30 أيلول: اختبار الدولة أمام سلاح الفصائل

ملخّص تنفيذي

يتزامن 30 أيلول/ سبتمبر 2026 مع انتهاء المرحلة المتبقية من مهمة التحالف الدولي في العراق واستحقاق حصر السلاح بيد الدولة، لكنه لا يبدو موعداً كافياً لحسم الملف. فالعقدة الأساسية ليست مبدأ الحصر، بل ترتيب الشروط والضمانات بين بغداد وواشنطن من جهة، والفصائل الرافضة من جهة أخرى: فالحكومة وواشنطن تطلبان تقدماً ملموساً في ضبط السلاح، بينما تربط فصائل رافضة التسليم بانسحاب أميركي كامل وضمان السيادة العراقية.

وحتى الآن، لا يتجاوز التقدم ترتيبات إدارية جزئية داخل الحشد، من دون جرد معلن للسلاح النوعي أو جدول تنفيذي واضح. لذلك يرجّح المقال تسوية محدودة تؤجل الحسم، مع بقاء احتمال التصعيد والانقسام داخل البيت الشيعي قائماً. ويوصي بفصل الموعد القانوني عن التسليم المادي، وتصنيف السلاح وجرده بصورة قابلة للتحقق، ودمج الأفراد لا التشكيلات، وربط ذلك بخريطة طريق لإصلاح المنظومة الأمنية والحشد الشعبي، وبضمانات متبادلة داخلية وخارجية. فالسيادة لا تتحقق بإعلان سياسي، بل بآلية تدريجية قابلة للإنفاذ والمساءلة.

أولاً: 30 أيلول: موعد بثلاثة اختبارات

في 27 أيلول/سبتمبر 2024، اتفقت بغداد وواشنطن على جدول مرحلي لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. تنتهي مرحلته الأولى في أيلول/سبتمبر 2025، مع سحب قوات التحالف وتسليم قواعده والانتقال إلى إطار تعاون أمني ثنائي؛ فيما تمتد المرحلة الثانية حتى أيلول/سبتمبر 2026، لاستمرار المهمة المرتبطة بسوريا انطلاقاً من منصة في إقليم كردستان. وأعلن العراق في كانون الثاني/يناير 2026 اكتمال المرحلة الأولى، فيما ثبّتت وزارة الحرب الأميركية، في 15 تموز/يوليو، موعد 30 أيلول نهايةً لهذه المرحلة الثانية، عقب لقاء وزيرها برئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض.

وعلى المسار الداخلي، أبلغت الحكومة الجماعات المسلحة بأن 30 أيلول/سبتمبر يمثل نهاية ملف السلاح خارج إطار الدولة؛ إذ قال الناطق باسمها حيدر العبودي، في 29 حزيران/يونيو، إن ما يبقى بعد هذا التاريخ سيصبح “خاضعا للمعالجة القانونية”. وكرّر رئيس الوزراء علي الزيدي، من واشنطن في 14 تموز/يوليو، أن حصر السلاح بند “غير قابل للنقاش” في برنامجه الحكومي، وهي لغة عززها رئيس الجمهورية نزار آميدي بتأكيده أن القرار “لا رجعة فيه”.

لكن هذا التزامن، الذي يمكن قراءته بوصفه محاولة لربط انتقال المهمة الأمنية بتقدم ملف حصر السلاح، زاد تعقيد الحسابات السياسية. ففي 28 تموز/يوليو، نفذت القيادة المركزية الأميركية ووزارة الدفاع السعودية ضربات مشتركة على مواقع لوجستية ومخازن سلاح لفصائل موالية لإيران داخل العراق، رداً على هجمات استهدفت منشآت نفطية سعودية وانطلقت من الأراضي العراقية. أدانت بغداد الضربات ونفت علمها المسبق بها، خلافاً لما أعلنه الرئيس الأميركي. ومنحت الحادثة الفصائل وحلفاءها فرصة لتعزيز حجتهم القائلة إن الدولة لا تستطيع المطالبة بتسليم السلاح ما لم تثبت قدرتها على حماية أراضيها ومنع الضربات الخارجية. كما وضعت رئيس الوزراء أمام ضغوط داخلية لتأجيل الملف أو تجميده.

