مدخل: تريليون دولار بلا احتياط
بين عامي 1927 و2003، حقق العراق نحو 283 مليار دولار من الإيرادات النفطية. وبين عامي 2003 و2022 وحدهما، بلغت هذه الإيرادات قرابة 1,310 مليارات دولار، وفق تقدير عصام الجلبي، الذي شغل منصب وزير النفط بين عامي 1987 و1990.
هذه أرقام اسمية غير معدّلة وفق التضخم، كما أنها لا تستند إلى سلسلة متصلة من الحسابات الحكومية المدققة. ومع ذلك، لا خلاف على ضخامة المبالغ. ومع ذلك، عندما اضطربت الملاحة في مضيق هرمز في ربيع 2026، تراجعت صادرات النفط من نحو 93-100 مليون برميل شهرياً إلى 9,884,130 برميلاً في نيسان/أبريل، وفق الأرقام النهائية لشركة تسويق النفط العراقية «سومو»، وانخفضت الإيرادات الشهرية من نحو 9.2 تريليون دينار إلى قرابة 1.4 تريليون.
يتوقف تقدير حجم الفجوة الناجمة عن ذلك على المعيار المعتمد في القياس. فقد قدّر المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، فجوة التمويل الشهرية بنحو 12.5 تريليون دينار، أو 9.5 مليارات دولار، قياساً بالإنفاق المرصود كاملاً في الموازنة. أما عند احتسابها على أساس التنفيذ الفعلي، فينخفض الرقم؛ إذ بلغ متوسط الإنفاق خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 نحو 9.4 تريليون دينار شهرياً، فيما قدّر وزير المالية فالح الساري العجز المتعلق بالرواتب وحدها بنحو 5 تريليونات دينار شهرياً. ووصف محافظ البنك المركزي، علي محسن العلاق، الوضع بأنه لم يعد عجزاً على الورق، بل أصبح عجزاً فعلياً ومزمناً.
وعلى الرغم من تحصيل العراق أكثر من تريليون دولار خلال عشرين عاماً، لم يكن لديه احتياطي مخصص يمكن اللجوء إليه عند توقف الإيرادات. والأساس القانوني للادخار قائم بالفعل؛ إذ تنص المادة 19/ثانياً من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 على تخصيص الإيرادات الفائضة، بعد تغطية أي عجز، في «صندوق سيادي». إلا أن نشر القانون في 5 آب/أغسطس 2019 لم يتبعه إنشاء مؤسسة تتولى تطبيق هذا النص.
لم تعد المسألة، إذاً، تتعلق بما إذا كان ينبغي للعراق إنشاء صندوق سيادي؛ فالقاعدة القانونية موجودة، كما أُعلن عن الصندوق. إنما يتمثل التحدي في بناء مؤسسة فاعلة. فمن دون إدارة مالية منضبطة وحوكمة قابلة للإنفاذ، لن يكون الصندوق أداة للادخار الحقيقي، بل مجرد وسيلة لنقل الإنفاق إلى مجال أقل خضوعاً للرقابة.
على الرغم من ضخامة الإيرادات النفطية ووجود إطار قانوني للادخار، لم ينشئ العراق مؤسسة فاعلة. وقد انكشفت هذه الهشاشة المالية بوضوح عندما تعطلت الصادرات.
أولاً: قاعدة ناقصة وتنفيذ غائب
لا تقتصر مشكلة النص الوارد في قانون 2019 على عدم تنفيذه، بل تمتد إلى نقصه في ذاته؛ فهو لا ينشئ صندوقاً، ولا ينظم الحوكمة أو السياسة الاستثمارية أو قواعد السحب. كذلك، يربط الادخار بتحقق فائض خلال سنة مالية واحدة، وهو شرط نادر في ظل بنية الإنفاق العراقية. والأهم من ذلك أن القانون نفسه يُلزم بإدخال جميع إيرادات النفط والغاز في الموازنة العامة وإيداعها في الخزينة العامة. ولذلك، فإن أي اقتطاع من المنبع، قبل دخول الإيرادات في دورة الإنفاق، يستلزم تعديل القانون أو مواءمة الصندوق معه؛ إذ لا يكفي سنّ قانون مستقل إلى جانبه.
يرتبط عدم تنفيذ النص ببنية الإنفاق في العراق. فرواتب الموظفين والمتقاعدين تشكّل نحو نصف الإنفاق العام، فيما موّل النفط أكثر من 92 في المئة من موارد الموازنة خلال النصف الأول من عام 2025. وفي هذا السياق، لا يمثّل الفائض ما يتبقى بعد تلبية احتياجات الإنفاق، بل ما يتعذر إنفاقه أكثر. وعندما أُغلق ممر التصدير، لم تكن لدى الخزينة أصول مخصصة يمكن تسييلها، فاتجهت الدولة إلى زيادة الاقتراض الداخلي والتوسع النقدي. وبحلول أيار/مايو 2026، بلغ الدين الداخلي مستوى قياسياً قدره 103 تريليونات دينار، منها نحو 8 تريليونات اقترضت في نيسان/أبريل وحده. ويتوقع المحلل محمود داغر ارتفاع الدين إلى ما بين 130 و140 تريليون دينار إذا استمرت الأزمة. وهكذا، لم يوفر غياب المدخرات أي حماية، وحوّل الاقتطاع الذي كان مقرراً إلى التزام مؤجل ومحمّل بالفوائد.
بسبب نقص قاعدة عام 2019 وعدم إنفاذها، اعتمد العراق خلال الأزمة على الاقتراض والتوسع النقدي بدلاً من الاستناد إلى مدخرات سابقة.
ثانياً: ثروة لم تتراكم
لو اقتطع العراق 10% فقط من إيراداته النفطية بين عامي 2003 و2022، لبلغ إجمالي المبالغ المحوّلة إلى الصندوق نحو 131 مليار دولار، قبل احتساب أي عوائد استثمارية. ونظراً إلى تركز هذه الإيرادات بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة من تلك المدة، لبلغ متوسط مدة استثمار المساهمات نحو أحد عشر عاماً، لا عشرين عاماً. وباحتساب عائد اسمي متحفظ قدره 5% سنوياً، كانت قيمة المحفظة ستبلغ اليوم نحو 225 مليار دولار؛ أما باحتساب العائد السنوي البالغ 6.86%، الذي حققه صندوق التقاعد الحكومي النرويجي العالمي منذ عام 1998، لاقتربت قيمتها من 270 مليار دولار.
هذا مثال توضيحي قائم على افتراضات معلنة، وليس تقديراً مدققاً. ذلك أن اقتطاع نسبة ثابتة قدرها 10% خلال سنوات العجز كان سيعني أن الادخار نفسه مموّل بالدين، وهو ما يجادل القسم الخامس من هذه الورقة بعدم جدواه. أما تطبيق قاعدة منضبطة للادخار، فكان سيؤدي إلى تراكم مبلغ أقل، لكن من دون كلفة اقتراض.
