الناتو في أنقرة: خرائط أمن جديدة على تخوم المنطقة

ملخص تنفيذي

تبحث هذه الورقة في دلالات انعقاد قمة الناتو في أنقرة، بوصفها مؤشراً على إعادة تموضع تركيا داخل الحلف، لا من زاوية استضافة بروتوكولية فحسب، بل بوصفها حلقة وصل بين الحرب الروسية – الأوكرانية وتحولات الأمن في الشرق الأوسط. فالقمة تعكس اتجاهاً أطلسياً لإعادة توزيع الأعباء الدفاعية، وتعزيز دور الصناعات العسكرية، وتوسيع مفهوم الأمن الجماعي ليشمل الجناح الجنوبي للحلف، ولا سيما ملفات إيران، الخليج العربي، وأمن الملاحة والطاقة. وفي هذا السياق، تبرز تركيا كفاعل ضروري للناتو، بحكم موقعها الجيوسياسي وقدرتها على الجمع بين البحر الأسود والشرق الأوسط. أما بالنسبة للعراق، فإن أهمية القمة تكمن في أن ترتيبات أمنية جديدة تتشكل حوله وتمس مصالحه المباشرة، من دون أن يمتلك حتى الآن تصوراً واضحاً لموقعه فيها أو أدوات تفاوضية فاعلة لحماية مصالحه وسيادته.

 

مقدمة

تستضيف العاصمة التركية أنقرة، يومَي 7 و8 تموز/يوليو 2026، القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بمشاركة قادة الدول الأعضاء الاثنتين والثلاثين، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس كوريا الجنوبية وقيادات الاتحاد الأوروبي في فعاليات موازية.  وهذه هي المرة الثانية التي تستضيف فيها تركيا قمة أطلسية بعد قمة إسطنبول عام 2004، أي بعد اثنين وعشرين عاماً. وتتصدر جدول الأعمال ثلاثة ملفات رئيسية: التحقق من تنفيذ تعهد قمة لاهاي (2025) برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول عام 2035، وتثبيت دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة سبعين مليار يورو لعام 2026 مع مستويات مماثلة في عام 2027، ثم ــ وهنا مكمن التحول ــ أمن الجناح الجنوبي للحلف وملف إيران. وعلى هامش القمة، تنعقد فعاليتان تكشفان اتجاه البوصلة: منتدى للصناعات الدفاعية يُتوقع أن يشهد إعلان عقود بعشرات المليارات، واجتماع لوزراء خارجية الناتو مع نظرائهم من البحرين والكويت وقطر والإمارات.

في ظاهرها، تبدو القمة اجتماعاً أطلسياً آخر حول أوكرانيا والإنفاق الدفاعي. أما في عمقها، فهي لحظة يعاد فيها وصل الأمن الأطلسي بأمن الشرق الأوسط، وتُعاد عبرها صياغة معادلات تمس العراق مباشرة، رغم أنه ليس حاضراً في القاعة.

أنقرة ليست تفصيلاً بروتوكولياً

اختيار أنقرة مكاناً للقمة ليس تفصيلاً بروتوكولياً في مؤسسة تحكمها الرمزية بقدر ما تحكمها الحسابات الاستراتيجية. فتركيا ليست عضواً عادياً في الناتو؛ إنها تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف بنحو نصف مليون عنصر، وتقف عند إحدى أكثر نقاط التماس حساسية بين الفضاء الأطلسي وملفات الشرق الأوسط الملتهبة، من سوريا والعراق إلى البحر الأسود وشرق المتوسط. وحين يعقد الحلف قمته في أنقرة بعد أشهر قليلة من حرب إيران ومن اهتزاز أمن الطاقة في الخليج العربي، فإنه يبعث برسالة عملية مفادها أن مركز ثقل التهديدات لم يعد محصوراً في الجبهة الشرقية مع روسيا، وأن “الجنوب” صار جزءاً من تعريف الأمن الجماعي لا هامشاً خارجياً له.