وعليه، لا يبدو الخلاف “العلني” خلافاً على مبدأ حصر السلاح بقدر ما هو خلاف على ترتيب الاستحقاقات وضماناتها. فواشنطن تربط توسيع الشراكة الأمنية بتقدم ملموس في ضبط السلاح، بينما تشترط الفصائل الرافضة للتسليم انسحاباً أميركياً كاملاً، لا مجرد إعادة انتشار أو انتقال إلى صيغة أمنية جديدة. وكل طرف يطالب بأن تسبق شروطه شروط الطرف الآخر.

في 30 أيلول، تواجه الدولة العراقية ثلاثة اختبارات مترابطة: إنهاء مهمة التحالف الدولي، وحصر السلاح بيدها، وإثبات قدرتها على حماية سيادتها ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة صراع.
ثانياً: ما الذي تغيّر فعلاً؟

منذ حزيران/يونيو، اتخذت ثلاث فصائل خطوات محدودة في هذا المسار. فقد أقامت سرايا السلام مراسم تسليم في سامراء في 4 حزيران/يونيو، فيما أعلنت عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي نقل إدارة ألويتهما داخل هيئة الحشد الشعبي إلى الحكومة، بإسناد من الإطار التنسيقي الذي فوّض رئيس الوزراء اتخاذ الإجراءات اللازمة.

لكن هذه الخطوات لم تشمل جميع الفصائل، ولا تعني تسليم السلاح نفسه. إذ ترفض ستة فصائل على الأقل المضي في نزع سلاحها، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، التي تُقدّر قوتها بين عشرة وخمسة عشر ألف مقاتل، وحركة النجباء، التي تُقدّر بين ثمانية وعشرة آلاف. وترتبط مواقفهما، كما تظهر تصريحات قياداتهما، باستمرار الوجود العسكري الأميركي وبمآلات الصراع الإقليمي، ولا سيما الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. وفي 3 آب/أغسطس، أصدرت كتائب حزب الله أول رفض علني صريح منذ تسارع هذا المسار، معلنة التزامها بتطوير قدراتها لا تسليمها.

وتحدد ثلاث ملاحظات أساسية طبيعة التقدم القائم:

أولاً، إن نقل “إدارة” الألوية داخل الحشد ترتيب إداري، لا تسليم للترسانة أو نزع للقدرة المسلحة. والخلط بين الأمرين يبالغ في تقدير ما تحقق حتى الآن.

ثانياً، لا يزال الملف بلا جدول تنفيذي معلن. فقد أكد ناطق عسكري في حزيران/يونيو أن المسار “غير مقيّد بجدول زمني محدد”، ما يجعل 30 أيلول/سبتمبر موعداً سياسياً أكثر منه خطة إجرائية مكتملة.

ثالثاً، لا تقتصر المشكلة على سلاح الفصائل. فالتقديرات المتداولة تشير إلى وجود نحو خمسة عشر مليون قطعة سلاح غير منضبطة في العراق، بينما لا يزال مشروع السجل الوطني للأسلحة في مرحلة التأسيس.

 ما تحقق حتى الآن هو إعادة ترتيب محدودة داخل الحشد، لا انتقال فعلي إلى احتكار الدولة للسلاح.
ثالثاً: ثلاث مسارات بعد 30 أيلول

السيناريو الأول: تسليم ودمج منظّمان – احتمال منخفض.

تسلّم الفصائل الرافضة سلاحها الثقيل والنوعي ضمن جرد موثّق، ويُدمج مقاتلوها بصورة فردية في القوات النظامية، فيما تنتقل قياداتها إلى العمل السياسي. وبالتوازي، يستقر التعاون مع واشنطن في إطار التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية، وفق الصيغة التي أُقرّت خلال زيارة تموز/يوليو.