وحتى عند مستوى 225 مليار دولار، كانت المحفظة ستغطي نحو سنتين وفق أوسع تقدير للفجوة الشهرية الحالية، وما يقارب أربع سنوات وفق أضيق تقدير لها. غير أن المبلغ المتاح فعلياً للسحب كان سيقتصر على محفظة الاستقرار ويخضع لقواعدها، لا أن يشمل الصندوق بأكمله؛ لأن أموال الأجيال ليست مخصصة للإنفاق الحالي. وإذا وُزّع المبلغ حسابياً على 46,118,793 نسمة، وهو عدد سكان العراق المسجل في تعداد عام 2024، لبلغ نصيب الفرد الحسابي نحو 4,900 دولار. غير أن هذا الرقم لا يحمل دلالة كبيرة ما لم يُقارن بنصيب كل مواطن من الدين العام، وهي نقطة ستعود إليها الورقة لاحقاً.
كان من شأن اقتطاع متواضع من الإيرادات النفطية أن ينشئ محفظة كبيرة، لكن قيمتها وجدواها تعتمدان كلياً على الافتراضات الأساسية وسياسات السحب.
ثالثاً: فكرة تُعلَن ولا تتحول إلى مؤسسة
في آب/أغسطس 2021، شدد رئيس الوزراء آنذاك مصطفى الكاظمي على أهمية وضع الأسس لإنشاء «صندوق الأجيال». وفي شباط/فبراير 2025، أوضح مستشار رئيس الوزراء عامر العضاض أن إنشاء أي صندوق سيادي يتطلب تشريعاً من مجلس النواب، وأن ما طُرح سابقاً لم يتجاوز حديثاً إعلامياً. ويلخص هذا الوصف أصل المشكلة؛ إذ تظل الفكرة تُقدَّم بوصفها مشروعاً لرئيس الوزراء، لا مؤسسة دائمة من مؤسسات الدولة، ولذلك تنتهي بانتهاء ولايته.
يتكرر هذا النمط اليوم على نطاق أوسع. ففي حزيران/يونيو 2026، أعلن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إنشاء «صندوق الطاقة والتنمية»، على أن يُموّل في البداية بإيرادات تعادل 500 ألف برميل يومياً، مع إمكانية رفعها إلى مليوني برميل يومياً، وربما تشغيله خارج قيود حصص منظمة أوبك. وكان من المقرر إيداع حساباته لدى مؤسسات مصرفية أميركية كبرى، وتوظيف موارده عبر اتفاقيات مع شركات أميركية في قطاعي الكهرباء والبنية التحتية، مع توقع أن يحشد الصندوق نحو 400 مليار دولار خلال ثلاثة عقود. وجاء الإعلان ضمن حزمة من الاتفاقيات ومذكرة تفاهم وُقعت مع الجانب الأميركي في تموز/يوليو 2026، من دون نشر نص رسمي يؤكد أن الصندوق كان جزءاً من تلك الحزمة.
وبحلول الأول من تموز/يوليو، كان تصميم الصندوق قد تغير بالفعل؛ إذ قال الزيدي إنه سيكون مدعوماً من البنك المركزي العراقي، وسيُطرح للاكتتاب العام، ويُفتح أمام مشاركة السعودية والإمارات وقطر، إلى جانب الصناديق والمصارف الأميركية والأوروبية. والكيان الذي يتغير شكله مرتين خلال أسبوعين هو تحديداً من النوع الذي يحتاج إلى قانون، لا إلى إعلان.
تسبق تقييم المشروع مسألتان. تتعلق الأولى بالطبيعة القانونية، لا بمكان إيداع الأموال. فمنذ عام 2003، تُحفظ إيرادات النفط العراقي، وفق الترتيبات القائمة، لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ويمنح هذا الترتيب واشنطن نفوذاً عملياً على نقطة اختناق مالية شديدة الأهمية، مع بقاء الحساب ملكية سيادية عراقية. ومن ثم، فإن فتح حسابات إضافية في الولايات المتحدة لا ينشئ، في ذاته، تبعية جديدة. أما العنصر الجديد فهو الطبيعة القانونية للكيان؛ فالصندوق الذي يستثمر في مشروعات تنفذها شركات أميركية ليس مجرد حساب لتلقي الإيرادات، بل يثير أسئلة لم تكن الترتيبات القائمة مطالبة بالإجابة عنها: من يملك الحساب؟ ومن يحتفظ بالأصول؟ وبأي شروط يمكن نقلها؟ وما الحصانات التي تتمتع بها؟ ومن يملك صلاحية إصدار أوامر الصرف؟
أما المسألة الثانية، فهي أن العراق يمتلك بالفعل مؤسسة تنموية. فقد أُنشئ صندوق العراق للتنمية بموجب النظام رقم 3 لسنة 2023، وكُلّف بتنمية الموارد غير النفطية، وجذب رؤوس الأموال، وبناء شراكات مع القطاع الخاص. ومن شأن إنشاء نافذة تنموية ثانية إلى جانبه أن يعرّض العراق لازدواج مؤسسي قبل أن يتحقق أي ادخار فعلي.
تستمر مبادرات الصناديق في الظهور بوصفها مشروعات حكومية مؤقتة، فيما يثير المقترح الأخير تساؤلات بشأن بنيته القانونية واحتمال تداخل اختصاصاته مع صندوق العراق للتنمية.
رابعاً: ثلاثة نماذج خليجية
النموذج الكويتي: ألزم المرسوم بقانون رقم 106 لسنة 1976 بتحويل ما لا يقل عن 10% من الإيرادات العامة سنوياً إلى صندوق احتياطي الأجيال القادمة. لكن القانون رقم 18 لسنة 2020 حوّل هذا الاقتطاع الإلزامي إلى اقتطاع مشروط بتحقق فائض، بناءً على اقتراح الوزير المختص. وقد أُقر القانون في وقت كانت فيه سيولة صندوق الاحتياطي العام قد تراجعت إلى نحو ملياري دينار، مقابل سحوبات شهرية بلغت قرابة 1.7 مليار دينار. ولم تُلغَ قاعدة الادخار بقرار صريح، بل أُفرغت من مضمونها عبر تعديل تشريعي هادئ أُقر في لحظة عجز مالي. والدرس هنا ليس أن ربط الادخار بتحقق الفائض أمر خاطئ؛ فهذه الورقة توصي به. إنما الدرس أن إجراءات تعديل القاعدة، لا صيغتها، هي ما يحتاج إلى التحصين.