بهذا المعنى، لا تبدو الاستضافة التركية مجرد مكافأة سياسية لأنقرة أو اعتراف بموقعها داخل الحلف، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة تموضع تركيا وتأهيل دورها ضمن معادلتين متداخلتين. فمن جهة، يحتاج الناتو إلى تركيا بوصفها منصة توازن في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع ملفات إيران والخليج العربي وسوريا والعراق والطاقة والهجرة والأمن البحري. ومن جهة أخرى، يحتاجها في مقاربات الحرب الروسية – الأوكرانية، بوصفها العضو الأطلسي المطل على البحر الأسود، والقادر على إبقاء قنوات مفتوحة مع موسكو وكييف في آن واحد، والممسك بجزء من معادلات الممرات البحرية والطاقة والتسليح. لذلك تحمل قمة أنقرة رسالة مزدوجة: لا أمن أطلسياً مستقراً من دون الجبهة الشرقية، ولا إدارة فعالة للجناح الجنوبي من دون تركيا.

ثمة بعد آخر لا يقل دلالة، يتصل بالرمزية الشخصية والسياسية للاستضافة التركية. فقد أعلن ترامب أن مشاركته جاءت تلبية لطلب شخصي من الرئيس رجب طيب أردوغان، وذلك بعد أشهر من تشكيكه العلني في التزام واشنطن بالمادة الخامسة وتلويحه بمراجعة الوجود العسكري الأميركي في أوروبا. وتأتي القمة أيضاً في ذروة مسار تصالحي تركي – أميركي، عنوانه رفع القيود عن التجارة الدفاعية، وإعادة فتح ملف مقاتلات “إف-35″، وصفقات منظومات الدفاع الجوي الأوروبية. بهذا المعنى، تقدّم أنقرة نفسها بوصفها الحلقة التي تربط الحلف بجنوبه المضطرب، فيما يبدو الحلف محتاجاً إلى هذه الحلقة أكثر من أي وقت مضى.

 

تؤكد قمة أنقرة أن تركيا تتحول إلى جسر استراتيجي للناتو، يربط الأمن الأطلسي بملفات الشرق الأوسط، من أوكرانيا وإيران إلى الخليج العربي ومختبراً لتوزيع الأعباء ورسم توازنات أمنية جديدة إقليمياً في لحظة دولية حساسة.
 
إعادة توزيع الأعباء

العنوان الإجرائي للقمة هو “نقل الأعباء” (Burden-Shifting). فقد رفعت أوروبا وكندا استثماراتهما الدفاعية بما يزيد على 139 مليار دولار خلال عام 2025 وحده، فيما سيجري تمويل أوكرانيا للعامين المقبلين من دون مساهمة أميركية مباشرة تقريباً. غير أن قراءة هذا التحول بوصفه ملفاً محاسبياً فقط تفوّت جوهره؛ فما يعاد توزيعه ليس الفواتير وحدها، بل خرائط الاعتماد والتبعية أيضاً. وحين تتحول الصناعة الدفاعية إلى محور قمة كاملة، عبر منتدى خاص وعقود بعشرات المليارات ومشاريع أميركية تُعلَن من الأراضي التركية، فإن السلاح لا يبقى مجرد سلعة، بل يصبح أداة لهندسة التحالفات: من يملك خطوط الإنتاج يملك، بدرجة ما، قرار تحديد من يُسلَّح، ومتى، وبأي شروط ففي الحقيقة يملك جزءاً من قرار أمن الآخرين.

لقد فهمت تركيا هذه المعادلة مبكراً، فبنت صناعة مسيّرات ومنظومات دفاعية دفعت الأمين العام للحلف مارك روته إلى وصف ما جرى فيها بأنه “ثورة”.  غير أن الدرس هنا لا يخص تركيا وحدها. ففي المرحلة الأطلسية الجديدة، التي يسميها روته “الناتو 3.0“، لا يُقاس وزن الدولة داخل المنظومة الأمنية بموقعها الجغرافي فقط، بل بقدرتها على الإنتاج والإسناد أيضاً. وبالنسبة إلى الدول التي لا تملك صناعة دفاعية فاعلة ولا قرار تسليح مستقلاً، فإن هامش الحركة سيضيق كلما اتسعت هذه السوق السياسية الجديدة. فما يعاد توزيعه في أنقرة ليس فواتير الدفاع وحدها، بل خرائط الاعتماد والتبعية ايضًا.