يتطلب هذا المسار غطاءً إيرانياً واضحاً، وضمانات أمنية مكتوبة، وبرنامجاً مالياً واجتماعياً لاستيعاب المقاتلين. ولا تتوافر هذه الشروط اليوم بالقدر الكافي؛ إذ أحاط التكتم بمحادثات رئيس الوزراء العراقي في طهران، فيما أكدت الحكومة قبل الزيارة أن ملف حصر السلاح شأن سيادي عراقي لا يُناقش خارج بغداد، ولم تكشف البيانات الرسمية ما إذا كان قد أثير خلال اللقاءات المغلقة. ومؤشر تحقق هذا السيناريو هو إعلان جرد مشترك يتضمن مواعيد ومواقع وأرقاماً قابلة للتحقق.

السيناريو الثاني: تسوية جزئية تؤجل الحسم – الأرجح.

تُسلَّم أسلحة ثانوية أو رمزية، وتُستكمل ترتيبات إدارية لألوية قائمة داخل الحشد، ثم تعلن الحكومة في 30 أيلول/سبتمبر “إنجاز المرحلة الأولى”. أما السلاح النوعي، من صواريخ ومسيّرات، فيبقى خارج أي جرد معلن أو ضمن ترتيبات غامضة.

يمنح هذا المسار الحكومة إنجازاً سياسياً محدوداً، ويمنح الفصائل وقتاً إضافياً، ويُبقي الضغط الأميركي قائماً. ورجّح محللون عراقيون تمديد المهلة إلى ما بعد 30 أيلول/سبتمبر، وربما حتى نهاية العام، بسبب صعوبة إنجاز حصر السلاح ضمن المدة المحددة وتجنبًا للصدام مع الفصائل الرافضة. غير أن كلفته الأساسية تكمن في إعادة جدولة الأزمة بدلاً من حلّها، وفي استنزاف رصيد الدولة حين تعلن تقدماً لا تسنده إجراءات ملموسة. ومؤشره العملي خطاب رسمي عن “التدرج” و”المرحلة الأولى” من دون أرقام أو آليات منشورة.

السيناريو الثالث: رفض يفتح انقساماً أمنياً وسياسياً – احتمال متوسط ومتزايد في الأشهر التالية للموعد.

تمضي كتائب حزب الله والنجباء في رفض التسليم، فتواجه الدولة اختبار الإنفاذ، أو تتعرض مواقع الفصائل لضربات خارجية جديدة تردّ عليها من الأراضي العراقية، فتتجدد دائرة التصعيد. ولا يقتصر الخطر على المواجهة بين الدولة والفصائل، بل يمتد إلى الانقسام داخل البيت الشيعي؛ إذ قد تجد الفصائل التي قبلت ترتيبات الدولة نفسها أمام مصلحة مباشرة في عدم منح الرافضين تفوقاً عسكرياً وسياسياً.

وتكشف مطالبة حركة “صادقون” بضمانات فعلية قبل استكمال المسار، وانتقادها صمت الحكومة إزاء الضربات، عن بدايات هذا التوتر. ومؤشر هذا السيناريو اشتباك محدود بين قوة نظامية وفصيل مسلح، أو تراجع كتلة وازنة في الإطار التنسيقي عن دعم القرار.

الاختبار الحقيقي بعد 30 أيلول ليس إعلان النجاح، بل قدرة الدولة على تحويل حصر السلاح من تسوية مؤقتة إلى إجراء قابل للتحقق والإنفاذ.
رابعاً: حصر السلاح وإصلاح الحشد الشعبي

لا يختزل حصر السلاح في جرد القطع أو في مستوى تسليح الشرطة والقوات النظامية، بل يتصل بالغطاء السياسي والمؤسسي الذي يحول دون أن يصبح الحصر ترتيباً شكلياً بلا أثر فعلي. فإن بيان ائتلاف إدارة الدولة الصادر في 5 آب/أغسطس، الداعم لحصر السلاح ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، يمكن اعتباره رفعاً جزئياً للغطاء السياسي عن السلاح خارج الدولة. لكن أثره سيظل محدوداً ما لم يتبعه التزام علني ثابت من القوى الموقّعة، وآلية تمنع العودة إلى الخطاب الشعبوي أو تعطيل التنفيذ عند أول أزمة إقليمية.