النموذج الإماراتي: تقدم الإمارات، وأبوظبي على وجه الخصوص، درساً في فصل الوظائف، وإن لم يكن هذا الفصل مطلقاً. يدير جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA) رأس المال الحكومي من خلال محفظة عالمية متنوعة ذات أفق طويل الأجل، بهدف تحقيق عوائد مالية مستدامة. وفي المقابل، تجمع شركة مبادلة بين تحقيق العوائد المالية والاستثمارات الاستراتيجية في القطاعات التي تنوّع اقتصاد أبوظبي وتسهم في بناء شركات وطنية وصناعات جديدة داخل الدولة وخارجها. وهكذا، لا تتحمل مؤسسة واحدة مهمتي حفظ الثروة وتمويل التحول الاقتصادي معاً، بل تتوزع الوظيفتان بين مؤسسات منفصلة ذات تفويضات وأولويات مختلفة. ويحد هذا الفصل من تعارض الأهداف، ويحمي مدخرات الأجيال من ضغوط الإنفاق المحلي وسياسات المحاصصة، ويمنع ازدواجية العمل.
النموذج السعودي: يتبع صندوق الاستثمارات العامة نهجاً معاكساً، إذ يجمع أدوار الاستثمار والتنمية والوظائف شبه المالية ضمن محفظة واحدة. وتقر استراتيجيته المعلنة للمدة 2026-2030 بصعوبة الموازنة بين الأثر التنموي والعائد المالي، وتعتمد استجابة لذلك نماذج تقييم مزدوجة. وقد تستطيع دولة تتمتع بانضباط مالي راسخ استيعاب هذا التعقيد، لكن دولة لا تزال في طور بناء منظومة الحوكمة ستواجه صعوبة في ذلك.
ولا يقتصر هذا الاستنتاج على دول الخليج. ففي تموز/يوليو 2026، رأى صندوق النقد الدولي أن الفصل القانوني، سواء من خلال صناديق مستقلة أم نوافذ منفصلة ومحصّنة قانونياً، هو النهج الأفضل لتحقيق تفويضات متمايزة، مستشهداً بـهيئة الاستثمار السيادية النيجيرية بوصفها نموذجاً.
تُظهر الكويت كيف يمكن أن تتآكل قاعدة الادخار بمرور الوقت، فيما يوضح النموذجان الإماراتي والسعودي أثر فصل التفويضات أو دمجها في الحوكمة والمساءلة.
خامساً: القاعدة المالية قبل الصندوق
ينطلق النهج البديل من ملاحظة حاكمة: الصندوق لا يصنع فائضاً. وما لم تسبقه قاعدة مالية تقيّد الإنفاق الجاري وفاتورة أجور القطاع العام، وتحدد معياراً واضحاً للعجز غير النفطي، فسيتحول إلى منفذ جديد لاقتراض الدولة وإنفاقها. ومن هذه الملاحظة تنبثق خمس ركائز:
- قاعدة ادخار مركّبة، لا نسبة ثابتة في أثناء العجز. يعني الاقتطاع بنسبة ثابتة في ظل عجز مزمن، عملياً، الاقتراض من أجل الادخار؛ أي توظيف الأموال بعائد منخفض مع تحمّل دين أعلى كلفة. وقد وثّق صندوق النقد الدولي هذه الحالة في غانا، التي ادخرت نحو 500 مليون دولار في صندوقين سياديين بين عامي 2012 و2014، في الوقت الذي اقترضت فيه قرابة 7 مليارات دولار بأسعار فائدة تجاوزت عوائد الصندوقين بنحو خمس نقاط مئوية. وأظهرت الغابون النمط نفسه، إذ أودعت أموالها بعوائد منخفضة، بينما دفعت فوائد أعلى على ديونها الخارجية، وفق دراسة «إطار مالي جديد للبلدان الغنية بالموارد». والبديل هو قاعدة من ثلاث خطوات: لا يتم التحويل إلا عند تجاوز السعر المرجعي للنفط أو تحقيق فائض في الرصيد الهيكلي المعلن؛ ثم تُسدّد المتأخرات والديون مرتفعة الكلفة أولاً؛ وبعد ذلك يُحوّل الفائض المتبقي إلى النوافذ المخصصة.
- نافذتان، لا ثلاث. نافذة للاستقرار وأخرى للأجيال، منفصلتان قانونياً، ولكل منهما تفويضها وقاعدة السحب الخاصة بها ومعيار مستقل لقياس أدائها. أما الوظيفة التنموية، فتبقى من اختصاص صندوق العراق للتنمية بعد إصلاحه، منعاً للازدواجية. وتحقق النرويج الاستقرار من خلال إطارها المالي، لا بواسطة صندوق ثانٍ؛ إذ ينبغي، على المدى الطويل، ألا يتجاوز العجز الهيكلي غير النفطي العائد الحقيقي المتوقع للصندوق، والمقدر بنحو 3 في المئة. ويحتاج العراق إلى صيغة أكثر صرامة، تتمثل في الفصل والتحصين القانونيين، لأن مستوى الانضباط المالي فيه لا يكفي وحده لإسناد مثل هذا الإطار.
- تسلسل واقعي. تتمثل الأولوية الفورية في إقرار القانون وبناء منظومة الحوكمة، مع حظر صريح للادخار المموّل بالدين. وبعد تعافي الإيرادات، ينبغي بناء احتياطي للاستقرار يغطي ما بين ثلاثة وستة أشهر من النفقات الأساسية. وفي مرحلة لاحقة فقط، تُحوّل الفوائض الهيكلية إلى صندوق للأجيال تُستثمر أمواله حصراً في الخارج، لحمايته من سياسات المحاصصة ومن تركز المخاطر داخل الاقتصاد نفسه الذي أُنشئ الصندوق لحمايته.
- الاندماج في الموازنة، لا الإفلات منها. يجب أن تمر جميع الإيرادات عبر الخزينة والحسابات الرسمية، وأن يظهر كل تحويل وسحب في قانون الموازنة والحساب الختامي. ويمثّل ذلك الضمانة الأساسية لمنع نشوء موازنة ظل، كما يضمن مواءمة الصندوق مع قانون 2019 بدلاً من وضعه في تعارض معه.
- الحماية من التعديل الهادئ. لا يستطيع قانون عادي منع برلمان لاحق من تعديله بأغلبية بسيطة؛ ولذلك فإن اشتراط أغلبية موصوفة يمثل ضمانة سياسية أكثر منه حماية قانونية قابلة للإنفاذ. أما الضمانات الإجرائية فهي أكثر فاعلية، ومنها: فرض مدة إلزامية بين طرح التعديل والتصويت عليه، ونشر تقييم مالي مستقل، وإجراء التصويت في جلستين منفصلتين، وحظر تمرير التعديلات عبر إدراجها في قانون الموازنة، إلى جانب النظر في تحصين القاعدة دستورياً في مرحلة لاحقة.
