناس. والمستوى الثاني هو العمل الحزبي أو ممارسة المعارضة المنظمة من خارج السلطة، نقدًا ومنافسة وتقويمًا، وهذا أيضًا ليس فرضًا عامًا على كل مواطن. أما المستوى الثالث فهو التنظير والتحليل السياسي، والسياسة هنا علم مثل غيره من العلوم، يحتاج إلى معرفة وخبرة، والخوض فيه بلا أهلية لا ينتج وعيًا بل يزيد الارتباك.

لكن المستوى الرابع مختلف تمامًا: الاهتمام بالشأن العام واتخاذ موقف من القضايا المفصلية، مثل الفساد، وانتهاك السيادة، والكوارث، وانعدام الأمن، والتشريعات التي تمسّ المواطنة وحقوق الناس. هذا ليس «سياسة» بالمعنى الضيق، بل هو الحد الأدنى من المواطنة. ومن يقفز فوق هذا الواجب باسم «نحن لا نتدخل في السياسة» يتخلى، في الحقيقة، عن أبسط حقوقه وواجباته في آن واحد.

المشاركة في الشأن العام أوسع من المشاركة في الانتخابات، سواء عبر الترشح أو الاقتراع. فقد يقول بعضهم إن إصلاح الوضع عبر الانتخابات غير ممكن، بسبب المال السياسي، والتشريع المسيس، والمفوضية المتحزبة، والأحزاب المسلحة، وشبكات النفوذ، وحتى فرق الموت. هذا الاعتراض مفهوم، لكن الاستنتاج منه لا ينبغي أن يكون الانسحاب، بل الانتقال إلى معنى أوسع للمشاركة: الحضور الاجتماعي المستدام، صناعة الخطاب، الدفاع عن القضايا العامة، وتثبيت الذاكرة المدنية في المجال العام. والسؤال هنا: لماذا تراجع خطاب انتفاضة تشرين واختفى تدريجيًا من الفضاء العام؟ أليس جزء من السبب أن الذين آمنوا به لم يحوّلوه إلى حضور يومي منظم، بل تركوه ذكرى موسمية قابلة للتآكل؟

الأخطر من الانسحاب هو ما يمكن تسميته «النفاق الرقمي». هناك من يوزّع آراءه عبر مجموعات التواصل المغلقة بحسب الدائرة التي يخاطبها؛ يقول لهذا الطرف ما يرضيه، ثم يقول لنقيضه كلامًا آخر، ويتجنب في الوقت نفسه أي موقف معلن في الفضاء العام، خوفًا على علاقة أو مصلحة أو موقع. هؤلاء لا يترفعون عن السياسة، بل يمارسونها في أسوأ صورها: المناورة الخاصة والسكوت العلني.

والعلماني الذي ينتقد رجل الدين حين يسيّس الدين، ثم يهرب هو نفسه من تسييس قضاياه المدنية، يقع في التناقض ذاته الذي يعيبه على خصمه. فهو يرفض احتكار المجال العام من الآخرين، لكنه لا يفعل شيئًا لمنع هذا الاحتكار. وقد أشارت دراسة مطوّلة نشرها موقع «جُمّار» الصحفي العراقي في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعنوان «تفكيك وإعادة تعريف: لماذا لم ينجح مشروع العلمانيين في العراق؟»، إلى أن مفاهيم المدنية والعلمانية والاستقلالية بقيت في العراق لحظات سياسية عابرة، لا مشاريع مستدامة، بسبب التشظي وانعدام الاستمرارية، لا بسبب غياب الجمهور.

هنا تظهر مسؤولية النخبة بوضوح. فمن تربّى على الموارد العامة، جامعة ومنبرًا وشاشة ورمزية اجتماعية، ثم صار في موقع التأثير، لا يملك ترف الاختفاء عند الأزمات. سكوت الرموز في اللحظات الحرجة ليس حيادًا، بل انحياز ضمني إلى بقاء الأمور كما هي.