ومن هنا، ينبغي أن يرتبط مفهوم الحصر بإصلاح بنيوي للحشد الشعبي، بوصفه المؤسسة الأكثر تعرضاً لتداعيات التداخل بين الدولة والفصائل والقصف الخارجي. وتحويله إلى مؤسسة وطنية منضبطة، تمنع استعمالها غطاءً لبنى مسلحة مستقلة. ويقتضي الإصلاح ضبط معايير اختيار القيادات وتجديدها، وفك الارتباط العملي بالسياقات الإيرانية في الاستشارة والتنسيق، ومراجعة دور شركة المهندس والوحدات التي تتجاوز حاجتها العملياتية الواضحة، ومنها القوة الجوية؛ وهي ملفات تتقاطع فيها الحاجة العراقية إلى السيادة الأمنية مع الاعتراضات الأميركية.

السيادة لا تُقاس بموعد معلن، بل بآلية واضحة تجعل السلاح خارج الدولة كلفةً لا مكسباً.
خلاصة

إن 30 أيلول/سبتمبر لن يحسم ملف السلاح خارج الدولة، لكنه سيكشف حدود الإرادة السياسية وقدرة الحكومة على الانتقال من التعهد إلى التنفيذ. المسار الأرجح هو تسوية جزئية تؤجل الحسم، ما لم تُقرن المهلة بجرد معلن، ودمج فردي، وضمانات متبادلة داخلية وخارجية، وغطاء سياسي متماسك لإصلاح الحشد ضمن المنظومة الأمنية. فالمطلوب ليس إعلاناً جديداً، بل آلية تجعل احتكار الدولة للسلاح واقعاً قابلاً للقياس والإنفاذ.

 

 

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

30 أيلول: اختبار الدولة أمام سلاح الفصائل

ملخّص تنفيذي

يتزامن 30 أيلول/ سبتمبر 2026 مع انتهاء المرحلة المتبقية من مهمة التحالف الدولي في العراق واستحقاق حصر السلاح بيد الدولة، لكنه لا يبدو موعداً كافياً لحسم الملف. فالعقدة الأساسية ليست مبدأ الحصر، بل ترتيب الشروط والضمانات بين بغداد وواشنطن من جهة، والفصائل الرافضة من جهة أخرى: فالحكومة وواشنطن تطلبان تقدماً ملموساً في ضبط السلاح، بينما تربط فصائل رافضة التسليم بانسحاب أميركي كامل وضمان السيادة العراقية.

وحتى الآن، لا يتجاوز التقدم ترتيبات إدارية جزئية داخل الحشد، من دون جرد معلن للسلاح النوعي أو جدول تنفيذي واضح. لذلك يرجّح المقال تسوية محدودة تؤجل الحسم، مع بقاء احتمال التصعيد والانقسام داخل البيت الشيعي قائماً. ويوصي بفصل الموعد القانوني عن التسليم المادي، وتصنيف السلاح وجرده بصورة قابلة للتحقق، ودمج الأفراد لا التشكيلات، وربط ذلك بخريطة طريق لإصلاح المنظومة الأمنية والحشد الشعبي، وبضمانات متبادلة داخلية وخارجية. فالسيادة لا تتحقق بإعلان سياسي، بل بآلية تدريجية قابلة للإنفاذ والمساءلة.