ولا يمكن إغفال بُعدين إضافيين. الأول اتحادي؛ إذ ينبغي أن يحدد القانون علاقة الصندوق بإقليم كردستان والمحافظات المنتجة وفقاً للمادتين 111 و112 من الدستور، بدلاً من الاكتفاء بصيغة عامة للملكية المشتركة. أما البُعد الثاني، فهو أن المرونة المطلوبة ليست مالية فحسب. فقد أظهرت أزمة مضيق هرمز أن الصندوق يستطيع تعويض انقطاع الإيرادات، لكنه لا يستطيع معالجة توقف الصادرات. ولذلك، يجب أن يسير تنويع منافذ التصدير وبناء مخزونات استراتيجية ومسارات بديلة بالتوازي مع إنشاء الصندوق.
يربط النهج البديل الصندوق بقاعدة مالية، ويفصل بين الاستقرار ومدخرات الأجيال، ويدمجه في الموازنة، ويعزز الضمانات الإجرائية، ويعالج الترتيبات الاتحادية، وينوّع منافذ التصدير.
سادساً: من الريع إلى الملكية المشتركة
تتنازع الكتل والمحافظات على الإيرادات النفطية في المفاوضات السنوية، ويشكّل هذا التنازع أحد محركات الانقسام القائم على الهوية. ومن شأن تحويل جزء من هذه الإيرادات إلى أصل مملوك للجميع بالتساوي أن يغيّر طبيعة العلاقة بالثروة نفسها؛ من حصة تُقسّم كل عام إلى ملكية مشتركة لا تُوزع سنوياً ولا تخضع للمساومات الدورية.
يمكن تجسيد هذه الفكرة عملياً من خلال نشر النصيب الحسابي السنوي للفرد من صافي الثروة السيادية. والمقصود هنا قسمة حسابية تحديداً، لا حساباً شخصياً أو حقاً قابلاً للسحب. فتبلغ قيمة صندوق النرويج نحو أربعة ملايين كرونة لكل مقيم مسجل، لكن هذا الرقم يُستخدم مؤشراً تقديرياً، لا رصيداً فردياً. وينبغي نشره إلى جانب نصيب الفرد من الدين العام؛ لأن عرض الأصول بمعزل عن الالتزامات يقدم صورة مضللة عن صافي الثروة.
ويبقى الأثر السياسي احتمالاً، لا نتيجة مضمونة؛ فهو يعتمد على الشفافية، وبناء ثقة عامة راسخة، والتمثيل العادل في إدارة الصندوق. وإذا تحققت هذه الشروط، فقد يعالج الصندوق مسألة لا تكشفها الأرقام وحدها: فالبرميل المستخرج اليوم هو أيضاً ملك للعراقي الذي سيولد بعد ثلاثين عاماً، ولا يوجد مبرر أخلاقي أو اقتصادي لاستهلاك جيل واحد القيمة الكاملة لمورد ناضب.
يمكن للصندوق أن يحوّل جزءاً من الريع إلى ملكية وطنية مشتركة، لكن أثره السياسي يعتمد على الشفافية والثقة العامة والتمثيل العادل.
التوصيات
أولاً، اعتماد قاعدة مالية قبل إنشاء الصندوق، تتضمن سقفاً لنمو الإنفاق الجاري وفاتورة أجور القطاع العام، ومعياراً معلناً للعجز غير النفطي.
ثانياً، تشريع قانون خاص بالصندوق عبر مجلس النواب، ينسجم مع قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019، ويحدد تفويض الصندوق ومصدر تمويله وقواعد الإيداع فيه والسحب منه، قبل إيداع أي أموال إضافية فيه. وإذا مضى إنشاء الصندوق قبل صدور هذا القانون، فينبغي، في الحد الأدنى، منعه من تلقي إيرادات نفطية مقتطعة إلى حين دخول القانون حيز النفاذ.
ثالثاً، اعتماد قاعدة ادخار مركّبة تستند إلى الفائض أو الريع الاستثنائي، بدلاً من اقتطاع نسبة ثابتة في أثناء العجز، مع إعطاء الأولوية لتسوية المتأخرات والديون مرتفعة الكلفة.
رابعاً، الفصل قانونياً بين نافذتي الاستقرار والأجيال، وحصر هيكل الصندوق بهما، مع إبقاء الوظيفة التنموية لدى صندوق العراق للتنمية بعد إصلاحه، وتحديد علاقة الصندوق بإقليم كردستان والمحافظات المنتجة وفقاً للمادتين 111 و112 من الدستور.
خامساً، دمج الصندوق في الموازنة والحساب الختامي، وإخضاعه لرقابة ديوان الرقابة المالية الاتحادي ولتدقيق خارجي مستقل، وحظر الاقتراض بضمان أصوله من دون موافقة تشريعية، واعتماد الضمانات الإجرائية التي تحميه من التعديل الهادئ.
سادساً، نشر النصيب الحسابي للفرد من صافي الثروة السيادية إلى جانب نصيبه من الدين العام، والعمل بالتوازي على تنويع منافذ التصدير؛ لأن الصندوق يعوّض انقطاع الإيرادات، لا توقف الصادرات.
تتطلب فاعلية الصندوق قاعدة مالية منضبطة، وفصلاً واضحاً بين الوظائف، واندماجاً كاملاً في الموازنة، ورقابة مستقلة، ومعالجة متوازية لهشاشة مسارات التصدير العراقية.
خلاصة
كشفت أزمة عام 2026 أن مشكلة العراق مؤسسية أكثر منها مالية، وأن الصندوق لا ينجح إلا إذا اكتملت حوكمته وقواعده قبل تراكم موارده. لهذا لم تكن الأزمة اختباراً لحجم ثروة العراق، بقدر ما كانت اختباراً لهندسته المؤسسية. فدولة حصلت على أكثر من تريليون دولار وجدت نفسها تقترض لدفع رواتب شهر واحد، لا بسبب غياب القاعدة القانونية، بل لأن النص وُضع من دون إنشاء المؤسسة القادرة على تنفيذه. وتمثل اللحظة الراهنة فرصة نادرة: أساس قانوني قائم منذ عام 2019، وصندوق قيد الإنشاء، وبرلمان جديد، وأزمة جعلت كلفة التأخير واضحة لا لبس فيها.
ومع ذلك، قد تضيع هذه الفرصة إذا انعكس ترتيب الأولويات. فالصندوق الذي تتدفق إليه الأموال قبل استكمال قواعد حوكمته لا يحفظ ثروة الأجيال المقبلة، بل ينقل إنفاق الدولة إلى مجال أقل خضوعاً للرقابة. لذلك، يجب بناء المؤسسة قبل امتلاء خزينة الصندوق، لا بعده.
شارك هذا المقال!