 

ما يُعاد توزيعه في أنقرة ليس فواتير الدفاع وحدها، بل خرائط الاعتماد والتبعية أيضًا.

 

إيران والخليج العربي

الأكثر دلالة بالنسبة إلى منطقتنا هو ما توقعته وكالة رويترز نتيجة بعض التسريبات عن  البيان الختامي: تأكيد الحلفاء أن إيران “يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً أبداً”، ودعوتها إلى “الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز”.  قد تبدو العبارتان مألوفتين في الخطاب الأميركي، لكن إدراجهما في بيان قمة أطلسية ينطوي على معنى مختلف. فالبيانات الختامية للناتو وثائق تصاغ بالإجماع، وتؤسس لمواقف الحلف بوصفه منظومة، لا لمواقف أعضائه منفردين. وعندما يتحول مضيق هرمز، وهو ممر لا يطل عليه أي عضو أطلسي، إلى بند في وثيقة دفاع جماعي، فذلك يعني أن أمن الطاقة والملاحة في الخليج بات يُعامل بوصفه امتداداً للأمن الأطلسي نفسه.

السياق يفسر التوقيت. فالقمة تنعقد بعد أسابيع من ترتيبات هشة أوقفت الحرب مع إيران، وفي ظل مفاوضات متعثرة حول الملف النووي والملاحة، بينما تمر طهران بلحظة انتقال داخلي شديدة الحساسية. وبالتوازي مع لغة الردع هذه، يجلس وزراء خارجية أربع دول خليجية، هي البحرين والكويت وقطر والإمارات، إلى طاولة وزراء خارجية الحلف في أنقرة، في ترقية واضحة لمسار الشراكة الخليجية – الأطلسية الذي انطلق مع “مبادرة إسطنبول للتعاون” عام 2004. هكذا تكتمل الصورة: إيران تُخاطَب في البيان بوصفها مصدر تهديد، والخليج يُستدعى إلى الطاولة بوصفه شريكاً، وتركيا تحتضن المشهد بوصفها جسراً. وبين هذه الأضلاع الثلاثة تقف دولة تمسّها كل هذه الترتيبات مباشرة، لكنها ليست ممثلة في أي منها: العراق.

 

العراق هو الدولة التي تمسّها ترتيبات القمة مباشرة، لكنها ليست ممثلة في أيٍّ منها: إيران تُخاطَب بوصفها تهديدًا، والخليج يُستدعى بوصفه شريكًا، وتركيا تحتضن المشهد بوصفها جسرًا.

 

العراق: الغائب الذي تدور حوله الخرائط

للمفارقة، كان العراق حتى أشهر قليلة البلد الوحيد في المشرق الذي يحتفظ الناتو فيه بوجود ميداني فعلي. فقد انطلقت بعثة الناتو في العراق (NMI) عام 2018 بطلب من بغداد، بوصفها مهمة استشارية وتدريبية غير قتالية ضمت نحو 750 عنصراً من أكثر من عشرين دولة.  غير أن الحرب الإقليمية في آذار/مارس 2026 دفعت الحلف إلى إجلاء أفراد البعثة جميعاً إلى أوروبا، لتدير عملها منذ ذلك الحين من مقر إقليمي في نابولي الإيطالية، في وقت تتحدث فيه قيادات أطلسية عن إعادة تفعيلها لاحقاً “ضمن ترتيبات جديدة”.  وهذا يعني أن الحضور الأطلسي في العراق يمر هو الآخر بلحظة إعادة تعريف، لكن صياغتها تجري في بروكسل وأنقرة لا في بغداد.