أولاً: 30 أيلول: موعد بثلاثة اختبارات

في 27 أيلول/سبتمبر 2024، اتفقت بغداد وواشنطن على جدول مرحلي لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. تنتهي مرحلته الأولى في أيلول/سبتمبر 2025، مع سحب قوات التحالف وتسليم قواعده والانتقال إلى إطار تعاون أمني ثنائي؛ فيما تمتد المرحلة الثانية حتى أيلول/سبتمبر 2026، لاستمرار المهمة المرتبطة بسوريا انطلاقاً من منصة في إقليم كردستان. وأعلن العراق في كانون الثاني/يناير 2026 اكتمال المرحلة الأولى، فيما ثبّتت وزارة الحرب الأميركية، في 15 تموز/يوليو، موعد 30 أيلول نهايةً لهذه المرحلة الثانية، عقب لقاء وزيرها برئيس الوزراء العراقي في البيت الأبيض.

وعلى المسار الداخلي، أبلغت الحكومة الجماعات المسلحة بأن 30 أيلول/سبتمبر يمثل نهاية ملف السلاح خارج إطار الدولة؛ إذ قال الناطق باسمها حيدر العبودي، في 29 حزيران/يونيو، إن ما يبقى بعد هذا التاريخ سيصبح “خاضعا للمعالجة القانونية”. وكرّر رئيس الوزراء علي الزيدي، من واشنطن في 14 تموز/يوليو، أن حصر السلاح بند “غير قابل للنقاش” في برنامجه الحكومي، وهي لغة عززها رئيس الجمهورية نزار آميدي بتأكيده أن القرار “لا رجعة فيه”.

لكن هذا التزامن، الذي يمكن قراءته بوصفه محاولة لربط انتقال المهمة الأمنية بتقدم ملف حصر السلاح، زاد تعقيد الحسابات السياسية. ففي 28 تموز/يوليو، نفذت القيادة المركزية الأميركية ووزارة الدفاع السعودية ضربات مشتركة على مواقع لوجستية ومخازن سلاح لفصائل موالية لإيران داخل العراق، رداً على هجمات استهدفت منشآت نفطية سعودية وانطلقت من الأراضي العراقية. أدانت بغداد الضربات ونفت علمها المسبق بها، خلافاً لما أعلنه الرئيس الأميركي. ومنحت الحادثة الفصائل وحلفاءها فرصة لتعزيز حجتهم القائلة إن الدولة لا تستطيع المطالبة بتسليم السلاح ما لم تثبت قدرتها على حماية أراضيها ومنع الضربات الخارجية. كما وضعت رئيس الوزراء أمام ضغوط داخلية لتأجيل الملف أو تجميده.

وعليه، لا يبدو الخلاف “العلني” خلافاً على مبدأ حصر السلاح بقدر ما هو خلاف على ترتيب الاستحقاقات وضماناتها. فواشنطن تربط توسيع الشراكة الأمنية بتقدم ملموس في ضبط السلاح، بينما تشترط الفصائل الرافضة للتسليم انسحاباً أميركياً كاملاً، لا مجرد إعادة انتشار أو انتقال إلى صيغة أمنية جديدة. وكل طرف يطالب بأن تسبق شروطه شروط الطرف الآخر.

في 30 أيلول، تواجه الدولة العراقية ثلاثة اختبارات مترابطة: إنهاء مهمة التحالف الدولي، وحصر السلاح بيدها، وإثبات قدرتها على حماية سيادتها ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة صراع.
ثانياً: ما الذي تغيّر فعلاً؟

منذ حزيران/يونيو، اتخذت ثلاث فصائل خطوات محدودة في هذا المسار. فقد أقامت سرايا السلام مراسم تسليم في سامراء في 4 حزيران/يونيو، فيما أعلنت عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي نقل إدارة ألويتهما داخل هيئة الحشد الشعبي إلى الحكومة، بإسناد من الإطار التنسيقي الذي فوّض رئيس الوزراء اتخاذ الإجراءات اللازمة.

لكن هذه الخطوات لم تشمل جميع الفصائل، ولا تعني تسليم السلاح نفسه. إذ ترفض ستة فصائل على الأقل المضي في نزع سلاحها، وفي مقدمتها كتائب حزب الله، التي تُقدّر قوتها بين عشرة وخمسة عشر ألف مقاتل، وحركة النجباء، التي تُقدّر بين ثمانية وعشرة آلاف. وترتبط مواقفهما، كما تظهر تصريحات قياداتهما، باستمرار الوجود العسكري الأميركي وبمآلات الصراع الإقليمي، ولا سيما الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. وفي 3 آب/أغسطس، أصدرت كتائب حزب الله أول رفض علني صريح منذ تسارع هذا المسار، معلنة التزامها بتطوير قدراتها لا تسليمها.