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025
الصناديق السيادية: درس خليجي للعراق (قانون 2019 بلا آلية تنفيذ)
مدخل: تريليون دولار بلا احتياط
بين عامي 1927 و2003، حقق العراق نحو 283 مليار دولار من الإيرادات النفطية. وبين عامي 2003 و2022 وحدهما، بلغت هذه الإيرادات قرابة 1,310 مليارات دولار، وفق تقدير عصام الجلبي، الذي شغل منصب وزير النفط بين عامي 1987 و1990.
هذه أرقام اسمية غير معدّلة وفق التضخم، كما أنها لا تستند إلى سلسلة متصلة من الحسابات الحكومية المدققة. ومع ذلك، لا خلاف على ضخامة المبالغ. ومع ذلك، عندما اضطربت الملاحة في مضيق هرمز في ربيع 2026، تراجعت صادرات النفط من نحو 93-100 مليون برميل شهرياً إلى 9,884,130 برميلاً في نيسان/أبريل، وفق الأرقام النهائية لشركة تسويق النفط العراقية «سومو»، وانخفضت الإيرادات الشهرية من نحو 9.2 تريليون دينار إلى قرابة 1.4 تريليون.
يتوقف تقدير حجم الفجوة الناجمة عن ذلك على المعيار المعتمد في القياس. فقد قدّر المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، فجوة التمويل الشهرية بنحو 12.5 تريليون دينار، أو 9.5 مليارات دولار، قياساً بالإنفاق المرصود كاملاً في الموازنة. أما عند احتسابها على أساس التنفيذ الفعلي، فينخفض الرقم؛ إذ بلغ متوسط الإنفاق خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 نحو 9.4 تريليون دينار شهرياً، فيما قدّر وزير المالية فالح الساري العجز المتعلق بالرواتب وحدها بنحو 5 تريليونات دينار شهرياً. ووصف محافظ البنك المركزي، علي محسن العلاق، الوضع بأنه لم يعد عجزاً على الورق، بل أصبح عجزاً فعلياً ومزمناً.
وعلى الرغم من تحصيل العراق أكثر من تريليون دولار خلال عشرين عاماً، لم يكن لديه احتياطي مخصص يمكن اللجوء إليه عند توقف الإيرادات. والأساس القانوني للادخار قائم بالفعل؛ إذ تنص المادة 19/ثانياً من قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019 على تخصيص الإيرادات الفائضة، بعد تغطية أي عجز، في «صندوق سيادي». إلا أن نشر القانون في 5 آب/أغسطس 2019 لم يتبعه إنشاء مؤسسة تتولى تطبيق هذا النص.
لم تعد المسألة، إذاً، تتعلق بما إذا كان ينبغي للعراق إنشاء صندوق سيادي؛ فالقاعدة القانونية موجودة، كما أُعلن عن الصندوق. إنما يتمثل التحدي في بناء مؤسسة فاعلة. فمن دون إدارة مالية منضبطة وحوكمة قابلة للإنفاذ، لن يكون الصندوق أداة للادخار الحقيقي، بل مجرد وسيلة لنقل الإنفاق إلى مجال أقل خضوعاً للرقابة.
على الرغم من ضخامة الإيرادات النفطية ووجود إطار قانوني للادخار، لم ينشئ العراق مؤسسة فاعلة. وقد انكشفت هذه الهشاشة المالية بوضوح عندما تعطلت الصادرات.
أولاً: قاعدة ناقصة وتنفيذ غائب
لا تقتصر مشكلة النص الوارد في قانون 2019 على عدم تنفيذه، بل تمتد إلى نقصه في ذاته؛ فهو لا ينشئ صندوقاً، ولا ينظم الحوكمة أو السياسة الاستثمارية أو قواعد السحب. كذلك، يربط الادخار بتحقق فائض خلال سنة مالية واحدة، وهو شرط نادر في ظل بنية الإنفاق العراقية. والأهم من ذلك أن القانون نفسه يُلزم بإدخال جميع إيرادات النفط والغاز في الموازنة العامة وإيداعها في الخزينة العامة. ولذلك، فإن أي اقتطاع من المنبع، قبل دخول الإيرادات في دورة الإنفاق، يستلزم تعديل القانون أو مواءمة الصندوق معه؛ إذ لا يكفي سنّ قانون مستقل إلى جانبه.
يرتبط عدم تنفيذ النص ببنية الإنفاق في العراق. فرواتب الموظفين والمتقاعدين تشكّل نحو نصف الإنفاق العام، فيما موّل النفط أكثر من 92 في المئة من موارد الموازنة خلال النصف الأول من عام 2025. وفي هذا السياق، لا يمثّل الفائض ما يتبقى بعد تلبية احتياجات الإنفاق، بل ما يتعذر إنفاقه أكثر. وعندما أُغلق ممر التصدير، لم تكن لدى الخزينة أصول مخصصة يمكن تسييلها، فاتجهت الدولة إلى زيادة الاقتراض الداخلي والتوسع النقدي. وبحلول أيار/مايو 2026، بلغ الدين الداخلي مستوى قياسياً قدره 103 تريليونات دينار، منها نحو 8 تريليونات اقترضت في نيسان/أبريل وحده. ويتوقع المحلل محمود داغر ارتفاع الدين إلى ما بين 130 و140 تريليون دينار إذا استمرت الأزمة. وهكذا، لم يوفر غياب المدخرات أي حماية، وحوّل الاقتطاع الذي كان مقرراً إلى التزام مؤجل ومحمّل بالفوائد.
بسبب نقص قاعدة عام 2019 وعدم إنفاذها، اعتمد العراق خلال الأزمة على الاقتراض والتوسع النقدي بدلاً من الاستناد إلى مدخرات سابقة.
ثانياً: ثروة لم تتراكم
لو اقتطع العراق 10% فقط من إيراداته النفطية بين عامي 2003 و2022، لبلغ إجمالي المبالغ المحوّلة إلى الصندوق نحو 131 مليار دولار، قبل احتساب أي عوائد استثمارية. ونظراً إلى تركز هذه الإيرادات بدرجة كبيرة في السنوات الأخيرة من تلك المدة، لبلغ متوسط مدة استثمار المساهمات نحو أحد عشر عاماً، لا عشرين عاماً. وباحتساب عائد اسمي متحفظ قدره 5% سنوياً، كانت قيمة المحفظة ستبلغ اليوم نحو 225 مليار دولار؛ أما باحتساب العائد السنوي البالغ 6.86%، الذي حققه صندوق التقاعد الحكومي النرويجي العالمي منذ عام 1998، لاقتربت قيمتها من 270 مليار دولار.
هذا مثال توضيحي قائم على افتراضات معلنة، وليس تقديراً مدققاً. ذلك أن اقتطاع نسبة ثابتة قدرها 10% خلال سنوات العجز كان سيعني أن الادخار نفسه مموّل بالدين، وهو ما يجادل القسم الخامس من هذه الورقة بعدم جدواه. أما تطبيق قاعدة منضبطة للادخار، فكان سيؤدي إلى تراكم مبلغ أقل، لكن من دون كلفة اقتراض.