يتزامن ذلك مع انحسار متدرج لوجود التحالف الدولي وفق الجداول المتفق عليها مع واشنطن، ومع نقاش داخلي عراقي لم يُحسم بعد حول مستقبل السلاح خارج إطار الدولة وموقع البلاد من أي تصعيد مقبل في الخليج. هنا تظهر المفارقة العراقية في قمة أنقرة: بنودها تلامس العراق من زاوية ما. فالبند الإيراني يخص جاره وشريكه الاقتصادي والأمني صاحب النفوذ والتدخّل فيه؛ وبند هرمز يخص شريان صادراته النفطية التي تعبر المضيق نفسه؛ والمسار الخليجي – الأطلسي يعيد رسم بيئته الجيوسياسية المباشرة؛ والصعود التركي داخل الحلف يمس دولة تتقاطع معها بغداد في ملفات المياه والأمن الحدودي وطريق التنمية. ومع ذلك، لا يملك العراق في هذه الهندسة صفة ولا طاولة ولا حتى ورقة موقف معلنة.

ليست المشكلة في غياب الدعوة؛ فالعراق ليس عضواً في الناتو ولا مرشحاً للعضوية، وقد لا تكون له مصلحة في الانضواء داخل اصطفاف عسكري يحوله إلى خط تماس. المشكلة أعمق من ذلك: أن تتشكل حول البلاد بنية أمنية إقليمية – أطلسية جديدة، بينما تتعامل بغداد مع عناصرها بمنطق رد الفعل المجزأ: ملف البعثة على حدة، وملف التحالف الدولي على حدة، وملف إيران على حدة. ما يغيب هو تصور جامع يحدد ما الذي تريده الدولة العراقية من علاقتها بالحلف، وما الحدود التي لا تقبل تجاوزها، وما الضمانات التي تطلبها مقابل أي دور. فالدول التي لا تملك تصوراً لموقعها في الهندسات الجديدة لا تُستبعد منها فقط، بل تتحول تدريجياً إلى موضوع لها: ساحة تدار فوقها التوازنات، لا طرفاً يفاوض عليها.

 

الدول التي لا تملك تصورًا لموقعها في الهندسات الجديدة لا تُستبعد منها فقط، بل تتحول تدريجيًا إلى موضوع لها: ساحة تُدار فوقها التوازنات، لا طرفًا يفاوض عليها.

 

خاتمة

لا تجعل قمة أنقرة من تركيا مجرد دولة مضيفة لاجتماع أطلسي رفيع، بل تكشف انتقالها إلى موقع أكثر مركزية في حسابات الناتو الجديدة. فالحلف، وهو يعيد توزيع أعبائه الدفاعية في ظل الحرب الروسية – الأوكرانية، يجد في تركيا نقطة ارتكاز تجمع بين البحر الأسود والشرق الأوسط، وبين متطلبات الردع شمالاً وإدارة التوازنات جنوباً. ومن هنا، تبدو القمة لحظة لإعادة تعريف الجناح الجنوبي للحلف، لا بوصفه هامشاً جغرافياً، بل بوصفه مجالاً حيوياً يتداخل فيه أمن الطاقة، وإيران، والخليج العربي، والصناعات الدفاعية، ومستقبل العلاقة مع واشنطن. أما دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق، فستكون معنية بنتائج هذا التموضع التركي – الأطلسي، سواء حضرت القاعة أم بقيت خارجها.

شارك هذا المقال!