وتحدد ثلاث ملاحظات أساسية طبيعة التقدم القائم:

أولاً، إن نقل “إدارة” الألوية داخل الحشد ترتيب إداري، لا تسليم للترسانة أو نزع للقدرة المسلحة. والخلط بين الأمرين يبالغ في تقدير ما تحقق حتى الآن.

ثانياً، لا يزال الملف بلا جدول تنفيذي معلن. فقد أكد ناطق عسكري في حزيران/يونيو أن المسار “غير مقيّد بجدول زمني محدد”، ما يجعل 30 أيلول/سبتمبر موعداً سياسياً أكثر منه خطة إجرائية مكتملة.

ثالثاً، لا تقتصر المشكلة على سلاح الفصائل. فالتقديرات المتداولة تشير إلى وجود نحو خمسة عشر مليون قطعة سلاح غير منضبطة في العراق، بينما لا يزال مشروع السجل الوطني للأسلحة في مرحلة التأسيس.

 ما تحقق حتى الآن هو إعادة ترتيب محدودة داخل الحشد، لا انتقال فعلي إلى احتكار الدولة للسلاح.
ثالثاً: ثلاث مسارات بعد 30 أيلول

السيناريو الأول: تسليم ودمج منظّمان – احتمال منخفض.

تسلّم الفصائل الرافضة سلاحها الثقيل والنوعي ضمن جرد موثّق، ويُدمج مقاتلوها بصورة فردية في القوات النظامية، فيما تنتقل قياداتها إلى العمل السياسي. وبالتوازي، يستقر التعاون مع واشنطن في إطار التدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية، وفق الصيغة التي أُقرّت خلال زيارة تموز/يوليو.

يتطلب هذا المسار غطاءً إيرانياً واضحاً، وضمانات أمنية مكتوبة، وبرنامجاً مالياً واجتماعياً لاستيعاب المقاتلين. ولا تتوافر هذه الشروط اليوم بالقدر الكافي؛ إذ أحاط التكتم بمحادثات رئيس الوزراء العراقي في طهران، فيما أكدت الحكومة قبل الزيارة أن ملف حصر السلاح شأن سيادي عراقي لا يُناقش خارج بغداد، ولم تكشف البيانات الرسمية ما إذا كان قد أثير خلال اللقاءات المغلقة. ومؤشر تحقق هذا السيناريو هو إعلان جرد مشترك يتضمن مواعيد ومواقع وأرقاماً قابلة للتحقق.

السيناريو الثاني: تسوية جزئية تؤجل الحسم – الأرجح.

تُسلَّم أسلحة ثانوية أو رمزية، وتُستكمل ترتيبات إدارية لألوية قائمة داخل الحشد، ثم تعلن الحكومة في 30 أيلول/سبتمبر “إنجاز المرحلة الأولى”. أما السلاح النوعي، من صواريخ ومسيّرات، فيبقى خارج أي جرد معلن أو ضمن ترتيبات غامضة.

يمنح هذا المسار الحكومة إنجازاً سياسياً محدوداً، ويمنح الفصائل وقتاً إضافياً، ويُبقي الضغط الأميركي قائماً. ورجّح محللون عراقيون تمديد المهلة إلى ما بعد 30 أيلول/سبتمبر، وربما حتى نهاية العام، بسبب صعوبة إنجاز حصر السلاح ضمن المدة المحددة وتجنبًا للصدام مع الفصائل الرافضة. غير أن كلفته الأساسية تكمن في إعادة جدولة الأزمة بدلاً من حلّها، وفي استنزاف رصيد الدولة حين تعلن تقدماً لا تسنده إجراءات ملموسة. ومؤشره العملي خطاب رسمي عن “التدرج” و”المرحلة الأولى” من دون أرقام أو آليات منشورة.