وحتى عند مستوى 225 مليار دولار، كانت المحفظة ستغطي نحو سنتين وفق أوسع تقدير للفجوة الشهرية الحالية، وما يقارب أربع سنوات وفق أضيق تقدير لها. غير أن المبلغ المتاح فعلياً للسحب كان سيقتصر على محفظة الاستقرار ويخضع لقواعدها، لا أن يشمل الصندوق بأكمله؛ لأن أموال الأجيال ليست مخصصة للإنفاق الحالي. وإذا وُزّع المبلغ حسابياً على 46,118,793 نسمة، وهو عدد سكان العراق المسجل في تعداد عام 2024، لبلغ نصيب الفرد الحسابي نحو 4,900 دولار. غير أن هذا الرقم لا يحمل دلالة كبيرة ما لم يُقارن بنصيب كل مواطن من الدين العام، وهي نقطة ستعود إليها الورقة لاحقاً.
كان من شأن اقتطاع متواضع من الإيرادات النفطية أن ينشئ محفظة كبيرة، لكن قيمتها وجدواها تعتمدان كلياً على الافتراضات الأساسية وسياسات السحب.
ثالثاً: فكرة تُعلَن ولا تتحول إلى مؤسسة
في آب/أغسطس 2021، شدد رئيس الوزراء آنذاك مصطفى الكاظمي على أهمية وضع الأسس لإنشاء «صندوق الأجيال». وفي شباط/فبراير 2025، أوضح مستشار رئيس الوزراء عامر العضاض أن إنشاء أي صندوق سيادي يتطلب تشريعاً من مجلس النواب، وأن ما طُرح سابقاً لم يتجاوز حديثاً إعلامياً. ويلخص هذا الوصف أصل المشكلة؛ إذ تظل الفكرة تُقدَّم بوصفها مشروعاً لرئيس الوزراء، لا مؤسسة دائمة من مؤسسات الدولة، ولذلك تنتهي بانتهاء ولايته.
يتكرر هذا النمط اليوم على نطاق أوسع. ففي حزيران/يونيو 2026، أعلن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إنشاء «صندوق الطاقة والتنمية»، على أن يُموّل في البداية بإيرادات تعادل 500 ألف برميل يومياً، مع إمكانية رفعها إلى مليوني برميل يومياً، وربما تشغيله خارج قيود حصص منظمة أوبك. وكان من المقرر إيداع حساباته لدى مؤسسات مصرفية أميركية كبرى، وتوظيف موارده عبر اتفاقيات مع شركات أميركية في قطاعي الكهرباء والبنية التحتية، مع توقع أن يحشد الصندوق نحو 400 مليار دولار خلال ثلاثة عقود. وجاء الإعلان ضمن حزمة من الاتفاقيات ومذكرة تفاهم وُقعت مع الجانب الأميركي في تموز/يوليو 2026، من دون نشر نص رسمي يؤكد أن الصندوق كان جزءاً من تلك الحزمة.
وبحلول الأول من تموز/يوليو، كان تصميم الصندوق قد تغير بالفعل؛ إذ قال الزيدي إنه سيكون مدعوماً من البنك المركزي العراقي، وسيُطرح للاكتتاب العام، ويُفتح أمام مشاركة السعودية والإمارات وقطر، إلى جانب الصناديق والمصارف الأميركية والأوروبية. والكيان الذي يتغير شكله مرتين خلال أسبوعين هو تحديداً من النوع الذي يحتاج إلى قانون، لا إلى إعلان.
تسبق تقييم المشروع مسألتان. تتعلق الأولى بالطبيعة القانونية، لا بمكان إيداع الأموال. فمنذ عام 2003، تُحفظ إيرادات النفط العراقي، وفق الترتيبات القائمة، لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ويمنح هذا الترتيب واشنطن نفوذاً عملياً على نقطة اختناق مالية شديدة الأهمية، مع بقاء الحساب ملكية سيادية عراقية. ومن ثم، فإن فتح حسابات إضافية في الولايات المتحدة لا ينشئ، في ذاته، تبعية جديدة. أما العنصر الجديد فهو الطبيعة القانونية للكيان؛ فالصندوق الذي يستثمر في مشروعات تنفذها شركات أميركية ليس مجرد حساب لتلقي الإيرادات، بل يثير أسئلة لم تكن الترتيبات القائمة مطالبة بالإجابة عنها: من يملك الحساب؟ ومن يحتفظ بالأصول؟ وبأي شروط يمكن نقلها؟ وما الحصانات التي تتمتع بها؟ ومن يملك صلاحية إصدار أوامر الصرف؟
أما المسألة الثانية، فهي أن العراق يمتلك بالفعل مؤسسة تنموية. فقد أُنشئ صندوق العراق للتنمية بموجب النظام رقم 3 لسنة 2023، وكُلّف بتنمية الموارد غير النفطية، وجذب رؤوس الأموال، وبناء شراكات مع القطاع الخاص. ومن شأن إنشاء نافذة تنموية ثانية إلى جانبه أن يعرّض العراق لازدواج مؤسسي قبل أن يتحقق أي ادخار فعلي.
تستمر مبادرات الصناديق في الظهور بوصفها مشروعات حكومية مؤقتة، فيما يثير المقترح الأخير تساؤلات بشأن بنيته القانونية واحتمال تداخل اختصاصاته مع صندوق العراق للتنمية.
رابعاً: ثلاثة نماذج خليجية
النموذج الكويتي: ألزم المرسوم بقانون رقم 106 لسنة 1976 بتحويل ما لا يقل عن 10% من الإيرادات العامة سنوياً إلى صندوق احتياطي الأجيال القادمة. لكن القانون رقم 18 لسنة 2020 حوّل هذا الاقتطاع الإلزامي إلى اقتطاع مشروط بتحقق فائض، بناءً على اقتراح الوزير المختص. وقد أُقر القانون في وقت كانت فيه سيولة صندوق الاحتياطي العام قد تراجعت إلى نحو ملياري دينار، مقابل سحوبات شهرية بلغت قرابة 1.7 مليار دينار. ولم تُلغَ قاعدة الادخار بقرار صريح، بل أُفرغت من مضمونها عبر تعديل تشريعي هادئ أُقر في لحظة عجز مالي. والدرس هنا ليس أن ربط الادخار بتحقق الفائض أمر خاطئ؛ فهذه الورقة توصي به. إنما الدرس أن إجراءات تعديل القاعدة، لا صيغتها، هي ما يحتاج إلى التحصين.