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025

الناتو في أنقرة: خرائط أمن جديدة على تخوم المنطقة

ملخص تنفيذي

تبحث هذه الورقة في دلالات انعقاد قمة الناتو في أنقرة، بوصفها مؤشراً على إعادة تموضع تركيا داخل الحلف، لا من زاوية استضافة بروتوكولية فحسب، بل بوصفها حلقة وصل بين الحرب الروسية – الأوكرانية وتحولات الأمن في الشرق الأوسط. فالقمة تعكس اتجاهاً أطلسياً لإعادة توزيع الأعباء الدفاعية، وتعزيز دور الصناعات العسكرية، وتوسيع مفهوم الأمن الجماعي ليشمل الجناح الجنوبي للحلف، ولا سيما ملفات إيران، الخليج العربي، وأمن الملاحة والطاقة. وفي هذا السياق، تبرز تركيا كفاعل ضروري للناتو، بحكم موقعها الجيوسياسي وقدرتها على الجمع بين البحر الأسود والشرق الأوسط. أما بالنسبة للعراق، فإن أهمية القمة تكمن في أن ترتيبات أمنية جديدة تتشكل حوله وتمس مصالحه المباشرة، من دون أن يمتلك حتى الآن تصوراً واضحاً لموقعه فيها أو أدوات تفاوضية فاعلة لحماية مصالحه وسيادته.

 

مقدمة

تستضيف العاصمة التركية أنقرة، يومَي 7 و8 تموز/يوليو 2026، القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بمشاركة قادة الدول الأعضاء الاثنتين والثلاثين، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ورئيس كوريا الجنوبية وقيادات الاتحاد الأوروبي في فعاليات موازية.  وهذه هي المرة الثانية التي تستضيف فيها تركيا قمة أطلسية بعد قمة إسطنبول عام 2004، أي بعد اثنين وعشرين عاماً. وتتصدر جدول الأعمال ثلاثة ملفات رئيسية: التحقق من تنفيذ تعهد قمة لاهاي (2025) برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي بحلول عام 2035، وتثبيت دعم عسكري لأوكرانيا بقيمة سبعين مليار يورو لعام 2026 مع مستويات مماثلة في عام 2027، ثم ــ وهنا مكمن التحول ــ أمن الجناح الجنوبي للحلف وملف إيران. وعلى هامش القمة، تنعقد فعاليتان تكشفان اتجاه البوصلة: منتدى للصناعات الدفاعية يُتوقع أن يشهد إعلان عقود بعشرات المليارات، واجتماع لوزراء خارجية الناتو مع نظرائهم من البحرين والكويت وقطر والإمارات.

في ظاهرها، تبدو القمة اجتماعاً أطلسياً آخر حول أوكرانيا والإنفاق الدفاعي. أما في عمقها، فهي لحظة يعاد فيها وصل الأمن الأطلسي بأمن الشرق الأوسط، وتُعاد عبرها صياغة معادلات تمس العراق مباشرة، رغم أنه ليس حاضراً في القاعة.

أنقرة ليست تفصيلاً بروتوكولياً

اختيار أنقرة مكاناً للقمة ليس تفصيلاً بروتوكولياً في مؤسسة تحكمها الرمزية بقدر ما تحكمها الحسابات الاستراتيجية. فتركيا ليست عضواً عادياً في الناتو؛ إنها تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف بنحو نصف مليون عنصر، وتقف عند إحدى أكثر نقاط التماس حساسية بين الفضاء الأطلسي وملفات الشرق الأوسط الملتهبة، من سوريا والعراق إلى البحر الأسود وشرق المتوسط. وحين يعقد الحلف قمته في أنقرة بعد أشهر قليلة من حرب إيران ومن اهتزاز أمن الطاقة في الخليج العربي، فإنه يبعث برسالة عملية مفادها أن مركز ثقل التهديدات لم يعد محصوراً في الجبهة الشرقية مع روسيا، وأن “الجنوب” صار جزءاً من تعريف الأمن الجماعي لا هامشاً خارجياً له.