بصياغة أخلاقية بسيطة: من كان متدينًا يعرف معنى أن «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، ومن كان علمانيًا يعرف أن المواطنة عقد يفرض الكلام لا الصمت. الفرق في المرجعية، لا في أصل الواجب.

ليس المطلوب من كل علماني عراقي أن يترشح للبرلمان، أو ينضم إلى حزب، أو يتحول إلى ناشط يومي. بل الواجب الوطني أبسط من ذلك بكثير. وهو أن نتوقف عن تقديم “عدم التدخل” بوصفه فضيلة اخلاقية. وأن نعيد تعريف المثقف بوصفه من يقرأ المشهد العام ويساعد الناس على قراءته، لا من يحتمي بصمته. أن يعلن العلماني موقفه في العلن، لا في المحادثات المغلقة فقط. أن يسائل، ويكتب، ويصوّت، ويحاجج، ويحفظ حضور الفكرة المدنية في المجال العام.

هذا الحد الأدنى من الفعل هو ما يفرق بين الحضور والغياب. فمن لا يدافع عن دولته مدنيًا اليوم، سيتركها لمن يدافع عنها غدًا وفق منطقه الذي يريده هو.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

من يترك السياسة يترك الدولة: نقد العزلة العلمانية في العراق

حين ينسحب المدنيون من السياسة، يتركون الدولة لقوى النفوذ، ويحوّلون الصمت إلى تفويض غير معلن للفشل والهيمنة المستمرة على العراق

 

يتفاخر كثير من العراقيين، مواطنين عاديين وبعض من يُحسبون على النخب، بأنهم لا يتدخلون في السياسة. يصفونها بأنها فضاء للقذارة والكذب والنفاق، ويقدّمون ابتعادهم عنها بوصفه علامة على نظافة اليد وسموّ الأخلاق. غير أن المفارقة الأشد لفتًا للانتباه أن عددًا غير قليل من هؤلاء يتحدث باسم العلمانية أو المدنية أو التعالي الثقافي، مع أن العلماني، من حيث المبدأ، يفترض أن يكون الأكثر دفاعًا عن الدولة الحديثة، والأكثر اشتباكًا مع الشأن العام، لا الأكثر هروبًا منه.

هذه الظاهرة اصبحت مكلفة جدًا للعراق: انسحاب العلمانيين والمدنيين والمثقفين من المجال السياسي تحت لافتة «عدم التدخل». فعدم التدخل، في السياق العراقي، ليس موقفًا بريئًا ولا حيادًا أخلاقيًا، بل هو موقف سياسي كامل، له نتائج ملموسة، أولها ترك الفضاء العام لمن يعرف كيف يملؤه ويعيد تشكيله وفق منطقه ومصالحه.

قبل إصدار أي حكم، ينبغي التمييز بين أربعة مستويات من العلاقة بالسياسة. المستوى الأول هو تولّي المناصب التنفيذية أو البرلمانية، وهذا يحتاج رغبة وكفاءة وشروطًا لا تتوافر عند الجميع، ولا يصح أن يُطالب به كل الناس. والمستوى الثاني هو العمل الحزبي أو ممارسة المعارضة المنظمة من خارج السلطة، نقدًا ومنافسة وتقويمًا، وهذا أيضًا ليس فرضًا عامًا على كل مواطن. أما المستوى الثالث فهو التنظير والتحليل السياسي، والسياسة هنا علم مثل غيره من العلوم، يحتاج إلى معرفة وخبرة، والخوض فيه بلا أهلية لا ينتج وعيًا بل يزيد الارتباك.

لكن المستوى الرابع مختلف تمامًا: الاهتمام بالشأن العام واتخاذ موقف من القضايا المفصلية، مثل الفساد، وانتهاك السيادة، والكوارث، وانعدام الأمن، والتشريعات التي تمسّ المواطنة وحقوق الناس. هذا ليس «سياسة» بالمعنى الضيق، بل هو الحد الأدنى من المواطنة. ومن يقفز فوق هذا الواجب باسم «نحن لا نتدخل في السياسة» يتخلى، في الحقيقة، عن أبسط حقوقه وواجباته في آن واحد.