النموذج الإماراتي: تقدم الإمارات، وأبوظبي على وجه الخصوص، درساً في فصل الوظائف، وإن لم يكن هذا الفصل مطلقاً. يدير جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA) رأس المال الحكومي من خلال محفظة عالمية متنوعة ذات أفق طويل الأجل، بهدف تحقيق عوائد مالية مستدامة. وفي المقابل، تجمع شركة مبادلة بين تحقيق العوائد المالية والاستثمارات الاستراتيجية في القطاعات التي تنوّع اقتصاد أبوظبي وتسهم في بناء شركات وطنية وصناعات جديدة داخل الدولة وخارجها. وهكذا، لا تتحمل مؤسسة واحدة مهمتي حفظ الثروة وتمويل التحول الاقتصادي معاً، بل تتوزع الوظيفتان بين مؤسسات منفصلة ذات تفويضات وأولويات مختلفة. ويحد هذا الفصل من تعارض الأهداف، ويحمي مدخرات الأجيال من ضغوط الإنفاق المحلي وسياسات المحاصصة، ويمنع ازدواجية العمل.
النموذج السعودي: يتبع صندوق الاستثمارات العامة نهجاً معاكساً، إذ يجمع أدوار الاستثمار والتنمية والوظائف شبه المالية ضمن محفظة واحدة. وتقر استراتيجيته المعلنة للمدة 2026-2030 بصعوبة الموازنة بين الأثر التنموي والعائد المالي، وتعتمد استجابة لذلك نماذج تقييم مزدوجة. وقد تستطيع دولة تتمتع بانضباط مالي راسخ استيعاب هذا التعقيد، لكن دولة لا تزال في طور بناء منظومة الحوكمة ستواجه صعوبة في ذلك.
ولا يقتصر هذا الاستنتاج على دول الخليج. ففي تموز/يوليو 2026، رأى صندوق النقد الدولي أن الفصل القانوني، سواء من خلال صناديق مستقلة أم نوافذ منفصلة ومحصّنة قانونياً، هو النهج الأفضل لتحقيق تفويضات متمايزة، مستشهداً بـهيئة الاستثمار السيادية النيجيرية بوصفها نموذجاً.
تُظهر الكويت كيف يمكن أن تتآكل قاعدة الادخار بمرور الوقت، فيما يوضح النموذجان الإماراتي والسعودي أثر فصل التفويضات أو دمجها في الحوكمة والمساءلة.
خامساً: القاعدة المالية قبل الصندوق
ينطلق النهج البديل من ملاحظة حاكمة: الصندوق لا يصنع فائضاً. وما لم تسبقه قاعدة مالية تقيّد الإنفاق الجاري وفاتورة أجور القطاع العام، وتحدد معياراً واضحاً للعجز غير النفطي، فسيتحول إلى منفذ جديد لاقتراض الدولة وإنفاقها. ومن هذه الملاحظة تنبثق خمس ركائز:
- قاعدة ادخار مركّبة، لا نسبة ثابتة في أثناء العجز. يعني الاقتطاع بنسبة ثابتة في ظل عجز مزمن، عملياً، الاقتراض من أجل الادخار؛ أي توظيف الأموال بعائد منخفض مع تحمّل دين أعلى كلفة. وقد وثّق صندوق النقد الدولي هذه الحالة في غانا، التي ادخرت نحو 500 مليون دولار في صندوقين سياديين بين عامي 2012 و2014، في الوقت الذي اقترضت فيه قرابة 7 مليارات دولار بأسعار فائدة تجاوزت عوائد الصندوقين بنحو خمس نقاط مئوية. وأظهرت الغابون النمط نفسه، إذ أودعت أموالها بعوائد منخفضة، بينما دفعت فوائد أعلى على ديونها الخارجية، وفق دراسة «إطار مالي جديد للبلدان الغنية بالموارد». والبديل هو قاعدة من ثلاث خطوات: لا يتم التحويل إلا عند تجاوز السعر المرجعي للنفط أو تحقيق فائض في الرصيد الهيكلي المعلن؛ ثم تُسدّد المتأخرات والديون مرتفعة الكلفة أولاً؛ وبعد ذلك يُحوّل الفائض المتبقي إلى النوافذ المخصصة.
- نافذتان، لا ثلاث. نافذة للاستقرار وأخرى للأجيال، منفصلتان قانونياً، ولكل منهما تفويضها وقاعدة السحب الخاصة بها ومعيار مستقل لقياس أدائها. أما الوظيفة التنموية، فتبقى من اختصاص صندوق العراق للتنمية بعد إصلاحه، منعاً للازدواجية. وتحقق النرويج الاستقرار من خلال إطارها المالي، لا بواسطة صندوق ثانٍ؛ إذ ينبغي، على المدى الطويل، ألا يتجاوز العجز الهيكلي غير النفطي العائد الحقيقي المتوقع للصندوق، والمقدر بنحو 3 في المئة. ويحتاج العراق إلى صيغة أكثر صرامة، تتمثل في الفصل والتحصين القانونيين، لأن مستوى الانضباط المالي فيه لا يكفي وحده لإسناد مثل هذا الإطار.
- تسلسل واقعي. تتمثل الأولوية الفورية في إقرار القانون وبناء منظومة الحوكمة، مع حظر صريح للادخار المموّل بالدين. وبعد تعافي الإيرادات، ينبغي بناء احتياطي للاستقرار يغطي ما بين ثلاثة وستة أشهر من النفقات الأساسية. وفي مرحلة لاحقة فقط، تُحوّل الفوائض الهيكلية إلى صندوق للأجيال تُستثمر أمواله حصراً في الخارج، لحمايته من سياسات المحاصصة ومن تركز المخاطر داخل الاقتصاد نفسه الذي أُنشئ الصندوق لحمايته.
- الاندماج في الموازنة، لا الإفلات منها. يجب أن تمر جميع الإيرادات عبر الخزينة والحسابات الرسمية، وأن يظهر كل تحويل وسحب في قانون الموازنة والحساب الختامي. ويمثّل ذلك الضمانة الأساسية لمنع نشوء موازنة ظل، كما يضمن مواءمة الصندوق مع قانون 2019 بدلاً من وضعه في تعارض معه.
- الحماية من التعديل الهادئ. لا يستطيع قانون عادي منع برلمان لاحق من تعديله بأغلبية بسيطة؛ ولذلك فإن اشتراط أغلبية موصوفة يمثل ضمانة سياسية أكثر منه حماية قانونية قابلة للإنفاذ. أما الضمانات الإجرائية فهي أكثر فاعلية، ومنها: فرض مدة إلزامية بين طرح التعديل والتصويت عليه، ونشر تقييم مالي مستقل، وإجراء التصويت في جلستين منفصلتين، وحظر تمرير التعديلات عبر إدراجها في قانون الموازنة، إلى جانب النظر في تحصين القاعدة دستورياً في مرحلة لاحقة.