بهذا المعنى، لا تبدو الاستضافة التركية مجرد مكافأة سياسية لأنقرة أو اعتراف بموقعها داخل الحلف، بل جزءاً من عملية أوسع لإعادة تموضع تركيا وتأهيل دورها ضمن معادلتين متداخلتين. فمن جهة، يحتاج الناتو إلى تركيا بوصفها منصة توازن في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع ملفات إيران والخليج العربي وسوريا والعراق والطاقة والهجرة والأمن البحري. ومن جهة أخرى، يحتاجها في مقاربات الحرب الروسية – الأوكرانية، بوصفها العضو الأطلسي المطل على البحر الأسود، والقادر على إبقاء قنوات مفتوحة مع موسكو وكييف في آن واحد، والممسك بجزء من معادلات الممرات البحرية والطاقة والتسليح. لذلك تحمل قمة أنقرة رسالة مزدوجة: لا أمن أطلسياً مستقراً من دون الجبهة الشرقية، ولا إدارة فعالة للجناح الجنوبي من دون تركيا.

ثمة بعد آخر لا يقل دلالة، يتصل بالرمزية الشخصية والسياسية للاستضافة التركية. فقد أعلن ترامب أن مشاركته جاءت تلبية لطلب شخصي من الرئيس رجب طيب أردوغان، وذلك بعد أشهر من تشكيكه العلني في التزام واشنطن بالمادة الخامسة وتلويحه بمراجعة الوجود العسكري الأميركي في أوروبا. وتأتي القمة أيضاً في ذروة مسار تصالحي تركي – أميركي، عنوانه رفع القيود عن التجارة الدفاعية، وإعادة فتح ملف مقاتلات “إف-35″، وصفقات منظومات الدفاع الجوي الأوروبية. بهذا المعنى، تقدّم أنقرة نفسها بوصفها الحلقة التي تربط الحلف بجنوبه المضطرب، فيما يبدو الحلف محتاجاً إلى هذه الحلقة أكثر من أي وقت مضى.

 

تؤكد قمة أنقرة أن تركيا تتحول إلى جسر استراتيجي للناتو، يربط الأمن الأطلسي بملفات الشرق الأوسط، من أوكرانيا وإيران إلى الخليج العربي ومختبراً لتوزيع الأعباء ورسم توازنات أمنية جديدة إقليمياً في لحظة دولية حساسة.
 
إعادة توزيع الأعباء

العنوان الإجرائي للقمة هو “نقل الأعباء” (Burden-Shifting). فقد رفعت أوروبا وكندا استثماراتهما الدفاعية بما يزيد على 139 مليار دولار خلال عام 2025 وحده، فيما سيجري تمويل أوكرانيا للعامين المقبلين من دون مساهمة أميركية مباشرة تقريباً. غير أن قراءة هذا التحول بوصفه ملفاً محاسبياً فقط تفوّت جوهره؛ فما يعاد توزيعه ليس الفواتير وحدها، بل خرائط الاعتماد والتبعية أيضاً. وحين تتحول الصناعة الدفاعية إلى محور قمة كاملة، عبر منتدى خاص وعقود بعشرات المليارات ومشاريع أميركية تُعلَن من الأراضي التركية، فإن السلاح لا يبقى مجرد سلعة، بل يصبح أداة لهندسة التحالفات: من يملك خطوط الإنتاج يملك، بدرجة ما، قرار تحديد من يُسلَّح، ومتى، وبأي شروط ففي الحقيقة يملك جزءاً من قرار أمن الآخرين.

لقد فهمت تركيا هذه المعادلة مبكراً، فبنت صناعة مسيّرات ومنظومات دفاعية دفعت الأمين العام للحلف مارك روته إلى وصف ما جرى فيها بأنه “ثورة”.  غير أن الدرس هنا لا يخص تركيا وحدها. ففي المرحلة الأطلسية الجديدة، التي يسميها روته “الناتو 3.0“، لا يُقاس وزن الدولة داخل المنظومة الأمنية بموقعها الجغرافي فقط، بل بقدرتها على الإنتاج والإسناد أيضاً. وبالنسبة إلى الدول التي لا تملك صناعة دفاعية فاعلة ولا قرار تسليح مستقلاً، فإن هامش الحركة سيضيق كلما اتسعت هذه السوق السياسية الجديدة. فما يعاد توزيعه في أنقرة ليس فواتير الدفاع وحدها، بل خرائط الاعتماد والتبعية ايضًا.