المشاركة في الشأن العام أوسع من المشاركة في الانتخابات، سواء عبر الترشح أو الاقتراع. فقد يقول بعضهم إن إصلاح الوضع عبر الانتخابات غير ممكن، بسبب المال السياسي، والتشريع المسيس، والمفوضية المتحزبة، والأحزاب المسلحة، وشبكات النفوذ، وحتى فرق الموت. هذا الاعتراض مفهوم، لكن الاستنتاج منه لا ينبغي أن يكون الانسحاب، بل الانتقال إلى معنى أوسع للمشاركة: الحضور الاجتماعي المستدام، صناعة الخطاب، الدفاع عن القضايا العامة، وتثبيت الذاكرة المدنية في المجال العام. والسؤال هنا: لماذا تراجع خطاب انتفاضة تشرين واختفى تدريجيًا من الفضاء العام؟ أليس جزء من السبب أن الذين آمنوا به لم يحوّلوه إلى حضور يومي منظم، بل تركوه ذكرى موسمية قابلة للتآكل؟

الأخطر من الانسحاب هو ما يمكن تسميته «النفاق الرقمي». هناك من يوزّع آراءه عبر مجموعات التواصل المغلقة بحسب الدائرة التي يخاطبها؛ يقول لهذا الطرف ما يرضيه، ثم يقول لنقيضه كلامًا آخر، ويتجنب في الوقت نفسه أي موقف معلن في الفضاء العام، خوفًا على علاقة أو مصلحة أو موقع. هؤلاء لا يترفعون عن السياسة، بل يمارسونها في أسوأ صورها: المناورة الخاصة والسكوت العلني.

والعلماني الذي ينتقد رجل الدين حين يسيّس الدين، ثم يهرب هو نفسه من تسييس قضاياه المدنية، يقع في التناقض ذاته الذي يعيبه على خصمه. فهو يرفض احتكار المجال العام من الآخرين، لكنه لا يفعل شيئًا لمنع هذا الاحتكار. وقد أشارت دراسة مطوّلة نشرها موقع «جُمّار» الصحفي العراقي في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعنوان «تفكيك وإعادة تعريف: لماذا لم ينجح مشروع العلمانيين في العراق؟»، إلى أن مفاهيم المدنية والعلمانية والاستقلالية بقيت في العراق لحظات سياسية عابرة، لا مشاريع مستدامة، بسبب التشظي وانعدام الاستمرارية، لا بسبب غياب الجمهور.

هنا تظهر مسؤولية النخبة بوضوح. فمن تربّى على الموارد العامة، جامعة ومنبرًا وشاشة ورمزية اجتماعية، ثم صار في موقع التأثير، لا يملك ترف الاختفاء عند الأزمات. سكوت الرموز في اللحظات الحرجة ليس حيادًا، بل انحياز ضمني إلى بقاء الأمور كما هي.

بصياغة أخلاقية بسيطة: من كان متدينًا يعرف معنى أن «الساكت عن الحق شيطان أخرس»، ومن كان علمانيًا يعرف أن المواطنة عقد يفرض الكلام لا الصمت. الفرق في المرجعية، لا في أصل الواجب.

ليس المطلوب من كل علماني عراقي أن يترشح للبرلمان، أو ينضم إلى حزب، أو يتحول إلى ناشط يومي. بل الواجب الوطني أبسط من ذلك بكثير. وهو أن نتوقف عن تقديم “عدم التدخل” بوصفه فضيلة اخلاقية. وأن نعيد تعريف المثقف بوصفه من يقرأ المشهد العام ويساعد الناس على قراءته، لا من يحتمي بصمته. أن يعلن العلماني موقفه في العلن، لا في المحادثات المغلقة فقط. أن يسائل، ويكتب، ويصوّت، ويحاجج، ويحفظ حضور الفكرة المدنية في المجال العام.

هذا الحد الأدنى من الفعل هو ما يفرق بين الحضور والغياب. فمن لا يدافع عن دولته مدنيًا اليوم، سيتركها لمن يدافع عنها غدًا وفق منطقه الذي يريده هو.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025