ولا يمكن إغفال بُعدين إضافيين. الأول اتحادي؛ إذ ينبغي أن يحدد القانون علاقة الصندوق بإقليم كردستان والمحافظات المنتجة وفقاً للمادتين 111 و112 من الدستور، بدلاً من الاكتفاء بصيغة عامة للملكية المشتركة. أما البُعد الثاني، فهو أن المرونة المطلوبة ليست مالية فحسب. فقد أظهرت أزمة مضيق هرمز أن الصندوق يستطيع تعويض انقطاع الإيرادات، لكنه لا يستطيع معالجة توقف الصادرات. ولذلك، يجب أن يسير تنويع منافذ التصدير وبناء مخزونات استراتيجية ومسارات بديلة بالتوازي مع إنشاء الصندوق.
يربط النهج البديل الصندوق بقاعدة مالية، ويفصل بين الاستقرار ومدخرات الأجيال، ويدمجه في الموازنة، ويعزز الضمانات الإجرائية، ويعالج الترتيبات الاتحادية، وينوّع منافذ التصدير.
سادساً: من الريع إلى الملكية المشتركة
تتنازع الكتل والمحافظات على الإيرادات النفطية في المفاوضات السنوية، ويشكّل هذا التنازع أحد محركات الانقسام القائم على الهوية. ومن شأن تحويل جزء من هذه الإيرادات إلى أصل مملوك للجميع بالتساوي أن يغيّر طبيعة العلاقة بالثروة نفسها؛ من حصة تُقسّم كل عام إلى ملكية مشتركة لا تُوزع سنوياً ولا تخضع للمساومات الدورية.
يمكن تجسيد هذه الفكرة عملياً من خلال نشر النصيب الحسابي السنوي للفرد من صافي الثروة السيادية. والمقصود هنا قسمة حسابية تحديداً، لا حساباً شخصياً أو حقاً قابلاً للسحب. فتبلغ قيمة صندوق النرويج نحو أربعة ملايين كرونة لكل مقيم مسجل، لكن هذا الرقم يُستخدم مؤشراً تقديرياً، لا رصيداً فردياً. وينبغي نشره إلى جانب نصيب الفرد من الدين العام؛ لأن عرض الأصول بمعزل عن الالتزامات يقدم صورة مضللة عن صافي الثروة.
ويبقى الأثر السياسي احتمالاً، لا نتيجة مضمونة؛ فهو يعتمد على الشفافية، وبناء ثقة عامة راسخة، والتمثيل العادل في إدارة الصندوق. وإذا تحققت هذه الشروط، فقد يعالج الصندوق مسألة لا تكشفها الأرقام وحدها: فالبرميل المستخرج اليوم هو أيضاً ملك للعراقي الذي سيولد بعد ثلاثين عاماً، ولا يوجد مبرر أخلاقي أو اقتصادي لاستهلاك جيل واحد القيمة الكاملة لمورد ناضب.
يمكن للصندوق أن يحوّل جزءاً من الريع إلى ملكية وطنية مشتركة، لكن أثره السياسي يعتمد على الشفافية والثقة العامة والتمثيل العادل.
التوصيات
أولاً، اعتماد قاعدة مالية قبل إنشاء الصندوق، تتضمن سقفاً لنمو الإنفاق الجاري وفاتورة أجور القطاع العام، ومعياراً معلناً للعجز غير النفطي.
ثانياً، تشريع قانون خاص بالصندوق عبر مجلس النواب، ينسجم مع قانون الإدارة المالية الاتحادية رقم 6 لسنة 2019، ويحدد تفويض الصندوق ومصدر تمويله وقواعد الإيداع فيه والسحب منه، قبل إيداع أي أموال إضافية فيه. وإذا مضى إنشاء الصندوق قبل صدور هذا القانون، فينبغي، في الحد الأدنى، منعه من تلقي إيرادات نفطية مقتطعة إلى حين دخول القانون حيز النفاذ.
ثالثاً، اعتماد قاعدة ادخار مركّبة تستند إلى الفائض أو الريع الاستثنائي، بدلاً من اقتطاع نسبة ثابتة في أثناء العجز، مع إعطاء الأولوية لتسوية المتأخرات والديون مرتفعة الكلفة.
رابعاً، الفصل قانونياً بين نافذتي الاستقرار والأجيال، وحصر هيكل الصندوق بهما، مع إبقاء الوظيفة التنموية لدى صندوق العراق للتنمية بعد إصلاحه، وتحديد علاقة الصندوق بإقليم كردستان والمحافظات المنتجة وفقاً للمادتين 111 و112 من الدستور.
خامساً، دمج الصندوق في الموازنة والحساب الختامي، وإخضاعه لرقابة ديوان الرقابة المالية الاتحادي ولتدقيق خارجي مستقل، وحظر الاقتراض بضمان أصوله من دون موافقة تشريعية، واعتماد الضمانات الإجرائية التي تحميه من التعديل الهادئ.
سادساً، نشر النصيب الحسابي للفرد من صافي الثروة السيادية إلى جانب نصيبه من الدين العام، والعمل بالتوازي على تنويع منافذ التصدير؛ لأن الصندوق يعوّض انقطاع الإيرادات، لا توقف الصادرات.
تتطلب فاعلية الصندوق قاعدة مالية منضبطة، وفصلاً واضحاً بين الوظائف، واندماجاً كاملاً في الموازنة، ورقابة مستقلة، ومعالجة متوازية لهشاشة مسارات التصدير العراقية.
خلاصة
كشفت أزمة عام 2026 أن مشكلة العراق مؤسسية أكثر منها مالية، وأن الصندوق لا ينجح إلا إذا اكتملت حوكمته وقواعده قبل تراكم موارده. لهذا لم تكن الأزمة اختباراً لحجم ثروة العراق، بقدر ما كانت اختباراً لهندسته المؤسسية. فدولة حصلت على أكثر من تريليون دولار وجدت نفسها تقترض لدفع رواتب شهر واحد، لا بسبب غياب القاعدة القانونية، بل لأن النص وُضع من دون إنشاء المؤسسة القادرة على تنفيذه. وتمثل اللحظة الراهنة فرصة نادرة: أساس قانوني قائم منذ عام 2019، وصندوق قيد الإنشاء، وبرلمان جديد، وأزمة جعلت كلفة التأخير واضحة لا لبس فيها.
ومع ذلك، قد تضيع هذه الفرصة إذا انعكس ترتيب الأولويات. فالصندوق الذي تتدفق إليه الأموال قبل استكمال قواعد حوكمته لا يحفظ ثروة الأجيال المقبلة، بل ينقل إنفاق الدولة إلى مجال أقل خضوعاً للرقابة. لذلك، يجب بناء المؤسسة قبل امتلاء خزينة الصندوق، لا بعده.
شارك هذا المقال
إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025