 

ما يُعاد توزيعه في أنقرة ليس فواتير الدفاع وحدها، بل خرائط الاعتماد والتبعية أيضًا.

 

إيران والخليج العربي

الأكثر دلالة بالنسبة إلى منطقتنا هو ما توقعته وكالة رويترز نتيجة بعض التسريبات عن  البيان الختامي: تأكيد الحلفاء أن إيران “يجب ألا تمتلك سلاحاً نووياً أبداً”، ودعوتها إلى “الاحترام الكامل لحرية الملاحة في مضيق هرمز”.  قد تبدو العبارتان مألوفتين في الخطاب الأميركي، لكن إدراجهما في بيان قمة أطلسية ينطوي على معنى مختلف. فالبيانات الختامية للناتو وثائق تصاغ بالإجماع، وتؤسس لمواقف الحلف بوصفه منظومة، لا لمواقف أعضائه منفردين. وعندما يتحول مضيق هرمز، وهو ممر لا يطل عليه أي عضو أطلسي، إلى بند في وثيقة دفاع جماعي، فذلك يعني أن أمن الطاقة والملاحة في الخليج بات يُعامل بوصفه امتداداً للأمن الأطلسي نفسه.

السياق يفسر التوقيت. فالقمة تنعقد بعد أسابيع من ترتيبات هشة أوقفت الحرب مع إيران، وفي ظل مفاوضات متعثرة حول الملف النووي والملاحة، بينما تمر طهران بلحظة انتقال داخلي شديدة الحساسية. وبالتوازي مع لغة الردع هذه، يجلس وزراء خارجية أربع دول خليجية، هي البحرين والكويت وقطر والإمارات، إلى طاولة وزراء خارجية الحلف في أنقرة، في ترقية واضحة لمسار الشراكة الخليجية – الأطلسية الذي انطلق مع “مبادرة إسطنبول للتعاون” عام 2004. هكذا تكتمل الصورة: إيران تُخاطَب في البيان بوصفها مصدر تهديد، والخليج يُستدعى إلى الطاولة بوصفه شريكاً، وتركيا تحتضن المشهد بوصفها جسراً. وبين هذه الأضلاع الثلاثة تقف دولة تمسّها كل هذه الترتيبات مباشرة، لكنها ليست ممثلة في أي منها: العراق.

 

العراق هو الدولة التي تمسّها ترتيبات القمة مباشرة، لكنها ليست ممثلة في أيٍّ منها: إيران تُخاطَب بوصفها تهديدًا، والخليج يُستدعى بوصفه شريكًا، وتركيا تحتضن المشهد بوصفها جسرًا.

 

العراق: الغائب الذي تدور حوله الخرائط

للمفارقة، كان العراق حتى أشهر قليلة البلد الوحيد في المشرق الذي يحتفظ الناتو فيه بوجود ميداني فعلي. فقد انطلقت بعثة الناتو في العراق (NMI) عام 2018 بطلب من بغداد، بوصفها مهمة استشارية وتدريبية غير قتالية ضمت نحو 750 عنصراً من أكثر من عشرين دولة.  غير أن الحرب الإقليمية في آذار/مارس 2026 دفعت الحلف إلى إجلاء أفراد البعثة جميعاً إلى أوروبا، لتدير عملها منذ ذلك الحين من مقر إقليمي في نابولي الإيطالية، في وقت تتحدث فيه قيادات أطلسية عن إعادة تفعيلها لاحقاً “ضمن ترتيبات جديدة”.  وهذا يعني أن الحضور الأطلسي في العراق يمر هو الآخر بلحظة إعادة تعريف، لكن صياغتها تجري في بروكسل وأنقرة لا في بغداد.