السيناريو الثالث: رفض يفتح انقساماً أمنياً وسياسياً – احتمال متوسط ومتزايد في الأشهر التالية للموعد.

تمضي كتائب حزب الله والنجباء في رفض التسليم، فتواجه الدولة اختبار الإنفاذ، أو تتعرض مواقع الفصائل لضربات خارجية جديدة تردّ عليها من الأراضي العراقية، فتتجدد دائرة التصعيد. ولا يقتصر الخطر على المواجهة بين الدولة والفصائل، بل يمتد إلى الانقسام داخل البيت الشيعي؛ إذ قد تجد الفصائل التي قبلت ترتيبات الدولة نفسها أمام مصلحة مباشرة في عدم منح الرافضين تفوقاً عسكرياً وسياسياً.

وتكشف مطالبة حركة “صادقون” بضمانات فعلية قبل استكمال المسار، وانتقادها صمت الحكومة إزاء الضربات، عن بدايات هذا التوتر. ومؤشر هذا السيناريو اشتباك محدود بين قوة نظامية وفصيل مسلح، أو تراجع كتلة وازنة في الإطار التنسيقي عن دعم القرار.

الاختبار الحقيقي بعد 30 أيلول ليس إعلان النجاح، بل قدرة الدولة على تحويل حصر السلاح من تسوية مؤقتة إلى إجراء قابل للتحقق والإنفاذ.
رابعاً: حصر السلاح وإصلاح الحشد الشعبي

لا يختزل حصر السلاح في جرد القطع أو في مستوى تسليح الشرطة والقوات النظامية، بل يتصل بالغطاء السياسي والمؤسسي الذي يحول دون أن يصبح الحصر ترتيباً شكلياً بلا أثر فعلي. فإن بيان ائتلاف إدارة الدولة الصادر في 5 آب/أغسطس، الداعم لحصر السلاح ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار، يمكن اعتباره رفعاً جزئياً للغطاء السياسي عن السلاح خارج الدولة. لكن أثره سيظل محدوداً ما لم يتبعه التزام علني ثابت من القوى الموقّعة، وآلية تمنع العودة إلى الخطاب الشعبوي أو تعطيل التنفيذ عند أول أزمة إقليمية.

ومن هنا، ينبغي أن يرتبط مفهوم الحصر بإصلاح بنيوي للحشد الشعبي، بوصفه المؤسسة الأكثر تعرضاً لتداعيات التداخل بين الدولة والفصائل والقصف الخارجي. وتحويله إلى مؤسسة وطنية منضبطة، تمنع استعمالها غطاءً لبنى مسلحة مستقلة. ويقتضي الإصلاح ضبط معايير اختيار القيادات وتجديدها، وفك الارتباط العملي بالسياقات الإيرانية في الاستشارة والتنسيق، ومراجعة دور شركة المهندس والوحدات التي تتجاوز حاجتها العملياتية الواضحة، ومنها القوة الجوية؛ وهي ملفات تتقاطع فيها الحاجة العراقية إلى السيادة الأمنية مع الاعتراضات الأميركية.

السيادة لا تُقاس بموعد معلن، بل بآلية واضحة تجعل السلاح خارج الدولة كلفةً لا مكسباً.
خلاصة

إن 30 أيلول/سبتمبر لن يحسم ملف السلاح خارج الدولة، لكنه سيكشف حدود الإرادة السياسية وقدرة الحكومة على الانتقال من التعهد إلى التنفيذ. المسار الأرجح هو تسوية جزئية تؤجل الحسم، ما لم تُقرن المهلة بجرد معلن، ودمج فردي، وضمانات متبادلة داخلية وخارجية، وغطاء سياسي متماسك لإصلاح الحشد ضمن المنظومة الأمنية. فالمطلوب ليس إعلاناً جديداً، بل آلية تجعل احتكار الدولة للسلاح واقعاً قابلاً للقياس والإنفاذ.

 

 

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025