يتزامن ذلك مع انحسار متدرج لوجود التحالف الدولي وفق الجداول المتفق عليها مع واشنطن، ومع نقاش داخلي عراقي لم يُحسم بعد حول مستقبل السلاح خارج إطار الدولة وموقع البلاد من أي تصعيد مقبل في الخليج. هنا تظهر المفارقة العراقية في قمة أنقرة: بنودها تلامس العراق من زاوية ما. فالبند الإيراني يخص جاره وشريكه الاقتصادي والأمني صاحب النفوذ والتدخّل فيه؛ وبند هرمز يخص شريان صادراته النفطية التي تعبر المضيق نفسه؛ والمسار الخليجي – الأطلسي يعيد رسم بيئته الجيوسياسية المباشرة؛ والصعود التركي داخل الحلف يمس دولة تتقاطع معها بغداد في ملفات المياه والأمن الحدودي وطريق التنمية. ومع ذلك، لا يملك العراق في هذه الهندسة صفة ولا طاولة ولا حتى ورقة موقف معلنة.

ليست المشكلة في غياب الدعوة؛ فالعراق ليس عضواً في الناتو ولا مرشحاً للعضوية، وقد لا تكون له مصلحة في الانضواء داخل اصطفاف عسكري يحوله إلى خط تماس. المشكلة أعمق من ذلك: أن تتشكل حول البلاد بنية أمنية إقليمية – أطلسية جديدة، بينما تتعامل بغداد مع عناصرها بمنطق رد الفعل المجزأ: ملف البعثة على حدة، وملف التحالف الدولي على حدة، وملف إيران على حدة. ما يغيب هو تصور جامع يحدد ما الذي تريده الدولة العراقية من علاقتها بالحلف، وما الحدود التي لا تقبل تجاوزها، وما الضمانات التي تطلبها مقابل أي دور. فالدول التي لا تملك تصوراً لموقعها في الهندسات الجديدة لا تُستبعد منها فقط، بل تتحول تدريجياً إلى موضوع لها: ساحة تدار فوقها التوازنات، لا طرفاً يفاوض عليها.

 

الدول التي لا تملك تصورًا لموقعها في الهندسات الجديدة لا تُستبعد منها فقط، بل تتحول تدريجيًا إلى موضوع لها: ساحة تُدار فوقها التوازنات، لا طرفًا يفاوض عليها.

 

خاتمة

لا تجعل قمة أنقرة من تركيا مجرد دولة مضيفة لاجتماع أطلسي رفيع، بل تكشف انتقالها إلى موقع أكثر مركزية في حسابات الناتو الجديدة. فالحلف، وهو يعيد توزيع أعبائه الدفاعية في ظل الحرب الروسية – الأوكرانية، يجد في تركيا نقطة ارتكاز تجمع بين البحر الأسود والشرق الأوسط، وبين متطلبات الردع شمالاً وإدارة التوازنات جنوباً. ومن هنا، تبدو القمة لحظة لإعادة تعريف الجناح الجنوبي للحلف، لا بوصفه هامشاً جغرافياً، بل بوصفه مجالاً حيوياً يتداخل فيه أمن الطاقة، وإيران، والخليج العربي، والصناعات الدفاعية، ومستقبل العلاقة مع واشنطن. أما دول المنطقة، وفي مقدمتها العراق، فستكون معنية بنتائج هذا التموضع التركي – الأطلسي، سواء حضرت القاعة أم بقيت خارجها.

شارك هذا المقال

إخلاء المسؤولية: الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المحتوى تعبّر عن أصحابها فقط، ولا تعكس بالضرورة موقف مؤسسة دايركت للسياسات.
حقوق النشر: نسمح بمشاركة روابط مقالاتنا البحثية وتحليلاتنا المنشورة (والمحمية بحقوق الملكية الفكرية)، بشرط عدم نسخ محتواها كليًا أو جزئيًا، أو إعادة نشره في أي مكان آخر، أو إعادة إنتاجه بأي شكل، دون الحصول على موافقة مسبقة من مؤسسة دايركت للسياسات. جميع الحقوق محفوظة © 2025